تصادم الرأسماليات/ الصراع الحقيقي من اجل مستقبل اقتصاد العالم

رعد موسى الجبوري
2020 / 1 / 14

بقلم : برانكو ميلانوفيك
الرأسمالية تحكم العالم. جميع العالم،عدا القلة، ينظم اقتصاده على نفس الشاكلة: العمل طوعي، والرأسمال بيد ايدي خاصة على الاغلب، والانتاج ينظم لامركزيا ويتحفز حسب الربحية. ولا توجد سابقة تاريخية لهذا النصر، ففي الماضي- ان كان في ميسوبوتاميا القرن السادس قبل الميلاد أو في الامبراطورية الرومانية أو في دول المدن الايطالية في القرون الوسطى او في البلدان الغير متطورة في بدايات عصر الحداثة- كان عليها ان تتعايش مع طرق اخرى لتنظيم الانتاج. تضمنت هذه البدائل الصيد وجمع الثمار والزراعة البدائية الصغيرة بواسطة مزارعين احرار، والعبودية. وحتى قبل 100 عام حين بدأ الشكل الاول للرأسمالية العالمية مع تباشير الانتاج الصناعي الكبير والتجارة العالمية كان العديد من اطوار الانتاج هذه لاتزال حية. وبعد ثورة 1917 الروسية كانت الرأسمالية تقتسم العالم مع الشيوعية والتي سادت في بلدان تضم حوالي ثلث البشرية. وحاليا فالرأسمالية هي طور الانتاج الرئيسي المتبقي.
من الشائع وبشكل متصاعد نسمع المعلقين في الغرب يصفون النظام الحالي ب "الرأسمالية المتأخرة"، وكأن النظام الاقتصادي يقف على حافة الزوال. واخرين يقترحون ان الرأسمالية تواجه تهديد جديد من الاشتراكية. ولكن الحقيقية الحتمية ان الرأسمالية وجدت لتبقى وليس لها منافس. المجتمعات حول العالم عانقت التنافسية وروح الاستحواذ المرتبطة بالرأسمالية، وبدونها تنخفض المداخيل ويزداد الفقر ويتباطأ التقدم التقني. ولكن المعركة الحقيقية هي داخل الرأسمالية، بين نموذجين يصارع احدهما الاخر.
في التاريخ البشري غالبا وبسرعة مايتبع انتصار نظام او ديانة الى انفصام انواع من نفس العقيدة. بعد انتشار المسيحية عبر المتوسط والشرق الاوسط تصدعت بنزاعات ايديولوجية شرسة، والتي ادت الى الانشقاق الكبير الاول في الديانة بين الكنيستين الشرقية والغربية. و حدث هذا ايضا في الاسلام بعد بلوغه ذروة الانتشار انشق بسرعة الى التوجهات السنية والشيعية. وكذلك الشيوعية، خصم الرأسمالية في القرن العشرين، فلم تبقى كتلة واحدة بل انشطرت الى توجهات سوفيتية وتوجهات ماوية. ومن هذا المنظور، فالرأسمالية لاتختلف: فالان هناك نموذجان يتأرجحان، يختلفون في توجهاتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية. في بلدان اوربا الغربية وشمال امريكا وعدد من البلدان الاخرى مثل الهند واندونوسيا واليابان تسود فيها الرأسمالية الليبرالية الميريتوقراطية ( والتي تعني رأسمالية حكم الجديرين الحرة ): نظام يتركز فيه الجزء الاعظم من الانتاج بيد القطاع الخاص، ظاهريا يسمح بتقدم المواهب، ويحاول ضمان الفرص المتكافئة للجميع من خلال اجراءات كالتعليم الاساسي المجاني والضرائب على الميراث. وبموازات هذا النظام يقف هناك نموذج سياسي للرأسمالية يقاد من قبل الدولة، يتمثل بالصين ولكنه موجود في مناطق اخرى من اسيا ( مينمار، سنغافورة، فيتنام)، وفي اوربا ( اذربيجان، روسيا)، وفي افريقيا ( الجزائر، اثيوبيا، راوندا). يتميز هذا النظام بنمو اقتصادي عالي ويحدد الحقوق المدنية والسياسية الفردية.
هذين النوعين من الرأسمالية- بقيادة الولايات المتحدة والصين كمثالين قيادين لهذين النوعين- ينافسون بعضهم البعض بشكل مستمر لانهما متشابكين مع بعضهما. فآسيا واوربا الغربية وشمال امريكا، الذين هم موطن ل70% من سكان العالم و80% من انتاجه الاقتصادي، يرتبطون بشكل دائم من خلال التجارة والاستثمار وحركة البشر ونقل التكنولوجيا وتبادل الافكار. وولدت هذه العلاقات والصدامات منافسة بين الغرب وجزء من اسيا والتي اشتدت بسبب الفروقات في نماذجهم الرأسمالية. وهذا التنافس- وليس الصراع بين الرأسمالية ونظام اقتصادي بديل- هو الذي سيشكل مستقبل الاقتصاد العالمي.
