غطاء فارغ لقنبلة دخانية : (كل الأشياء) رواية بثينة العيسى

مقداد مسعود
2020 / 1 / 14

أصل هذه الورقة: هوامش دونتُها بعد قراءتي الثانية للرواية، في الثاني من آذار 2018، ومن باب العلم بالشيء سبقَ وأن تناولتُ تجربة الروائية الكويتية بثينة العيسى في رواياتها (أرتطام لم يسمع له دوي) و (كبرتُ ونسيتُ أن أنسى) و(خرائط التيه) مقالاتي منشورة في مواقع: الحوار المتمدن/ الناقد العراقي/ مركز النور/ كتابات/ موقع الحزب الشيوعي العراقي/ معكم / معارج ثقافية/ بصرياثا، أما رواياتها (سعار) (عائشة تنزل إلى العالم السفلي) وروايتها الأخيرة( حارس سطح العالم) فما تزال هوامش القراءة الثانية على حالها، تنتظر تدويرها السردي الذي يجعلها صالحة للنشر ..
(*)
يمكن أن يكون عنوان الفصل الأول(عودة الولد الضال)،وقد أشتقتْ قراءتي هذه الثريا النصية من معلومة دسها السارد المطلق: (يجرجر خطواتٍ متعبة إلى المكان الذي أقسم،قبل أربع سنوات ألا يعود إليه مهما حدث /13)إذن هذه العودة لا تعني الهداية، بل المثول بمشروطية الكونفورميا وأنظمة الوعي، جاء الولد الأكبر جاسم عبد المحسن العظيمي ليشيّع ويسهم بدفن ويستلم عزاء فاتحة والده، كما تقتضي الأصول.. أما جاسم نفسهُ،وعلى ذمة السارد المطلق(لم يكن في نيته أن يعود،على الأقل ليس بهذه السرعة،أربع سنوات ٍ من الغياب ليس ما خطّط له أبداً،بل أربعين سنة، خمسين سنة، العمر كله15)
(*)
مع الفصل الأول تواجهنا موتيفات لها وظيفتها في الإحالة التكرارية
*الصنبور المكسور
*السطل
*البرحية التي زحف على جذعها السوس
*الزجاج الأخضر الذي كسره جاسم في طفولته
*نباح صلبوخ كلب بيت الجيران
*المشنقة
هل من هذه الموتيفات نملك مفتاحا لشفرة عنوان الفصل الأول(بيت هَدَام) الذي صنعته المؤلفة بثينة العيسى ؟!
(*)
جاسم منذ فتح عينيه رأى الصنبور مكسوراً، في حديقة البيت الذي تسكنه أسرته منذ أربعين، فيلا مستقرة في قدامتها، الزجاجة الخضراء المكسورة بقيت على حالها منذ.. جاسم في العاشرة، لم يكلف أحدٌ مشقة استبدالها،إذن هو حقا (بناء متهالك،شاهد على زمن مات دون أن يفطن أحدٌ إلى موته. بيت ،،هَدَام،، كما يسمونه.بناءٌ بلا قيمة على أرض ٍ تساوي آلالاف من الدنانير 14) هل البيت يتعدى أبعاده الواقعية ليرتحل إلى سعة التأويل ومكائده ؟ في هذا الفصل يشتبك الراهن مع ارتحالات زمنية، وينكمش إلى حجم حبة العدس تحت كتلة من التداعيات الزمكانية، وتواصل راهنية حبة العدس مكابداتها مع أزمنة الأحداث وتقاطعاتها المتراجعة إلى أكثر من ماضٍ، لكل من يشتغل على توسيع وظائف السرد.
