ضربة هيكلية أسقطت الهيبة الأمريكية

محمد السعدنى
2020 / 1 / 14

بعد أن تسكت المدافع يكون من الواجب إلقاء نظرة فاحصة على مسرح العمليات. هكذا ينبغى أن يفكر العسكريون والساسة ليقرءوا المشهد، يستخلصون الدروس والعبر ويعيدون تقييم السياسات فى ضوء ما أسفرت عنه الأحداث. وأنا لا أقصد هنا مسرح العمليات الفعلى على أرض العراق حيث حول الإيرانيون والأمريكيون بغداد "تبة ضرب نار" يجربون فيها أسلحتهم ويواصلون صراعهم، بقدر ما أقصد مسرحاً آخر ينبغى أن يشغله ما حدث، وهو مسرح إفتراضى حيث العقل الاستراتيجى العربى الذى بات نائماً متلحفاً بالوهم فى خدر لذيذ، عله يفيق ويعى مايدور حوله ومايفعل به. فرغم أن الصراع المسلح وقع ولا يزال على أراضينا، إلا أن نظامنا العربى بدا فى غمرة الأحداث كما طفل انفلت من يد أمه وفاجأه الزحام فضاع فى المولد الكبير لا حول له ولا قوة.
الأمر هنا لم تكن بدايته كما يتصور البعض إشتعال الثورة الشعبية العراقية منذ أكتوبر 2019 احتجاجاً على تردّي الأوضاع الاقتصادية للبلد، وانتشار الفساد الإداري والبطالة، والتى كانت من تداعياتها حصار السفارة الأمريكية فى بغداد، ثم اغتيال الأمريكيون قائد فيلق القدس الإيرانى قاسم سليمانى ومعه "أبو مهدي المهندس" نائب رئيس هيئة "الحشد الشعبي العراقى، وصولاً إلى الضربة الكرتونية الإيرانية لقاعدة عين الأسد الأمريكية التى جاءت أشبه ما تكون بحرب لعبة "الأتارى" المتفق على قواعدها مسبقاً والمحددة آلياتها وأسلحتها وحتى خسائرها فى إطار مفهوم الـ " Collateral Damage" لتنقل الصراع بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية إلى معادلة جديدة يحقق فيها كل طرف أهدافه، ولكنها بدأت قبل ذلك بكثير بينما لم ينتبه النظام العربى أنه وحده من سيدفع الفاتورة باهظة.
وإذا ما قمنا بجردة سريعة لما وراء الحدث، لوجدناها أزمة كاشفة، بدا فيها الإيرانيون كمن يقرأ فى كتب الاستراتيجية والمستقبل المفتوح للتوسع والتمدد ويلعبون الشطرنج، بينما لايزال العرب يقرأون فى فانتازيا ألف ليلة وليلة وكتب التاريخ القديم حيث الشاطر حسن والأميرة ذات الهمة "وبلاد تشيل وبلاد تحط" ويلعبون "السيجة". تتحول إيران إلى قوة إقليمية تناطح القوى العظمى وتفرض إرادتها وتتوسع بالتجذر فى العراق واليمن وسورية ولبنان وبوابات الخليج ومضايقه الاستراتيجية وأفغانستان وإفريقيا، وتمارس كما القوى العظمى حروبها وتحقيق استراتيجياتها بحروب الوكالة التى يخدم عليها الحوثيون وحزب الله وفيلق الفاطميين والحشد الشعبى وغيرها، وترسم استراتيجيات الهيمنة المناوئة للاستراتيجيات الأمريكية مع روسيا والصين وتركيا، تنتج سلاحها المتقدم وتفرض إرادتها، بينما النظام العربى المراوغ ليكنونته ومخزون قدراته يعاقر أوهام الريادة والقيادة، يستهلك لا ينتج، ويقلد لا يبدع، يشترى ولا ينتج، فيدفع الثمن تخلفاً وفساداً وتبعية ويتلفح بسياسات أمريكية – صهيونية ثبت أنها لا تقيه صقيع هذا الشتاء الاستراتيجى القارس، ناهيك أنها لا تستر عوراته.
من كان يصدق أن تصل المهارة بصانع السياسات الإيرانية أن يستغل تهور الرئيس الأمريكى بالإقدام على اغتيال قاسم سليمانى، لا لينقل الصراع إلى الداخل الأمريكى فحسب، بل يجبر اليانكى الأمريكى المغامر لحسابات انتخابية وسياسية داخلية، إلى التسليم باستقبال ضربة إيرانية عسكرية رسم حدودها مع الإيرانيين من خلال وساطات عربية وسويسرية، على أن يتبعها مفاوضات تحقق لإيران فى المستقبل القريب بالسياسة ما أرادته بشأن رفع العقوبات الأمريكية والدولية والتسليم بوجودها قوة إقليمية قادرة على التمدد والتوسع.
إن الضربة الصاروخية لقاعدة عين الأسد الأمريكية ورغم أنها ضربة هيكلية إلا أنها أسقطت الهيبة الأمريكية، وألحقت بالنموذج الأمريكى فى التقدم والحداثة والقوة والتفرد أضراراً بالغة، لن تكون أمريكا أبداً بعدها كما كانت قبلها. ولإن كان سقوط حائط برلين فى نوفمبر 1989 إيذاناً بتفكك الاتحاد السوفيتى والكتلة الشيوعية، فإن مالحق الولايات المتحدة الأمريكية من مهانة – حتى ولو كانت محدودة ومحسوبة – سيكون له تداعياته على نظام عالمى جديد ينهى عالم "المونوبول" والعصر الذى كان أمريكيا بامتياز.
هذه قراءتى لدروس الأزمة الإيرانية الأمريكية التى لا تغفل التسليم بأن إيران دولة توسعية عدوانية، ونظام الملالى الذى يحكمها نظام قمعى ديكتاتورى، وعلى نظامنا العربى أن يستيقظ ولا يظل مستكيناً فى انتظار ما لايجئ.