في عام 1978 حوالي 100% من انتاج الاقتصاد الصيني جاء من القطاع العام، واليوم هبطت هذه النسبة الى 20%. في الصين المعاصرة، كما هو الحال في غالبية البلدان الرأسمالية في الغرب، فوسائل الانتاج ملكية خاصة، ولاتضع الدولة قرارات للشركات حول الاسعار والانتاج، واغلب العمال هم عمال اجراء. والصين تحقق نجاحات رأسمالية ايجابية في هذه المجالات الثلاثة.
ليس لدى الرأسمالية اليوم أي خصم، ولكن هذين النموذجين يطرحان طرحين مختلفين كليا لهيكلة السلطة السياسية والاقتصادية في المجتمع. الرأسمالية السياسية تعطي استقلالية اكبر للنخبة السياسية في الوقت الذي تعد فيه المواطن العادي بمعدلات نمو عالية. النجاح الاقتصادي الصيني يضعف من الادعاء الغربي بضرورة وجود رابط بين الرأسمالية والديموقراطية الليبرالية.
لدى الراسمالية الليبرالية العديد من الميزات المعروفة، واهمها الديموقراطية وسيادة القانون. وهاتان الخصلتان هما فضيلتان بحد ذاتيهما، ويمكن توظيفهما لتشجيع تطور اقتصادي اسرع من خلال الابداع والمرونة الاجتماعية. حاليا يواجه هذا النظام تحدي كبير: ظهور طبقة عليا تستديم نفسها بالارتباط بعدم مساواة متنامي. وهذا يمثل التحدي الاكثر حدة لحيوية الرأسمالية الليبرالية على المدى الطويل.
في نفس الوقت تحتاج حكومة الصين وتلك في الدول الرأسمالية الاخرى الى توليد نمو اقتصادي ثابت لتبرير دورها، وهذا ضغط قد يصبح صعب التحقيق. ويجب على دول الرأسمالية السياسية أن تحدد من الفساد، الكامن في جوهر النظام و مكمل له، الذي يسرع عدم المساواة. ان التحدي الذي يواجه نموذجهم سيكون قدرته على كبح الطبقة الرأسمالية النامية التي تنحت ضد القوة الغير محدودة لبيروقراطية الدولة.
وبما ان اجزاء اخرى من العالم (دول افريقية بشكل واضح) تسعى لتحويل اقتصاداتها وتقفز لبدء النمو سيقترب التوتر بين النموذجين ليقع تحت بؤرة اكثر حدة. لمرات عديدة يظهر التنافس بين الصين والولايات المتحدة على شكل شروط جيوسياسية، ولكن في جوهرها تشبه سحقا بين صفيحتين تكتونيتين سيحدد احتكاكهما كيفية تطور الرأسمالية في هذا القرن.
الرأسمالية الليبرالية
ان الهيمنة الكونية للرأسمالية هي احد تغييرات العصر التي يمر بها العالم. والاخر هو اعادة التوازن لقوة الاقتصاد بين الغرب واسيا. ولاول مرة منذ الثورة الصناعية، تقترب المداخيل في اسيا من تلك في غرب اوربا وشمال امريكا. في عام 1970 انتج الغرب 56 بالمائة من الانتاج الاقتصادي العالمي وانتجت اسيا وبضمنها اليابان 19 بالمائة فقط. اليوم، بعد ثلاثة اجيال فقط، تغييرت هذه النسب لتصبح 37 بالمائة و43 بالمائة- اغلبها بفضل النمو الاقتصادي المدهش لبلدان مثل الصين والهند.
ولدت الرأسمالية الغربية تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات التي مكنت موجة جديدة من العولمة اواخر القرن العشرين، في الفترة التي بدأت فيها اسيا في تقليص الفجوة مع "شمال العالم". متجذرة بداية في الثروة من الاقتصادات الغربية، ادت العولمة الى ترميم البنى المتهالكة والى نمو كبير في عدة بلدان اسيوية. وهبطت مستويات عدم المساواة العالمية في الدخل بشكل كبير بالنسبة لما كانت عليه في التسعينيات، عندما كان معامل جيني Gini العالمي (وهو مقياس لتوزيع الدخل، والتي يعني الصفر فيه مساواة تامة وواحد يعني عدم مساواة تامة) 0.7 واليوم هو حوالي 0.6. وسوف يهبط بشكل اكبر حين تستمر المداخيل تزداد في اسيا.
وبالرغم من انحسار عدم المساواة بين البلدان، أزداد عدم المساواة داخل البلدان، وخاصة في تلك التي في الغرب. فازداد معامل جيني Gini في الولايات المتحدة من 0.35 في عام 1975 الى حوالي 0.45 اليوم. هذا الازدياد في عدم المساواة داخل البلدان هو جزئيا نتيجة العولمة وتأثيرها على الاقتصادات الاكثر تطورا في الغرب: اضعاف النقابات، هروب الوظائف الصناعية خارج البلدان، وتراجع الاجور.
ظهرت الرأسمالية الميريتوقراطية (رأسمالية حكم الجديرون) الليبرالية في السنوات الأربعين الماضية. ويمكن فهمها بشكل أفضل من خلال المقارنة مع متغيرين أخرين: الرأسمالية الكلاسيكية، التي كانت سائدة في القرنين التاسع عشر وفي أوائل العشرين، والرأسمالية الاشتراكية الديمقراطية، التي سادت وعرفت دول الرفاه في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية منذ الحرب العالمية الثانية وحتى أوائل الثمانينيات .