(*)
جاسم من الماهرين في تصنيع الأسئلة : لماذا الناس يتعايشون مع مشكلاتهم؟ لماذا يقبلون بالصنبور الذي لايمكن إغلاقه؟ والزجاج الأخضر المكسور، والسوس على جذع النخلة وآلام الركبتين، وخشونة الرقبة، ووجع القلب؟ لماذا يتصالح الناس مع خطاياهم؟ وبعد الأسئلة، يقترح أجوبة ً مثالية ً : كان الأجدر بأمه أنّ تُصلح الصنبور،وأن تشتري كرسيا ً بعجلات. وكان الأجدر بأبيه ألا يكف عن تكريب البرحية، وألا يلومه على سجنة. وهكذا نلاحظ جاسم يكتفي بالمقترحات ولا يسهم بالتنفيذ في أي مقترح من المقترحات، إذن جاسم عاطل عن إنتاج المعنى لكل ما يجري وكيف ينتج.. وهو مصاب بلوثة عدمية ؟ وبشهادة جاسم نفسه (نحن نخترع العلاقات لكي نصنع المعنى، كي لا نعترف بأن العالم بلا معنى، ولكن ليس هو، إذ ليس لديه مشكلة مع أنعدام المعنى. مشكلته، على العكس هي في المعنى ذاته، كثرته وتوغله في كل الأشياء13)
(*)
ملكية ُ جاسم مِن عِلم الشوارع، لا تخلو من مرض الطفولية اليساري، فهو يتصور بعد النبش في أوراق أركان، التي حازها بموافقة أسرته، وتدوير سرد المعلومات في مقالة صحفية: أنه سيقلب الموازين!! و يستطيع الفرار إلى لندن،ولا يتجرأ أحدٌ ويقول له( على عينك حاجب) كما يقول المثل العراقي، جاسم لم يضع في حسبانه رد الفعل المتورطين في الفساد الإداري!! ولا يخلو جاسم المتمرد مِن إيمان العجائز في ذريعة هروبه إلى لندن (ما لايطبّبه الزمن سوف تعالجه الجغرافيا20)!! هل هكذا يتفهم الرجل الراديكالي !! أم ما بين القوسين تتحمل تبعته مؤلفة الرواية ؟
(*)
لا ندري مَن يتحمل وزر توريط جاسم العظيمي بذلك : صديقه نايف؟مؤلفة الرواية بثينة العيسى ؟ أم هي عودة الأبن إلى قناعات أبيه ، وهذا ما يعلنه جاسم في السطر الخامس من الصفحة الاخيرة من الرواية :(يُبه أنا رجعت. 311) عودة جاسم العظيمي لا أدري لماذا ذكرتني بعودة رجب إسماعيل إلى السجن في (شرق المتوسط) للروائي عبد الرحمن منيف !! وهنا أكرر سؤالا طرحته سابقا: لماذا السجن هو وحدة قياس الرجولة والثورية في الرواية العربية في أغلب الأحيان ..؟
(*)
قراءتي ستعود لذلك الفعل الإستباقي الممهد الذي صنعته مؤلفة الرواية: لترويض تلقي القارىء لما سيجري من تطابق بين الأبن العاصي والأب المكابر، وما فعلته المؤلفة محض استعارة للمصالحة بين جيلي الإصلاح والتمرد الراديكالي: كانت الأم تطالع في ولدها جاسم، مما أثار استغرابه ومساءلتها
(- شفيج يّمه ؟
- شنو؟
- تطالعيني
أبتسمت عيناها
- يتهيأ لك / 241)
وحين يدخل برّاك يتسمّر( واقفا مكانه ينظر إلى شقيقه المتربع على الأريكة، أمامه أستكانة الشاي وأواني الفستق، ومنفضة سجائر مليئة بالرماد وجريدة يوم الأحد. لم يفهم جاسم لماذا أغرورقت عينا أخيه / 242) !! ليس جاسم وحده لم يفهم، حتى القارىء الفطن يستغرب، كيف حدثَ التماثل / التطابق بين الشيء ونقيضه
الأبن والأب؟ إلاّ الأم فهي وحدها (كانت تنظر إلى أخيه كأنها تفهم وأبتسمت ) !!
وهنا سينطق براك الابن المتطابق مع أبيه والمختلف في كل شيء مع أخيه جاسم
براك المسلم المؤمن المتيقن (عبالي أبوي رجع ) !! برّاك الكامل الشروط أبويا، الذي نفّذ كل ما هو مستقيم في عين الرب/ الأب العظيمي،لم يرفع صوته ضد أبيه،لم يتلوث بالسياسة.لم يكتب،لم يشارك في أعتصامات وتظاهرات،لم يسجن،لم يسكر،لم يدخن سيجارة حشيش، لحيته مشذّبة بقناعته أبيه... حلمه الأوحد أن يرزقه اله ولدا لتكمل دائرة التسمية : عبد المحسن برّاك عبد المحسن العظيمي 47 برّاك سرد َ شخصيته حسبت قناعاته والده، إذن برّاك :محض فكرة من أفكار السيد الرب / الأب العظيمي .
