أهمية الحكامة في التشريع

خالد خالص
2020 / 1 / 14

من البديهي القول بأن المجتمع لا يشرع من أجل التشريع وإنما لأنه بحاجة الى القانون، لأن القانون يتدخل في الحياة اليومية للإنسان ويتدخل بين الاحياء وحتى بينهم وبين الاموات وفيما هو تحت الأرض وما هو فوق الأرض وما هو في السماء وما هو في البحار...

وعلى عكس العرف الذي يتميز بطابعه الشفوي، وبانتقاله من جيل الى جيل بصفة تلقائية، فإن التشريع يدون في وثيقة رسمية مكتوبة على شكل قواعد قانونية، تنشر عادة في الجريدة الرسمية لتصبح ملزمة للجميع.

وتتميز القاعدة القانونية بكونها قاعدة اجتماعية، أي أنها تتواجد حيث تتواجد الجماعة، وأنها تنظم السلوك الخارجي للأفراد داخل الجماعة، وأنها عامة ومجردة وواجبة الاتباع، تحت طائلة جزاء توقعه السلطة الرئيسية على من يخالفها.

وإذا كان القانون يهدف الى حماية الحقوق والحريات، والمحافظة على الامن والاستقرار، وتنظيم علاقة الافراد بعضهم بالبعض، فإن للقانون أيضا دور تنموي واقتصادي. وأمام أهمية ما يقوم به القانون داخل المجتمع فان التشريع بصفة عامة بحاجة الى حكامة كما أن القاعدة القانونية تصاحبها العديد من المبادئ من دونها لن تستطيع القيام بالدور المتوخى منها.

ومن المبادئ التي تتطلبها القاعدة القانونية الصياغة السليمة والوضوح والدقة وعدم التكرار وعدم التناقض. فكلما كانت القاعدة القانونية واضحة ودقيقة، كلما كان تطبيقها تطبيقا سليما من قبل الملزمين بها ومن قبل القضاء.

ونذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر، المادتين الثالثة والثانية عشر من القانون المنظم لمهنة المحاماة، حيث تنص الأولى على أن المحامي "يتقيد في سلوكه المهني بمبادئ الاستقلال والتجرد والنزاهة والكرامة والشرف، وما تقتضيه الأخلاق الحميدة وأعراف وتقاليد المهنة"، لنجد تكرارا الى حد الركاكة لنفس الالتزامات ونفس القيود بالمادة الثانية عشر التي يقسم من خلالها المحامي "بممارسة مهام الدفاع والاستشارة بشرف وكرامة وضمير ونزاهة واستقلال وإنسانية ..."، إذ كان على المشرع الاحتفاظ بإحدى المادتين فقط بعد صقلها.

والى جانب التكرار الممل وعدم الدقة في تحرير القاعدة القانونية نجد أحيانا تضاربا في فقراتها كالمادة 71 من القانون المنظم لمهنة المحاماة مثلا التي تنص في فقرته الأولى والثانية على أنه " يتعين على المحامي الموقوف أو المشطب عليه، بمجرد ما يصبح المقرر قابلا للتنفيذ، أن يتخلى عن ممارسة أي عمل من أعمال المهنة أو أن يتعامل بصفته محاميا. ويفقد المحامي المشطب عليه الحق في وصف نفسه بصفة محام لينص في الفقرة الثالثة بأن "النقيب يستدعي المحامي الموقوف أو المشطب عليه ويشعره بوجوب تنفيذ المقرر ويمنحه أجلا لذلك لا يتعدى شهرا. ويشعر النقيب الوكيل العام بتنفيذ المعني بالأمر المقرر التأديبي." فهل سيعمل الوكيل العام على تنفيذ المقرر التأديبي بمجرد أن يصبح قابلا للتنفيذ طبقا للفقرة الأولى من المادة 71 المذكورة أم أنه ملزم بانتظار أجل الشهر الذي يمنحه النقيب طبقا للفقرة الثانية من نفس المادة ؟.

وإذا كانت القاعدة القانونية عامة ومجردة، فان مفعولها لن يتأتى إلا إذا كانت ملزمة، أي ان مخالفتها تعرض صاحبها للجزاء. ونذكر هنا المادة 51 من القانون المنظم للمهنة، على سبيل المثال لا الحصر، بخصوص اتعاب المحامي حيث يختص نقيب الهيئة، بالبت في كل المنازعات، التي تثار بين المحامي وموكله بشأن الأتعاب المتفق عليها والمصروفات، بما في ذلك مراجعة النسبة المحددة باتفاق بين المحامي وموكله. كما يختص في تحديد وتقدير الأتعاب في حالة عدم وجود اتفاق مسبق. ويستمع النقيب، عند الاقتضاء، إلى المحامي والطرف المعني لتلقي ملاحظاتهما، وما يتوفران عليه من حجج، يبت في الطلب داخل أجل شهر من تاريخ تسلمه". وكان على المشرع أن يرفق الأجل المنصوص عليه بجزاء كقبول الطلب في حالة عدم البث داخل الاجل ليكون لهذا المقتضى معنى.

وقد اقتصرنا في هذه الكلمات على ذكر ثلاث قواعد مرتبطة بالقانون المنظم لمهنة المحاماة لتبقى الأمثلة كثيرة ومتعددة سواء في هذا القانون أو في الكثير من التشريعات الاخرى ويمكن لاي باحث ملاحظة ذلك بمجرد القراءة الذكية والمتأنية لهذا للقوانين التي عرفت نوعا من "التسرع" في صياغة البعض من قواعدها.

(مقتطف من مداخلة بمناسبة ندوة علمية)