وبخلاف الرأسمالية الكلاسيكية في القرن التاسع عشر، حين كانت الثروات تصنع من الملكية وليس من العمل، فإن الأفراد الأثرياء في النظام الحالي يسعون ليكونوا أغنياء بكل من رأس المال ومن العمل — أي أنهم يحصلون على دخلهم من استثماراتهم ومن عملهم. كما أنهم يميلون إلى الزواج وتكوين أسر مع شركاء من خلفيات تعليمية ومالية مشابهة لهم، وهذه ظاهرة يطلق عليها علماء الاجتماع التزاوج المتلائق .assortative mating في الوقت الذي كان فيه الأشخاص في قمة توزيع الدخل في ظل الرأسمالية الكلاسيكية في كثير من الأحيان ممولين، نجد اليوم ان الكثير من في القمة هم مدراء ذوو رواتب عالية ومصممون ويب وأطباء ومصرفيون وغيرهم من نخبة المهنيين. ويعمل هؤلاء الأشخاص لكسب رواتبهم العالية، ولكنهم ايضا، سواء من خلال الميراث أو مدخراتهم، يحصلون على قدر كبير من الدخل من اصولهم المالية.
في رأسمالية الجدارة الليبرالية (المريتوقراطية) liberal meritocratic capitalism، تكون المجتمعات أكثر مساواة مما كانت عليه خلال مرحلة الرأسمالية الكلاسيكية، وتمتع النساء والأقليات العرقية بحظ أكبر في دخول سوق العمل، ويتم استخدام شروط وأحكام الرعاية الاجتماعية ودعم الدولة الاجتماعي (المدفوع من الضرائب) في محاولة للتخفيف من اضرار التركزات الحادة للثروة والامتيازات. ورثت رأسمالية الجدارة الليبرالية تلك التدابير الأخيرة عن سلفها المباشر، الرأسمالية الاشتراكية الديمقراطية .
تم بناء هذا النموذج حول العمل الصناعي وتميز بحضور قوي للنقابات، والذي لعب دورا كبيرا في تقليص عدم المساواة. قادت الرأسمالية الاشتراكية الديمقراطية حقبة شهدت تدابير مثل GI Bill ومعاهدة ديترويت لعام 1950 (عقد شامل حصلت عليه النقابات لصالح عمال تصنيع السيارات) في الولايات المتحدة وازدهار اقتصادي في فرنسا وألمانيا، حيث ارتفعت المداخيل. وتم توزيع النمو بالتساوي إلى حد ما واستفاد المواطنين من تمتع أفضل بالرعاية الصحية والسكن والتعليم غير المكلف، وتمكين المزيد من الأسر من صعود السلم الاقتصادي.
لكن طبيعة العمل قد تغيرت بشكل كبير في ظل العولمة ورأسمالية الجدارة الليبرالية المريتوقراطية، خاصة مع تنحي الطبقة العاملة بعيدا عن العمل الصناعي وضعف النقابات العمالية. ومنذ أواخر القرن العشرين، بدأت حصة دخل رأس المال من إجمالي الدخل بالارتفاع، أي أن نسبة متزايدة من الناتج المحلي الإجمالي اخذت تأتي نتيجة الأرباح التي حققتها الشركات الكبرى والأثرياء. كان هذا الاتجاه قويا جدا في الولايات المتحدة، لكنه لوحظ في معظم البلدان الأخرى أيضا، سواء كانت نامية أو متقدمة. وتشير هذه الزيادة في نسبة دخل رأس المال من إجمالي الدخل إلى أن رأس المال والرأسماليين أصبحوا أكثر أهمية من العمل والعمال، وبهذا فإنهم يكتسبون المزيد من السلطة في الاقتصاد والسياسة. ويعني ذلك زيادة في عدم المساواة أيضا، لأن أولئك الذين يحصلون على حصة كبيرة من دخلهم من رأس المال يميلون إلى أن يكونوا أغنياء.
التوعك في الغرب
بينما أنتج النظام الحالي نخبة أكثر تنوعا (من حيث الجنس والعرق)، انتجت تركيبة الرأسمالية الليبرالية تعميق اكبر للامساواة وادت الى حجب عدم المساواة هذه خلف ستار الجدارة. وبشكل أكثر منطقية من سابقيهم في العصر المذهب Gilded Age، يمكن لأثرياء اليوم أن يزعموا أن فضل حصولهم على مكانتهم مستمد من عملهم، مما يحجب المزايا التي اكتسبوها من نظام ومن اتجاهات اجتماعية تجعل الحراك الاقتصادي أكثر صعوبة. وشهدت السنوات الأربعون الماضية نمو طبقة عليا شبه دائمة ومعزولة بشكل متزايد عن بقية المجتمع. في الولايات المتحدة، تمتلك العشرة في المائة العليا من مالكي الثروة أكثر من 90 في المائة من الأصول المالية. الطبقة الحاكمة متعلمة تعليماً عالياً، والكثير من أعضائها يعملون، ويميل دخلهم نتيجة عملهم إلى الارتفاع. وهم يميلون إلى الاعتقاد بأنهم يستحقون مكانتهم العالية هذه.