(*)
قبل هذا المشهد المتأخر، توقفتْ قراءتي عند هذه المعلومة التي تبثها المؤلفة خلف قناع السارد المطلق :(سيظلُ مشدوداً إلى أبيه دائماً بذلك الحبل السري المجدول من خيبة أمله،وليس في وسع الموت، أو الحياة أن يفرّقا بين أثنين تربط بينهما علاقة مثل هذه 20) وفي آوبته من لندن والأب لم يدفن بعد، يباغتنا فعل السرد بما لايمكن الأقتناع به في توصيف حالة أم جاسم (حدقت فيه ذاهلة،وأستطاع أن يرى،بوضوحٍ كامل،أنها تحسبه والده، رغم أنه، بزعمه لا يشبهه في شيء
- محسن ؟
جثا على ركبتيه،أحتضن كفّها، قبل ظاهر يدها :
- أنا جاسم يمّه، ماعرفتيني؟/ 24)!!
كل محاولات السرد في هذا السياق، تريد إيهام القارىء أن التشابه بين الأب والأبن، أكبر من الاختلاف الفكري بينهما .
(*)
أشكالية الأب / الأبن : انهما يختلفان في الهواء الطلق/ الإلكتروني، الأب لا يحسن المرونة في تعامله العائلي مع ولده، كلاهما أعطى الأولوية للمجرد وللخلاف السياسي فنفّذ الولد نظرية قتل الأب فكريا من خلال رده على أبيه مقالاتيا
وهكذا (لا هو يطيق النظر في عينيك ولا أنت َ..شيء ما أنكسر بينكما بعد معركة المقالات التي خاضها واحدكما ضد الآخر. أيكما خذل الآخر؟ وأيكما خان نفسه..؟ /21)
(*)
نسمة الصيف العذبة والوحيدة في الرواية هي دانة داود صديقة جاسم المخلصة.. هذه النسمة للأسف خذلها جاسم ووأدها في نهارٍ أشد ظلمة من الليالي المغيمة ، ثم قتلوها سهوا/ دهسا: خذلها جاسم الثوري المشارك في التظاهرات التي ترد على عنف السلطة وسمومها الدخانية بعلب السفن آب في الكويت وبعلب الكوكا كولا في تظاهراتنا في البصرة نزيح سموم الدخانيات .
(*)
تلتقط قراءتي عينة ً من دانة داود وتعمل على تكبيرها :
*دانة شابة ذات بعد إنساني واحد، لا تقرأ جرائد، وربما لا تقرأ شيئا، ولا تريد أن تقرأ .. وما تضعه على صفحتها في تويتر: هو في الغالب أشياء على شاكلة(مالي خلق أروح العرس)!! أو (ليش الغدا سمك)!! أو أغاني نوال. وهي من خلال السارد المطلق أو عبر تداعيات الزمن النفسي لدى جاسم، لم تتكشف لدينا عنها أبعاد ثقافية .. دانة داود شابة تعلقت بجاسم عبد المحسن العظيمي وخذلها، لأنه لم يحتمل ما مر به في الشهور الستة التي كان فيها سجينا..ودانة تعاني من وضر الفساد الإداري في وظيفتها، لكنها تتحرز من مفاتحة جاسم بالأمر(ثمة أمور لا أفهمها في العمل، لا أريد أن أضجرك بالتفاصيل32)..وهي ترمز للفساد وهما يتأملان دمية (بلاّع البيزة) حين تخاطب جاسم (بلاّع البيزة ليس رجلا أسود بملابس مدير سيرك من برودواي،بلاّع البيزة في الغالب رجل أبيض،يرتدي بذلة أرماني أو دشداشة وغترة منشاة من دنهل./31) وحين يضحك جاسم ، لا تجاريه دانة ..هنا يتدخل السارد المطلق لتفكيك شفرة معاناة دانة (الجرائد تموج ُ بأخبارٍ عن،، إيداعات وتحويلات،، أرصدة فلكية تودعُ في جيوب عدد من ممثلي الشعب. البرلمان مختطف، على الشعب أن يمثل نفسه/ 31) ما بين القوسين هو الخلية الموقوتة،التي تدفقت منها أحداث الرواية، مابين القوسين هوالمتسبب في سجن جاسم، وخذلانه لنفسه ولحبيبته دانة، وما بين القوسين هو المتسسب في نحر وليس انتحار أركان الموظف زميل دانة وشريكها في التنقيب عن الفساد وتفسيد المؤسسات . ومابين القوسين هو الترجمة الكويتية لمقولة ماركيز التي تستقبلنا: قبل الفصل الأول (هنا في هذه المدينة لم يقتلوننا بالرصاص، قتلونا بالقرارات /غابرييل غارسيا ماركيز)
(*)
في (الطبعة المصرية) من رواية بثينة العيسى (كل الأشياء) بعد نهاية ص 293
لا نجد ص294 ولا ص295 بل تواجهنا ص 296!! وكقارىء بعيدا ً عن تصنيفات النقد ، أتساءل عن مصير الصفحتين الغائبتين / المغيبيتين ؟! ولن أسمح كقارىء لأي تلفيق تأويلي أو إساءة التأويل، ومن المضحك أن نحيل ذلك إلى تعاليم أو وصايا الرقيب الأول، الذي يستقبلنا في ص7 من رواية( حارس سطح العالم) رواية بثينة العيسى الصادرة 2019/ طبعة عراقية عن الدار العربية للعلوم ناشرين .
