الترجمة من الذات للآخر كدالة حضارية

حاتم الجوهرى
2020 / 1 / 18

في سبيل تغيير الصورة النمطية للذات العربية من خلال عملية الترجمة إلى الآخر، يجب علينا الاهتمام بدراسة ما يجب ترجمته للآخر وتحديده جيدًا، وفق مفاهيم الصورة النمطية السائدة عنا في الغرب وفق المجالات الرئيسة، وذلك لنقارن بين الموجود بالفعل أو ما قد يجري ترجمته للآخر حاليًا، وبين المطلوب بالفعل ترجمته، والحجم النسبي بين عملية الترجمة عن الآخر من جهة وإلى الآخر من جهة أخرى. هنا سنجد أن الواقع يقول بأن معظم مُخرجات عملية الترجمة عن العربية للآخر التي يقوم بها العرب بأنفسهم؛ تنحصر في ثلاث وهي: الترجمة البروتوكولية (في النطاق الدبلوماسي ومؤسسات الرئاسة وما يتعلق بمستوى لقاءات القمة)، والعقيدي (فيما يتعلق بالمجال الديني والتعريف بالإسلام والدعوة له أو تقديم المزيد للمسلمين غير المتحدين بالعربية)، والأدبي (فيما يتعلق بنقل الشعر أو الروايات أو القصص المعاصر بالإضافة لبعض النماذج التراثية).
لكنها تفتقد للأهم وهو الترجمة على مستوى نقاط التدافع الفكري وأنماط التدافع الحضاري مع الآخر في القضايا المفصلية التي ستُعنى بتغيير صورة الذات العربية، ونقل وجهة نظر الذات العربية إلى الآخر في خطاب يتجاوز فخاخ الصورة النمطية السابقة الموجودة عند الآخر، لهذا يمكن القول إنه "تمثل الترجمة في إطار هذا التطور مؤشرًا على طبيعة الحراك الاجتماعي واتجاهه وقوة الدفع، ابتغاء النهوض أو اطراد التقدم، ودالة على الوعي بالذات في إطار المنافسة أو الصراع على الوجود"(1)، فيصح اعتبار عملية الترجمة في العموم - والترجمة عن الذات إلى الآخر المتعدد خصوصًا- دالة ومقياسا، للتعرف على مدى الوعي بأهمية حضور الذات في مجال التعريف بنفسها للآخر وتغيير صورته النمطية عنده، وتقديم وجهة نظرها له خاصة في ظل وجود العديد من القضايا التي ترتبط بأنماط التدافع الحضاري المختلفة فكريًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا، وكذلك اختيار ما يناسبها للتعرف على الآخر عند الترجمة منه، من هنا يعقد البعض علاقة بين الترجمة (من وإلى) وبين التفوق والتقدم الحضاري عمومًا، حيث "يذكرك أنصار الترجمة بحقيقة أن المجتمعات المتقدمة والمتفوقة في عالم اليوم، هي مجتمعات تشهد لغاتها نشاطًا ترجميًّا كبيرًا، باعتبارها هدفًا يترجم إليها، أو مصدرًا يترجم عنها، أما المجتمعات المتأخرة فإن النشاطات الترجمية التي تشهدها لغاتها نشاطات محدودة"(2)
هنا لابد من التأكيد على أن العديد من التجارب العربية - مثل التجربة المصرية في المركز القومي للترجمة - أهملت اعتبار الترجمة في الاتجاهين بوصفهما دالة حضارية، واعتبرت أن الترجمة عن الآخر هي مقياس النجاح ودال التحضر (ربما هنا بوضع فكرة الاستلاب للآخر في الاعتبار)، حتى إن القانون المؤسس للمركز القومي للترجمة الذي صدر في العقد الأول من القرن الحادي العشرين عام 2006م؛ نص في منطوقه وفي تعريف نشاط المركز على قيامه بالترجمة من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية، ولم يتناول الاهتمام بالترجمة عن العربية إلى لغات العالم قط!