تستثمر هذه النخب بكثافة في ذريتها وفي إرساء سيطرتها السياسية. من خلال الاستثمار في تعليم أبنائهم، وأولئك الموجودون في القمة يمكنون أجيالهم القادمة من الحفاظ على دخل عمل مرتفع وعلى وضعهم كنخبة والمرتبط تقليديا بالثقافة والتعليم. ومن خلال الاستثمار في التأثير السياسي - في الانتخابات، ومراكز التفكير، والجامعات الخ - يضمنون أنهم هم الذين يحددون قواعد الميراث، بحيث يتم تحويل رأس المال المالي إلى الجيل التالي بسهولة. وكلا الاثنين معا (التعليم المكتسب ورأس المال المنقول) يؤديان إلى اعادة انتاج الطبقة الحاكمة.
أن تشكيل طبقة عليا دائمة أمر مستحيل ما لم تمارس تلك الطبقة السيطرة السياسية. في الماضي، حدث ذلك بشكل طبيعي فجاءت الطبقة السياسية من الأثرياء في الغالب، وهكذا كانت هناك بعض وجهات النظر المشتركة والمصالح المشتركة بين السياسيين وبين بقية الأثرياء. لم يعد الأمر كذلك: السياسيون ينتمون إلى طبقات اجتماعية وخلفيات مختلفة، والكثير منهم يتقاسمون القليل جدا من المشتركات اجتماعيا مع الأثرياء، إن وجدت. فكل من الرئيس بيل كلينتون وباراك أوباما في الولايات المتحدة ورئيسة الوزراء مارغريت تاتشر وجون ميجور في المملكة المتحدة جاءوا من خلفيات عادية ولكنهم دعموا مصالح الواحد في المائة وبشكل فعال.
في الديمقراطية الحديثة، يستخدم الأغنياء مساهماتهم السياسية وتمويل أو الملكية المباشرة لمراكز التفكير والمؤسسات الإعلامية لشراء السياسات الاقتصادية التي تصب في مصلحتهم: ضرائب قليلة على الدخول المرتفعة، تخفيضات ضرائبية كبيرة، ارباح مالية مرتفعة من خلال تخفيض الضرائب على قطاع الشركات، وعدد أقل من النظم، وهلم جرا. هذه السياسات بدورها، تزيد من احتمالية بقاء الأثرياء على القمة لتشكل الحلقة الحاسمة في السلسلة التي تمتد من الحصة الأعلى لرأس المال في صافي دخل البلد وصولا إلى خلق طبقة عليا تخدم نفسها ذاتيا. وإذا لم تحاول الطبقة العليا المشاركة في السياسة، فستظل تتمتع بموقف قوي للغاية عندما تنفق على العمليات الانتخابية وتبني مؤسسات المجتمع المدني الخاصة بها، وبهذا يصبح وضع الطبقة العليا محصن.
وبينما تتحصن النخب في أنظمة رأسمالية الجدارة (المريتقراطية) الليبرالية بشكل أكثر يزداد حنق بقية المجتمع. إن سبب التوعك في الغرب حول العولمة يعزى بشكل كبير الى الفجوة بين عدد صغير من النخب وبين الجماهير التي لم ترى فائدة تذكر من العولمة، وبدقة أو لا، فهي تعتبر التجارة العالمية والهجرة (القادمة من بلدان اخرى) سببا لأمراضهم. وهذا الوضع يشبه بشكل مخيف ما كان يُطلق عليه "تفكك" مجتمعات العالم الثالث في السبعينيات، كما شوهد في البرازيل ونيجيريا وتركيا. عندما تم ربط برجوازيهم بالنظام الاقتصادي العالمي، وفيه تم اهمال معظم المناطق النائية. ويبدو أن المرض الذي كان من المفترض أن يصيب الدول النامية فقط قد أصاب شمال العالم.
الرأسمالية الصينية السياسية
لا تتمتع العولمة في آسيا بنفس السمعة: على سبيل المثال وفقا لاستطلاعات الرأي، يعتقد 91 في المائة من الناس في فيتنام أن العولمة قوة من أجل الخير. ومن المفارقات أن الشيوعية في بلدان مثل الصين وفيتنام هي التي أرست الأساس لتحولهم الرأسمالي الحالي. وصل الحزب الشيوعي الصيني إلى السلطة في عام 1949 من خلال تحقيقه لكل من الثورة الوطنية (ضد الهيمنة الأجنبية) والثورة الاجتماعية (ضد الإقطاع)، مما سمح له بكنس كل الإيديولوجيات والعادات التي كانت تعتبر عوامل تبطئ التنمية الاقتصادية وتخلق انقسامات طبقية مصطنعة. (على النقيض من ذلك، لم ينجح نضال الاستقلال الهندي الأقل جذرية في محو نظام الطبقات والطوائف الاجتماعية). كانت هاتان الثورتان المتزامنتان الشرطين المسبقين، على المدى الطويل، لنشؤ طبقة رأسمالية محلية تدفع الاقتصاد إلى الأمام. لعبت الثورتان الشيوعيتان في الصين وفيتنام نفس الدور الوظيفي الذي لعبه صعود البرجوازية في أوروبا في القرن التاسع عشر.
