عادل عبد المهدي ما يزال طامعاً بحكم العراق!

كاظم حبيب
2020 / 1 / 14

إن أسوأ ما يصاب به الإنسان هو أن تداس كرامته وعزة نفسه، وهذا ما فعلته الأحزاب الإسلامية السياسية وحكمها السياسي الطائفي الفاسد والجائر منذ 2003 حتى الآن، وهو بخلاف ما تفعله الشعوب والدول المتحضرة التي تحترم كرامة الإنسان وتُحرَّم المساس بها بأي حال. وكرامة الإنسان العراقي تداس اليوم بشتى السبل ابتداءً من البطالة والفقر والجوع والحرمان والاعتقال والتعذيب والاختطاف والتهديد والقتل والابتزاز والكذب وتزوير الانتخابات وصعود قوى وعناصر إلى قمة الدولة بسلطاتها الثلاث يساهمون يومياً لا بالدوس على كرامة الإنسان الفرد فحسب، بل وعلى كرامة شعب بكامله. يمارسون ذلك بدم بارد وبعنجهية وهدوء وكأن لم يحصل شيء يذكر في البلاد. وإذا كان رئيس الوزراء الأسبق قد بزَّ الجميع بسلوكه المشين وطائفيته الوقحة وحكمه البليد، فأن رئيس الوزراء الحالي قد تجاوزه بما يمارسه من عدوان يومي وقتل مستمر على الشعب العراقي ومن إساءة مستمرة للكرامة وعزة النفس وسلب للحقوق واستمراره بالحكم وكأنه ليس مستقيلاً ومهمته تصريف الأعمال! وهو يسعى اليوم بكل بلادة ووقاحة إلى تجديد ولاية ثانية له!!! إنه العهر السياسي لا غير! ولا نبتعد عن الحقيقة حين نقول بأن وجود قوى وحكم الإسلام السياسي الطائفي الفاسد والمشوه في العراق يعتبر أكبر إساءة مدوية لكرامة الإنسان والشعب في البلاد!
رغم الخلط المستمر للأوراق السياسية والعسكرية في العراق، ما زالت اللوحة السياسية تتسم بوضوح الاستقطاب بين قوى الانتفاضة الشعبية والقوى المضادة لها، سواء أكان في الأهداف أم السلوك والوسائل، مع بروز حالة من الانسيابية المخلة لبعض القوى التي ركبت الموجة الثورية، ولكنها عجزت عن الصمود طويلاً في معسكر الانتفاضة، بحكم ايديولوجيتها الدينية. فقيادة هذه المجموعة تبذل أقصى الجهود للدخول بمساومات مخلة تضعف معسكر قوى الانتفاضة الشعبية، فهي تعيش بين مدينتي نعم ولا، إنها تخشى العبور التام إلى صف الشعب المنتفض، وفي الوقت ذاته تخشى البقاء في صف أعداء الشعب الذين قتلوا حتى الآن أكثر من 600 متظاهر ومتظاهرة وعشرات الآلاف من الجرحى والمعاقين. هذه القيادة تبدو وكأنها تريد الرقص على حبال غير متماسكة سرعان ما تتقطع فتسقط في وحل أعداء الشعب وتعزل نفسها تدريجاً عن قاعدتها الشعبية الواسعة. وليس هناك من يتمنى ذلك! فالتذبذب المستمر والتصريحات المتناقضة هي السياسة النموذجية للقوى الانتهازية التي ما زلنا نتابعها منذ سنوات والتي تبنت، تحت ضغط قاعدتها الاجتماعية الكادحة والفقيرة، "الدولة المدنية!" التي يبشر بها الإسلاميون السياسيون خطأ ليتجنبوا الحديث عن الدولة الديمقراطية والمجتمع المدني الديمقراطي. هذه القيادة تعاني من ضغوط مستمرة من الدولة الإيرانية الجائرة على العراق وشعبه، ومن قيادة إيران الدينية باسم المذهب والطائفة!