بما يدل على أن القائمين عليه؛ لم يكونوا في حالة اهتمام بوجود الذات العربية وعرض وجهة نظرها على العالم، رغم أنه تم تأسيسه في فترة حرجة للغاية تلت أحداث 11 سبتمبر والانتفاضة الفلسطينية الثانية وغزو العراق، في حين أن العديد من الأصوات كانت قد تعالت مرارًا وتكرارًا تطالب بالاهتمام بالترجمة للآخر، خاصة من خلال المركز العلمي للترجمة – في المرحلة الأخيرة وبعد ثورة 25 يناير – بوصفه جزءًا مؤسسيًّا من الهيئة المصرية العامة للكتاب، حيث حاول المركز -في ظل إشرافي عليه والسعي لتفعيله- تقديم مشروع لتغيير الصورة النمطية للذات العربية/ المصرية/ الشرقية، والترجمة للآخر ليكمل نطاق عمل المركز القومي للترجمة ويعالج القصور فيه لكنه لأسباب غير معلومة لم يلق الاهتمام الكافي والاستجابة والحماس الجاد من البعض.
إنما لا يسعنا سوى القول بأن الترجمة يجب أن تكون طريقًا في اتجاهين فـ"لا يجب أن يغيب عن أذهاننا أن دور الترجمة في الثقافة ليس طريقًا وحيد الاتجاه، بل ينبغي أن يكون طريقًا مؤديًا إلى اتجاهين: من لغات أجنبية إلى العربية وبالعكس"(3)، وذلك بوصف الترجمة فعلًا حضاريًّا ووجوديًّا أساسيًّا في عالم متشابك يعتمد على المعرفة وإتاحتها، وعلى مواجهة الأنماط الحضارية التي تحاول فرض هيمنتها وتذويب كل المغاير، خاصة وأن تلك الفترة شهدت صعودًا متزايدًا لمشروع العولمة وفرض النمط الأمريكي، بما كان يستوجب فهم دور الترجمة في تلك الفترة التاريخية باعتبار أولوية "الترجمة في عصر العولمة أو عصر ثورة المعرفة أو ثورة الاتصالات.. وكذا الترجمة في إطار صراع الوجود تأسيسًا على المعرفة فيما بين المجتمعات، ضمانًا للسبق الحضاري والمنعة الحضارية وليس مجرد البقاء"(4)
المشكلة هنا أن من يقوم بعملية الترجمة ويضطلع بمهامها يجب أن يكون على صلة بمستودع هوية الذات العربية، ومؤمن بما تحمله طبقاتها الثقافية من طبقات ومكونات متراكمة قادرة لأن تصبح أساسًا للانطلاق الحضاري، لا أن تكون فكرة الترجمة الأساسية هي تحول الذات وخضوعها لمشروع الآخر والأخذ عنها حتى لا يصبح هناك مكانًا لشيء آخر سوى الوافد من الآخر/ الأجنبي، لأنه "من خلال الترجمة يتعرف الأنا على الآخر كما يكشف له أيضا عن ثقافته الخاصة.."(5)، فلسفة الترجمة أو نظرية الترجمة أو سياسة الترجمة هنا حاكمة يجب اعتبار الترجمة هنا وسيلة في التدافع الحضاري تصبح قيمة مضافة لوجود الذات العربية، لا أن تصبح قيمة بالخصم منها لصالح الآخر والاستلاب له، وأعتقد أن هذه هى الأزمة الحقيقة في سياسات الترجمة في العديد من تجارب العالم العربي، وفهمها لمحددات التدافع بين الذات والآخر من خلال الترجمة، فالترجمة هي عملية "عن طريقها يمكن نقل أحدث ما توصل إليه العلم.. وكذلك نقل تراثنا العربي إلى البلاد التي لا تعرف العربية، بل تتكلم لغات أخرى"(6)



هوامش

1 - شوقي جلال، الترجمة في العالم العربي: الواقع والتحديات، ص135، المركز القومي للترجمة، مصر، العدد1423، سلسلة دراسات الترجمة، ط1، 2010م.
2 - عبده عبود، هجرة النصوص: دراسة في الترجمة الأدبية والتبادل الثقافي، ص13، منشورات اتحاد الكتاب العرب، سنة 1995م.
3 - عبده عبود، هجرة النصوص: دراسة في الترجمة الأدبية والتبادل الثقافي، ص20.
4 - شوقي جلال، الترجمة في العالم العربي: الواقع والتحديات، ص53.
5 - آمال فريد، إعداد المترجم للمشاركة في التنمية الثقافية، ص27، المنشور ضمن: ندوة الترجمة والتنمية الثقافية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1992.
6 - ماري مسعود، المترجم وإسهامه في التنمية الثقافية، ص35، المنشور ضمن: ندوة الترجمة والتنمية الثقافية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1992.