حدث التحول في الصين من شبه الإقطاع إلى الرأسمالية بسرعة وتحت سيطرة دولة قوية للغاية. في أوروبا، حيث مرت عملية اجتثاث الهياكل الإقطاعية ببطء واستمرت لقرون، لعبت الدولة دوراً أقل أهمية في التحول إلى الرأسمالية. وإذا أخذنا هذا التاريخ في الاعتبار، فليس من المستغرب أن تكون للرأسمالية في الصين وفيتنام وأماكن أخرى في المنطقة ميزة استبدادية.
نظام الرأسمالية السياسية له ثلاث سمات محددة. أولاً، الدولة تدار من قبل بيروقراطية تكنوقراطية تستمد شرعيتها من النمو الاقتصادي. ثانياً، على الرغم من أن الدولة لها قوانين، إلا أنها تطبق بشكل تعسفي، وغالبا لصالح النخب التي يمكنها رفض تطبيق القانون عندما يكون غير مريح أو تطبقه بكل قوة لمعاقبة المعارضين. إن الاستخدام التعسفي لسيادة القانون في هذه المجتمعات يغذي السمة الثالثة التي تعرف الرأسمالية السياسية: استقلال الدولة الذاتي الضروري. فلكي تتصرف الدولة بشكل حاسم يجب أن تمتلك الحرية من القيود القانونية. إن الشد بين المبدأين الأول والثاني - بين البيروقراطية التكنوقراطية وبين التطبيق الهش للقانون- ينتج الفساد، وهو جزء لا يتجزأ من طريقة وتكوين النظام الرأسمالي السياسي وليس شذوذا.
منذ نهاية الحرب الباردة، ساعدت هذه الخصائص زيادة النمو في البلدان الشيوعية المزعومة في آسيا. عبر فترة السبعة وعشرين عاما التي انتهت في عام 2017 بلغ متوسط معدل النمو في الصين حوالي 8 في المائة، وبلغ متوسط معدل النمو في فيتنام حوالي 6 في المائة مقارنة ب 2 في المائة فقط في الولايات المتحدة.
وتمثل الجانب الآخر من النمو الفلكي للصين في زيادة هائلة في عدم المساواة. فمن عام 1985 إلى عام 2010، قفز معامل جيني من 0.30 إلى حوالي 0.50 في البلاد، وهو أعلى من مثيله في الولايات المتحدة وأقرب من المستويات الموجودة في أمريكا اللاتينية. وازداد التفاوت في الصين بشكل كبير داخل المناطق الريفية والحضرية، وارتفع بشكل كبير في البلاد ككل بسبب الفجوة المتزايدة بين تلك المناطق. وأخذ عدم المساواة المتزايد يتضح في كل جزء - بين المحافظات الغنية والفقيرة، وبين العمال ذوي المهارات العالية والعمال ذوي المهارات المتدنية، الرجال والنساء، والقطاع الخاص والقطاع الحكومي.
والجدير بالذكر أن هناك زيادة حصلت في الصين في حصة الدخل العائد من رأس المال الخاص، والذي يبدو أنه يتركز هناك كما هو الحال في اقتصادات السوق المتقدمة في الغرب. وتشكلت نخبة رأسمالية جديدة في الصين. ففي عام 1988، كان العمال الصناعيون المهرة وغير المهرة، والموظفون الدينيون، والمسؤولون الحكوميون يمثلون 80 في المائة من نسبة الخمسة بالمائة في قمة اصحاب المداخيل العالية. ولكن بحلول عام 2013، انخفضت نسبتهم إلى النصف تقريبا، وأصبح أصحاب الأعمال (20 بالمائة) والحرفيون (33 بالمائة) هم المسيطرون.
من بين السمات البارزة للطبقة الرأسمالية الجديدة في الصين التي انبثقت من الارض، إذا جاز التعبير، ان حوالي أربعة أخماس أعضائها ينحدرون من آباء كانوا إما مزارعين أوعمال حرفيين. هذا الحراك الاجتماعي عبر الأجيال ليس مفاجئا نظرا لمحو الطبقة الرأسمالية بالكامل تقريبا بعد انتصار الشيوعيين في عام 1949 ومن ثم مرة أخرى خلال الثورة الثقافية في الستينيات. فهذا الحراك قد لا يدوم في المستقبل، فيمااذا تركزت ملكية رأس المال، وارتفعت تكاليف التعليم، ولأهمية الروابط العائلية- فسيبدأ انتقال الثروة والسلطة عبر الأجيال يعكس ما لوحظ في الغرب.
ومع ذلك وبالمقارنة مع نظيرتها الغربية، فإن هذه الطبقة الرأسمالية الجديدة في الصين قد تكون طبقة بحد ذاتها أكثر من طبقة لنفسها. إن فسيفساء أشكال الملكية الكثيرة في الصين - والتي تغوش الخطوط الفاصلة بين القطاعين العام والخاص على الصعيدين المحلي والوطني - تسمح للنخبة السياسية بكبح جماح قوة النخبة الاقتصادية الرأسمالية الجديدة.
