طوابير وراء طوابير من الفائضين عن الحاجة وممن لايصلحون للاستخدام الاجتماعي في الاتجاه رأسا إلى قاع مستنقع مصر العسكري

أمين المهدي سليم
2020 / 1 / 19

تأسست جمهورية عصابات يوليو العسكرية بعد الإنقلاب على الدولة الملكية الدستورية المدنية في 1952 على عدة محاور استراتيجية :
أولا : اضعاف المشاركة الشعبية والمجتمع المدني وإنهاكه وتفكيكه لحد العجز الكامل بإلغاء كامل للشارع السياسي وتجميد كل أنواع الحريات الاقتصادية والاجتماعية والتعبيرية والبحثية والثقافية والدينية، وإلغاء حقوق تأسيس منابر الرأي ومراكز البحث والدراسات وروابط الهوايات والفن والنقابات والأحزاب والجمعيات وكل الأنشطة الأهلية والتطوعية، والسماح فقط بهياكل جوفاء تخدم الأمن وتقوم بالتجييش والحشد الغوغائي.
ثانيا : زيادة دور الدين في الحياة العامة ونشر نسخة تدين طقسي محافظ منفر كريه عقيم متطفل ومتطرف منزوع الإنسانية والعقل والضمير والخلق، محوره الجسد تحريما ولذة، وأخلاق الجسد الغرائزية المنحطة، واطلاق عملية إنشاء المساجد والمصليات العشوائية في كل مكان بما فيها المؤسسات الحكومية ومراكز وأقسام الشرطة والمستشفيات والحدائق العامة وبدرونات المنازل والجراجات، ومعها ميكروفونات ملوثة للبيئة إلى حد لايطاق، وغض الطرف عن تمويلات رابطة العالم الإسلامي الإرهابية وتبرعات جماعات الظلام من ممالك البترودولار. قبل الإنقلاب العسكري على الدولة الملكية المدنية الدستورية كان تعداد المعاهد الدينية العليا 3 متوزعين على القاهرة وطنطا والإسكندرية، وكان تعداد المدارس الدينية 7 عبارة عن 4 في التعليم الابتدائي و 3 في التعليم الثانوي، والآن تعداد المدارس الدينية الرثة الأقل مستوى بالتأكيد تصل إلى 30 ألف (ثلاثون ألفا) ةتعداد المعاهد العليا والكليات الطائفية العنصرية لايقل عن 900.
ثالثا : تخريب كل أنواع الملكية الفردية أساس التنمية الرأسمالية، وهى التنمية الوحيدة المعروفة طوال التاريخ البشري، وهى الوحيدة التى تحقق التراكم الرأسمالي (وأيضا فائض القيمة) وتقليص القطاع الخاص (قاطرة التنمية) وحصر دوره داخل المركزية الاقطاعية العسكرية، واشاعة تقديس الملكية العامة والقطاع العام المنبع الحقيقي لتكلفة القمع وبؤرة الفساد والنهب في دول الطغيان المركزية، والمدخل الواسع للاقتصاد العسكري القذر وأسواقه السوداء المخربة.
رابعا : إلغاء دور الوكلاء الاجتماعيين وهم الخميرة الحقيقية للوكلاء السياسيين واستبدالهم بوسطاء دينيين وتقليديين من العشائر والطوائف والضباط المتقاعدين والمخبرين والخارجين على القانون والبلطجية وتجار المخدرات والأسواق السوداء.
خامسا : تضخيم حجم ودور الجيش في الحياة المدنية، بينما هو يعتمد على السخرة المدنية كجنود وسلسلة ضخمة من الكليات العسكرية الرثة البائسة التى تلقن فقط الولاء، وتحويل الجيش برمته إلى جهاز قمع وتزوير لإرادة الشعب اخطبوطي مترامي الأطراف، ونشر الضباط المتقاعدين في كل أنحاء نشاط الدولة، وتوسيع نشاطه الاقتصادي على حساب الموارد الوطنية ومدخرات المدنيين وممارسة كل أنواع التهريب والأسواق السوداء والجباية والأنشطة الخارجة على القانون، ناهيك عن التوسع في الاستدانة بسفه لحد رهن كل الأصول الرأسمالية الوطنية، دون إنشاء هيكل إنتاجي اجتماعي واحد.
سادسا : ترحيل الفشل الداخلي المتفاقم والمستعصي على كل أنواع التغيير أو الاصلاح إلى الخارج عبر قضايا غير جادة وشعبوية جوفاء مثل "المعركة ضد الإمبريالية والثورة المضادة" و "مقاومة الاستعمار" الذى كان قد تلاشي بفعل الإرادة الدولية، غير أن أم قضايا الاستهلاك المحلي كانت "تحرير فلسطين من النهر إلى البحر" و"رمي إسرائيل المزعومة في البحر"، ومع الهزائم المذلة المتعمدة والمحتومة صارت "إزالة آثار العدوان" و"ماأخذ بالقوة لايسترد إلا بالقوة" وباقي تلك السلسلة من العنتريات الصاخبة البائسة الجوفاء، بينما كان السبب العام الحقيقي منذ اشتعال الصراع في الهزائم وإنتصار إسرائيل المستمر والدائم هو خروج العرب على الشرعية الدولية وعدم فهمها والجهل بآلياتها وقواعدها القانونية والدبلوماسية..
سابعا : منذ اللحظة الأولى لتأسيس هذه الجمهورية التعسة كانت مهمتها الحقيقية واستحقاقات استمرارها وحمايتها إقليميا ودوليا سرا في الماضي، ثم علنا في الوقت الحالي هو المساهمة المباشرة في توسع إسرائيل وخدمة مشروع إسرائيل الكبرى بكل الوسائل، وعلى حساب كل الموارد والتراب الوطني والمصالح العليا كما سبق وبينت وشرحت مرارا.
ثامنا : يلاحظ أن توسيع دور الجيش وزيادة الامتيازات العسكرية المخبولة الخارجة على كل منطق، والزيادة السرطانية لكل من هو فائض عن الحاجة، ولا يتمتع بأي مهارات اجتماعية، ولا يصلح للاستخدام الاجتماعي، وهم خريجي المدارس والمعاهد العسكرية التى تتزايد وتتوسع بجنون، وكذا التوسع خارج كل سيطرة في إنشاء مدارس التعليم الديني، ناهيك عن تمدد شبكة المافيا والسماسرة وأباطرة الأسواق السوداء من ضباط الجيش المتقاعدين، واختراقهم وتخريبهم لكل الأنشطة المدنية، ويتناسب كل ذلك طرديا مع التوسع في خدمة مشروع إسرائيل الكبرى واهدار حقوق مصر في كل ترابها الوطني ومصالحها ومواردها الوطنية.
تاسعا : شكلت فترة حكم أنور السادات بما له وبما عليه نقيضا جدليا داخليا، وردة فعل للعصر الناصري، وكل أهداف داخل جمهورية عصابات يوليو العسكرية، وإن كان هذا يحتاج إلى معايير مختلفة عند تقييمه، وبالطبع لايتسع المقام لمعالجته.
(من كتابي "رؤية للخلاص الوطني") #أرشيف_مواقع_أمين_المهدي