والعراق يعيش اليوم حالة فريدة وصراع بين قطبين لا يمكن أن يلتقيا، وهما:
1) قوى الانتفاضة الشعبية التي استطاعت بعدالة وشرعية مطالبها وبتضحياتها الكبيرة إسقاط حكومة عادل عبد المهدي المسؤولة عن تلك الضحايا وحولتها إلى حكومة تصريف أعمال. ومنذ البدء برز لدى قوى الانتفاضة الوعي المناسب بتجنب الاعتماد على قوى مترددة تؤثر سلباً على حركة الانتفاضة وتضعف من جذرية مطالبها باستعدادها للمساومة غير المبدئية.
2) قوى المضادة للانتفاضة مستمرة في مراوغتها ومماطلتها في تسمية رئيس وزراء يقبله المنتفضون والمنتفضات بهدف كسب الوقت والتغلب على الانتفاضة ومطالبها العادلة وتعزيز ميزان القوى لصالحها والعودة إلى تسمية عادل عبد المهدي رئيساً للحكومة مجدداً، مستثمرة ما حصل من أحداث لم تكن في البال فأضعفت، ولو مؤقتاً، معسكر قوى الانتفاضة. ولكن سرعان ما عاد المنتفضون والمنتفضات وهمي يحملون بسواعدهم قضية شعب مستباح وحقوق مهدورة وكرامة مداسة. يذكرني هذا بما قرأته في كتاب "البجعة السوداء" للكاتب نسيم طالب صادر عن الدار العربية للعلوم ناشرون، مترجم عن الإنجليزية عن يعتبر أحياناً مفاجئات وهي ليست في الواقع مفاجئات لأننا لم نتعرف قبل ذاك على العوامل المحركة لها أو لم نكن نملك معلومات كافية عن المحرك لها.
وفي الوقت الذي تعرضت قوى الانتفاضة إلى محاولة كبيرة لتصفيتها من خلال تشديد التوتر العسكري والسياسي بين الولايات المتحدة وإيران على الأرض العراقية والاستفادة منها لتغيير موازين القوى الإقليمية والدولية في العراق (معارك الصواريخ المتبادلة وقتل قاسم سليماني)، وبروز موقف جديد لدى القوى الحاكمة الفاسدة بسعيها لكسب القوى المتذبذبة والانتهازية إلى جانبها لاستعادة مبادرتها في حكم البلاد وربما إعادة عادل عبد المهدي للحكم ثانية، في الوقت ذاته عادت قوى الانتفاضة الشعبية بروح وثابة وشجاعة إلى شوارع وساحات العراق لمواصلة النضال وبحمية وحماس كبيرين أسقط حتى الآن في أيدي المتآمرين الفاسدين تصفية الانتفاضة وأعاد من جديد مطالب الشعب العادلة والمشروعة إلى الواجهة، وربما سيفرض على تلك القوى المتذبذبة التفكير أكثر من مرة قبل الاستسلام للدولة الإيرانية والميليشيات الطائفية المسلحة وعلى رأسها كتلة الفتح ومسؤولها الذي بكى بحرقة على قائده الأجنبي قاسم سليماني، ولكنه استقبل بدم بارد وفرح طاغٍ استشهاد 600 مناضل ومناضلة من أبناء وبنات الشعب العراقي وما يزال يسعى تكتله مواصلة حصد المزيد من رؤوس الشبيبة العراقية المنتفضة!!!
تشير المعلومات الواردة من المحافظات إلى تجدد التظاهرات والاحتجاجات في كل من محافظات بغداد وبابل والنجف وكربلاء وميسان والمثنى والديوانية وواسط وذي قار والبصرة وإلى تصاعد المزاج الثوري السلمي للمنتفضات والمنتفضين وإصرارهم على تحقيق المطالب، في حين توجهت قوى الحكم الأمنية، ومعها قوى الدولة العميقة الفاجرة، إلى اعتداءات وحشية وقتل غادر للمزيد من الشباب المنتفض وقتل المزيد من الإعلاميين كما في قتل أحمد عبد الصمد وصفاء غالي في البصرة وشهيدين في كربلاء والكثير من الجرحى.. إلخ. وهذه الظاهرة الرائعة تؤكد قدرة الشعب على مواصلة النضال والانتصار على القوى الشريرة التي تحكم العراق بالحديد والنار منذ 2003/2004 وحتى الآن!