منذ آلاف السنين، كانت الصين موطنا لدول قوية مركزية، إلى حد ما، منعت الطبقة التجارية من أن تصبح مركزا مستقلا للقوة على الدوام. وفقا للباحث الفرنسي جاك جيرنيت Garnet، فإن التجار الأثرياء في عهد أسرة سونغ في القرن الثالث عشر لم ينجحوا أبدا في خلق طبقة واعية ذات مصالح مشتركة لأن الدولة كانت دائما على استعداد لتقليم قوتهم. على الرغم من أن التجار واصلوا ازدهارهم كأفراد (كما يفعل الرأسماليون الجدد في الوقت الحاضر إلى حد كبير في الصين)، إلا أنهم لم يشكلوا قط طبقة متماسكة تملك أجندة سياسية واقتصادية خاصة بها أو تتملك مصالح يتم الدفاع عنها والدعاية لها بشدة. ووفقًا لـجيرنيت فيختلف هذا السيناريو بشكل ملحوظ عن وضع جمهوريات التجار الإيطالية والبلدان المنخفضة في ذاك الوقت. ومن المحتمل أن يستمر هذا النمط من الرأسماليين الذين يزيدون ثراء أنفسهم من دون ممارسة السلطة السياسية في الصين وفي البلدان الرأسمالية السياسية الأخرى أيضا.
صراع النظم
بينما تقوم الصين بتوسيع دورها على المسرح الدولي، فإن شكل الرأسمالية السائد فيها يتعارض باستمرار مع رأسمالية الجدارة المريتقراطية الليبرالية في الغرب. وقد تحل الرأسمالية السياسية محل النموذج الغربي للرأسمالية في العديد من البلدان حول العالم.
تكمن ميزة الرأسمالية الليبرالية في نظامها السياسي الديمقراطي. بالطبع فان الديمقراطية أمر مرغوب فيه في حد ذاته، لكنها تتمتع أيضا بميزة مفيدة. فعن طريق ضرورة التشاور المستمر مع السكان توفر الديمقراطية ألية تصحيحية قوية للاتجاهات الاقتصادية والاجتماعية التي قد تضر بالصالح العام. حتى إذا كانت قرارات الناس تؤدي في بعض الأحيان إلى سياسات تقلل من معدل النمو الاقتصادي، أو تزيد التلوث، أو تعمل لتدني متوسط العمر المتوقع، فيجب باتخاذ القرارات الديمقراطية وفي غضون فترة زمنية محدودة نسبيا تصحيح هذه التطورات.
من جانبها تعد الرأسمالية السياسية بإدارة أكثر كفاءة للاقتصاد ومعدلات نمو أعلى. حقيقة أن الصين اصبحت الدولة الأكثر نجاحا اقتصاديا إلى حد بعيد في نصف القرن الماضي يجعلها في وضع يمكنها من محاولة الشروع في تصدير مؤسساتها الاقتصادية والسياسية. وتقوم بذلك بشكل اساسي من خلال مبادرة الحزام والطريق، وهو مشروع طموح لربط عدة قارات من خلال بنية تحتية محسنة بتمويل صيني. وتمثل هذه المبادرة تحديا أيديولوجيا لطريقة تعامل الغرب مع التنمية الاقتصادية في جميع أنحاء العالم لحد الان. في الوقت الذي يركز فيه الغرب على بناء المؤسسات، فإن الصين تضخ الأموال لبناء أشياء ملموسة. ستقوم هذه المبادرة بربط الدول الشريكة ضمن مجال النفوذ الصيني. وحتى ان لبكين خطط للتعامل مع نزاعات الاستثمار المستقبلية تحت ولاية محكمة أنشأتها الصين – على العكس تماما ل "قرن من الإذلال" في القرن التاسع عشر في بلد كان الأمريكيون والأوروبيون يرفضون فيه الخضوع للقوانين الصينية.
قد ترحب العديد من الدول لتصبح جزءا من مبادرة الحزام والطريق، فسيجلب الاستثمار الصيني الطرق والمرافئ والسكك الحديدية وغيرها من البنى التحتية التي هي بأمس الحاجة لها، بدون تلك الشروط التي غالباً ما تصاحب الاستثمار الغربي. وليس للصين اهتمامات في السياسات الداخلية للدول المتلقية؛ بدلاً من ذلك ، فهي تؤكد على المساواة في التعامل مع جميع البلدان. وسيكون لهذا النهج جاذبية خاصة لدى الكثير من المسؤولين في البلدان الأصغر. وتسعى الصين أيضا إلى بناء مؤسسات دولية، مثل البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، اقتداءا باجراءات الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، عندما قادت واشنطن إنشاء البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.
ولدى بكين سبب آخر لتكون أكثر نشاطا على الساحة الدولية. فإذا رفضت الصين نشر مؤسساتها الخاصة في الوقت الذي يواصل فيه الغرب تعزيز قيم الرأسمالية الليبرالية في الصين فقد تصبح المؤسسات الغربية اكثر جذبا لقطاعات كبيرة من الشعب الصيني. لقد فشلت الاضطرابات الجارية حاليا في هونغ كونغ في الانتشار الى أي مكان آخر في الصين، لكنها تظهر بجلاء الاستياء الحقيقي من التطبيق التعسفي للقانون، وهو استياء قد لن يقتصر على المستعمرة البريطانية السابقة. كما أن الرقابة الصارخة على خدمة الإنترنت لا تحظى بشعبية وبشكل واسع بين الشباب والمتعلمين.