(*)
شحنة العنونة (كل الأشياء) التي تصر على الإطلاق،تنتج سؤالا مشروعا: أي كتاب يستطيع أن يحتوي كل الأشياء؟ كما تنتج صور الغلاف سؤالا آخر: هل هؤلاء هم المعنيين بالكليّة ؟ أم كما( تخيل جاسم كل الأشياء التي توشك أن تصير مرئية، الغتر والشمغ القديمة،قميصه السماوي، ودشداشة السجن، معلقة على الجانب الأيمن، كما تركها قبل أربع سنوات 34) وهناك كل الأشياء، في حالة صعود جاسم إلى المشنقة :(ستسقط نعله ُ أولا. ثم كل الأشياء،إيمانه،أحلامه، أو هامه وأخيراً روحه44).. من جانب ثان ٍتوصلنا قراءتنا أن صورة غلاف الرواية:هي ملصقات في الشقة التي استأجرها نايف صديق جاسم (هناك صورة ملصقة على الجدار،فهد العسكر،جورج أوريل، نعوم جومسكي،وعبدالله السالم.216) وهذه الجدارية بمرور الوقت والأحداث ستزدهر بالمستجدات (يرى القصاصات التي لايجمع بينها شيء،تتشابك وتنسج خيوطاً غير مرئية فيما بينها، منذ مارتن لوثر كينغ وحتى أم كلثوم ومن غسان كنفاني وحتى عود المهنا، ومن تشي جيفارا وحتى فريدا كاهلو .هناك أيضا إدوارد غليانو وبورترية لطلال مداح217).. هنا ربما نتوصل إلى كلية الاشياء هي هذه النسبية من الوجوه المنتقاة بقناعة فكرية من قبل نايف صديق الأوحد لجاسم العظيمي، ومن المؤكد أن لكل وجه سردياته المتنوعة، لكنا كقراء نقرأ السرد الذي يشع ُ أمامنا أو تصطاده شبكة التلقي لدينا، كقارىء عراقي من البصرة : لم أجد صورة عراقية بين التصاوير!! البصرة تستقرفي ماضي الكويت ما قبل الأقتصاد الريعي: كويت البوم والسمبوك، البصرة في الجدار الأيسر لصالون بيت العظيمي: بصرة العذوبة في نسخة من لوحة (لأيوب حسين، سفن شراعية تسترخي على المرسى ونساء يغطيهن السواد، يقفلن عائدات إلى الشاطىء وعلى رؤوسهن تنكات الماء العذب التي أتى بها،، بوم الماء،، من شط العرب18).. وجاسم نفسه لا تعرض شاشة تلفزيونه وهو في لندن صورة للمجازر ضد العراق، شاشة تلفزيون جاسم: (تبث مشاهد لطيارات روسية تقصف ُ مدينة الرقة،أو طفل يغرق في طريقه إلى اليونان،أو تفجير في أنبوب غاز على حدود معبر رفح،أو جرافة إسرائيلية تهدم بيتاً في الخليل، أو حتى أخبار بلاده التي ماعادت بلاده، تفجير إرهابي في مسجد الصادق، العثور على ترسانة أسلحة في ،،العبدلي،، . 16)!!