من خلال إسقاط مزايا الرأسمالية السياسية في الخارج، ستتمكن الصين من تقليل جاذبية النموذج الليبرالي الغربي لمواطنيها. فأنشطتها الدولية هي مسألة أساسية تتعلق باستمرار بقاءها في الداخل. ومهما تكن الترتيبات الرسمية أو غير الرسمية التي تتوصل إليها بكين مع الدول التي تعتنق الرأسمالية السياسية ، فإن الصين ملزمة بممارسة نفوذ متزايد على المؤسسات الدولية التي شيدتها الدول الغربية فقط خلال القرنين الماضيين لخدمة المصالح الغربية.
مستقبل الرأسمالية
ادعى جون رولز، الفيلسوف البارز لليبرالية الحديثة، إن المجتمع الصالح يجب أن يقدم أولوية مطلقة للحريات الأساسية على الثروة والدخل. ولكن التجربة تظهر أن كثير من الناس على استعداد لمقايضة الحقوق الديمقراطية بزيادة الدخل - يحتاج المرء ببساطة إلى ملاحظة ذلك داخل الشركات، فغالبا ما يتم تنظيم الإنتاج بأعلى أشكال التسلسل الهرمي وليس الأكثر ديمقراطية، فلا يصوت العمال على المنتجات التي يرغبون في إنتاجها أو على الطريقة التي يرغبون إنتاجها بها. التسلسل الهرمي ينتج كفاءة أعلى ويعطي أجور أعلى. فكتب الفيلسوف الفرنسي جاك إلول قبل أكثر من نصف قرن "ان التقنية هي حدود الديمقراطية". "ما تربحه التقنية تفقده الديمقراطية، فإذا كان لدينا مهندسون يتمتعون بمودة العمال، فسيهملون الآليات ". ويمكن توسيع نفس المنطق ليشمل كل المجتمع: يمكن التخلي عن الحقوق الديمقراطية، وقد تم ذلك عن طيب خاطر من اجل الحصول على دخول أعلى.
في عالم اليوم المحموم و المليء بالنشاط التجاري، نادراً ما يمتلك المواطنون الوقت أو المعرفة أو الرغبة للمشاركة في المسائل المدنية ما لم تكن القضايا تهمهم بشكل مباشر. فيقال أنه في الولايات المتحدة، إحدى أقدم ديمقراطيات العالم، ان انتخاب الرئيس، والذي يتمتع بصلاحيات ملك منتخب في كثير من النواحي في النظام الأمريكي، لا يقيم بأهمية كافية لتحريك أكثر من نصف الناخبين للذهاب إلى صناديق الاقتراع. من هذه الناحية تؤكد الرأسمالية السياسية تفوقها.
لكن المشكلة تكمن في أنه من أجل إثبات تفوقها ولتجنب التحدي الليبرالي، تحتاج الرأسمالية السياسية إلى تحقيق معدلات نمو مرتفعة باستمرار. لذا، في حين أن مزايا الرأسمالية الليبرالية طبيعية حيث إنها تكمن في تركيبة النظام، فإن مزايا الرأسمالية السياسية آلية: ويجب تفعيلها باستمرار. تبدأ الرأسمالية السياسية بعائق الحاجة لإثبات تفوقها من خلال التجربة. كما إنها تواجه مشكلتين أخريين. فقياسا للرأسمالية الليبرالية، فلدى الرأسمالية السياسية ميل أكبر لتوليد سياسات ونتائج اجتماعية سيئة يصعب عكسها لأن الذين هم في السلطة ليس لديهم حافز لتغيير المسار. كما يمكن أن تولد استياء شعبيا بسهولة بسبب الفساد النظامي نتيجة غياب حكم قوانين واضحة.
تحتاج الرأسمالية السياسية لتسويق نفسها على أساس توفير إدارة مجتمعية أفضل، ومعدلات نمو أعلى، وإدارة أكثر كفاءة (بما في ذلك إقامة العدل). وعلى عكس الرأسمالية الليبرالية، التي يمكن أن تتخذ موقفا أكثر استرخاء تجاه المشاكل المؤقتة، يجب على الرأسمالية السياسية ان تكون في وضع متأهب دائما. ومع ذلك، قد يُنظر إلى هذا على أنه ميزة من وجهة نظر الداروينية الاجتماعية: نظرا لوجود ضغط مستمر لتقديم المزيد إلى ناخبيها، وقد يشحذ هذا همة الرأسمالية السياسية لزياجة قدرتها على إدارة المجال الاقتصادي ومواصلة الإنجاز عام بعد عام، وتقديم سلع وخدمات أكثر من نظيرتها الليبرالية. وما يظهر في البداية كعيوب قد يكون ميزة.
ولكن هل سيرضخ الرأسماليون الجدد في الصين إلى الأبد للوضع الراهن الذي يمكن فيه تقييد حقوقهم الشكلية أو إبطالها في أي لحظة والتي يخضعون لها تحت وصاية الدولة المستمرة؟ أم أنهم، عندما يصبحون أقوى وأكثر عددا، سيقومون بتنظيم الدولة والتأثير عليها، وأخيراً الاستيلاء عليها، كما حدث في الولايات المتحدة وأوروبا؟ يبدو أن المسار الغربي، وكما رسمه كارل ماركس، لديه منطق صارم: القوة الاقتصادية تميل إلى تحرير نفسها ورعاية مصالحها الخاصة أو فرضها. لكن تاريخ ما يقرب من 2000 عام من الشراكة غير المتكافئة بين الدولة الصينية والشركات الصينية يمثل عقبة رئيسية أمام سلوك الصين نفس المسار الذي اتبعه الغرب.