(*)
تسرف مؤلفة الرواية في تفتيت الزمن والتنقل السريع من هنا إلى هناك بلا مبرر، مما يحدث تشويشا لدى القارىء ما بعد العادي، كما تتحول بعض الفصول إلى دوائر مغلقة يتراكم السرد فيها بِلا كيف ينقذه من الترهل، ويحاول السارد المطلق إلقاء اللوم على جاسم !! (فكّر جاسم بأنه توغّل في ذاكرته أكثر مما ينبغي،وأن المرء لابد أن يكون مخبولاً كي يظن نفسه قادراً على مجابهة حقائقه./ 45).كذلك تسرف المؤلفة سردياً في طقوس تجهيز الميت إلى الآخرة، وهي بهذا الإسراف تشترك مع الروائية الكويتية ليلى العثمان في فصل (الغسول ) من روايتها ( خذها لا أريدها)*
(*)
جيولوجياً يتكون الفضاء الروائي من الطبقات التالية :
*علاقة حب متأزمة بين جاسم عبد المحسن العظيمي ودانة داود
*لغز بوليس سياسي : مَن قتل : أركان ؟ و دانة داود
*دمائية الفساد الإداري يتجسد ذلك أكثر في مصير أركان وتشويه سمعة دانة
*صراع أجيال بنوعيه الخاص / العام
*الخاص يجسده الكاتب الصحفي عبد المحسن العظيمي وولده جاسم
*العام : جيل (كرامة وطن) والجيل الوطني السابق
(*)
الأب يؤمن بالتدرج الأصلاحي( تطويع الخطأ لخلق الصواب/ 12) وكما يرى جاسم أن والده( يفضل،بدلا من أن يحل ّ المشكلة،أن يعالج نتائجها) فهو بدلا من يأني بصنبور جديد للحديقة يضع سطلا تحت الصنبور تتراكم القطرات يدلق مياه السطل في حوض النخلة البرحية المسوّسة. جاسم لا يؤمن بالتطويع بل بأجتثاث الخطأ لخلق الصواب، كما يؤمن بجذرية الحلول : صنبور جديد للحديقة وإمدادات ري بالتنقيط لنخلة الحوش وحديقة حقيقية. الأب عبد المحسن العظيمي وطني غيور إصلاحي النزعة يعلنها في حواراته المتشنجة مع ولده جاسم : لا تستطيع إسقاط نظام قائم، تستطيع فقط تطويره. في حين يرى جاسم : المشاكل الراديكالية تحتاج حلولا راديكالية. الأب فكريا أقفلَ فكرهُ على موجهاته اليقينية، لا يؤمن بالتعددية ويرى في جاسم ومجايليه نظرة ً خارج الخطاب السياسي ..نظرة ً تهكمية ً غير لائقة بالكاتب عبد المحسن العظيمي (أطفال السياسة، سذج جداً أفضل واحد منهم يرتدي حفاظة بامبرز)
(*)
الفترة التي امضاها جاسم عبد المحسن العظيمي في السجن وهي ستة شهور، بالنسبة لنا نحن في العراق في زمن الطاغية أو الآن نعتبر هذه الفترة (زلاطة)، لكن (ترافة) ابن العظيمي تحدث له ورما في الأحاسيس، فيهوّل الأمر وقد ادركت ذلك صديقته دان داود( 234) من جانب آخر تعيدني الشهور الستة التي قضاها جاسم عبد المحسن العظيمي، إلى رواية (الوشم) للروائي العراقي عبد الرحمن مجيد الربيعي، ط1/ دار العودة بيروت 1972 حيث يقضي كريم الناصري وهو الشخصية الرئيسة، ستة أشهر سجينا ثم يطلق سراحه بعد تخليه عن انتمائه للحزب الشيوعي العراقي. بالنسبة لجاسم عبد المحسن العظيمي بعد إطلاق سراحه لا يمتلك جرأة مصارحة دانة:(كيف يشرح لدانة أنه خائن وجبان / 36) يختزل السرد التجربة المريرة للمناضل جاسم في ما بين القوسين ؟ وعلى القارىء خصوصا صاحب التجربة السياسية أن يملأ من خلال خبراته المحذوف من النص : ماهو نوع الخيانة التي ارتكبها جاسم، هل سلّم الشجرة التنظيمية لأمن الدولة؟ فتسبب في تسقيط سواه؟ أم اكتفت السلطة بفصلهم الإداري، أو منعهم من السفر،كما فعلت مع نايف ؟ هل تحول جاسم وكيل لأمن الدولة فسمحوا له بالسفر، ليتجسس على الكويتيين في لندن ؟
(*)
نهاية الرواية لم تكسر أفق توقع القارىء، صار القارىء متهيئا، لمثل هذه النهايات
التي تكاثرت في الروايات العربية في الآونة الأخيرة.