والسؤال الرئيسي هو فيما إذا كان الرأسماليون الصينون سينجحون في السيطرة على الدولة وفيما إذا كانوا سيستخدمون الديمقراطية التمثيلية من أجل القيام بذلك. في الولايات المتحدة وأوروبا، استخدم الرأسماليون هذا العلاج بحذر شديد، وقاموا بإدارته بجرعات متجانسة حين توسعت الامتيازات ببطء وتم حجبها كلما كان هناك تهديد محتمل لملكية الطبقات المالكة (كما في بريطانيا العظمى بعد الثورة الفرنسية، عندما تم تقييد حق التصويت بشدة اكبر). من المحتمل أن تشابه الديمقراطية الصينية، في حال حدوثها، الديمقراطيات في بقية عالم اليوم، أي بالمعنى القانوني اعطاء صوت واحد لكل شخص. ومع ذلك، وبالنظر إلى ثقل التاريخ والطبيعة غير المستقرة والحجم المحدود للطبقات الصينية الثرية، فمن غير المؤكد أنه يمكن الحفاظ على حكم مستدام للطبقة الوسطى في الصين. فقد فشلت في النصف الأول من القرن العشرين في ظل جمهورية الصين (التي سيطرت على معظم البر الرئيسي من 1912 إلى 1949)؛ ولايمكن اعادتها بنجاح اكبر بعد مائة عام الا بصعوبة كبيرة.
التقارب البلوتوقراطي ؟
ماذا يحمل المستقبل للمجتمعات الرأسمالية الغربية؟ الإجابة تعتمد على فيما إذا كانت رأسمالية الجدارة (المريتقراطية) الليبرالية ستكون قادرة على التحرك نحو مرحلة أكثر تقدماً، ما يمكن تسميته "رأسمالية الشعب"، بحيث يتم توزيع الدخل من كل من عوامل الإنتاج ورأس المال والعمالة بشكل متساوٍ. وهذا يتطلب توسيع نطاق ملكية رأس المال بشكل معقول وتجاوز نسبة العشرة في المئة الحالية من السكان وتوفير الامكانية للدخول إلى المدارس العليا والوظائف ذات الأجور الأفضل بصرف النظر عن خلفية الأسرة.
لتحقيق قدر مساواة أكبر، يجب على الدول وضع حوافز ضريبية لتشجيع الطبقة الوسطى للاحتفاظ بمزيد من الادخارات والاصول المالية، اضافة الى وضع ضرائب أعلى على الميراث للأثرياء، وتحسين التعليم العام المجاني، وتمويل حملات انتخابية بدعم من الدولة. سيكون التأثير التراكمي لهذه التدابير هو زيادة تعميم ملكية رأس المال والمهارات داخل المجتمع. ستكون الرأسمالية الشعبيبة شبيهة بالرأسمالية الاشتراكية الديمقراطية في مخاوفها تجاه عدم المساواة، ولكنها تطمح إلى نوع مختلف من المساواة، فبدلاً من التركيز على إعادة توزيع الدخل، سيسعى هذا النموذج إلى تحقيق قدر أكبر من المساواة في ملكية الأصول، سواء المالية منها أو بما يتعلق بالمهارات. على عكس الرأسمالية الاشتراكية الديمقراطية، لن يتطلب الأمر سوى سياسات أعادة توزيع بسيطة (مثل قسائم الطعام ومزايا للإسكان) لأنها بالفعل ستحقق خط أساس أكبر للمساواة.
إذا فشلت في معالجة مشكلة عدم المساواة المتزايدة، فإن أنظمة رأسمالية الجدارة (المريتقراطية) الليبرالية ستخاطر بالسير باتجاه آخر - ليس نحو الاشتراكية ولكن نحو التقارب مع الرأسمالية السياسية. وستصبح النخبة الاقتصادية في الغرب أكثر عزلة، وستقبض على المزيد من القوة غير المقيدة في المجتمعات الديمقراطية المزعومة، بنفس الطريقة التي تسير بها النخبة السياسية في الصين بلدها. فكلما يزداد اندماج القوة الاقتصادية والسياسية في الأنظمة الرأسمالية الليبرالية، تصبح الرأسمالية الليبرالية أكثر بلوتوقراطية (سلطة الاثرياء)، وستكتسب بعض ملامح الرأسمالية السياسية. في النموذج الأخير، السياسة هي السبيل لكسب الفوائد الاقتصادية، في الرأسمالية البلوتوقراطية – التي كانت سابقا رأسمالية جدارة ليبرالية- ستقوم القوة الاقتصادية بقهر السياسة. وستكون نهاية النظامين هي نفسها: الصفوف المغلقة للقلة النخبوية المتميزة وإعادة إنتاج تلك النخبة إلى أجل غير مسمى في المستقبل.

مترجم عن:FOREIGN AFFAIRSJanuary/February 2020Vol. 99/No.1