(*)
جاسم شخصية تعاني من أمراض طبقته المجتمعية، وأفضل من قرأ شخصية جاسم هو صديقه نايف الذي له دور السنيدة في الأفلام العربية المصرية، ونايف تعرض للسجن ويكابد من منع السفر لكن توعويا أعمق من جاسم .تجربة السجن القصيرة ثم إطلاق سراحه، لا يخبرنا السارد المطلق كيف تم إطلاق سراح جاسم!! ثم تجربة السنوات الأربع في لندن للدراسة العليا، كل هذه التجارت خلخلت ميزان وجهات النظر لديه بنسبة 180 درجة (يتذكر نفسه قبل سنوات، عندما كان يشك في صواب الصواب وخطأ الخطأ، اليوم صار يشك في وجود الصواب والخطأ أصلا 25) نلاحظ غياب أو تغييب النسبي في تفكير جاسم: كل شيء أو لاشيء. وفي الحالتين يمكث جاسم في برزخ اللا أدرية !!
(*)
الأم منمطة سرديا ً، صوتها محذوف وهي محظ بقية صدى لزوجها الراحل وثمة ومضة سردية جنسانية يتيمة في عموم الرواية عنها (مازالت أمه تتحرج من تعليق صور أبنيها وحفيداتها على الجدران / 18) هكذا أم تطلق عليها نساء البصرة (مرة متغاوية) لا تريد أي وحدة قياس تشير إلى سنها !! ومن باب المكان بالمكين، فهذه الأم هي مرآة غرفتها التي (تآلفت مع العتمة لوقت طويل، وأن الشمس لم تمسّ مزيج الروائح التي تثقل هواء المكان، حتى تشّربتها السطوح والشراشف. الستائر مُسدلة،والسرير مبعثرٌفي شقه الأيمن ومستوٍ في شقه الأيسر 23)
(*)
أختم ورقتي بالسؤال التالي: لماذا جاسم نام في سرير الزوجية العائد لأبويه!! ثم يخبرنا السارد المطلق بحياد ٍ غير بريء بالمعلومة التالي (أغمض عينيه، أنزلق في غفوة ٍ سريعة ٍ،وحلم بمشهد ٍ من ذاكرته، عندما ذهب مع دانة إلى سوق الجمعة، وسارا بين بسطات باعة الانتيك، ليشتري لصديقة مكحلة قديمة./ 26)
هنا نقول: لا مكحلة بلا مرود، والإستعارة الجنسانية واضحة الدلالة، ثم نعود لتكملة ما يخبرنا به السارد المطلق (أرعبه، عندما فتح عينيه، أن يرى نفسه ممدا على الشق الأيسر من الفراش بسروال ٍ مبتلّ /26)
نتوقف عند : الشق الأيسر من السرير!! ثم نتوقف عند : سروال مبتل !!
نعود إلى دخول جاسم إلى غرفة أمه، حيث وصف لنا السارد المطلق السرير كالتالي :
(السرير مبعثر في شقه الأيمن ) : هذا حيز منام الأم المترملة قبل يوم
أما الأيسر فهو حيز الأب وقد رحل قبل يوم (ومستوٍ في شقه الأيمن)
بعد حلم واستحلام جاسم: صار السرير مبعثراً كله، تستحق هذه الصورة السردية / السريرية : حفرا معرفيا تفصيليا خاصاً .
*بثينة العيسى/ كل الأشياء/ الدار العربية للعلوم ناشرون/ ط1/ 2017/ طبعة خاصة بجمهورية مصر العربية
* ليلى العثمان/ خذها لا أريدها/ دار الآداب/ بيروت/ ط1/ 2011 الفصل الأول (الغسول) يمكن النظر في مقالتنا( النوم على فراش من ماء..أو الصوت كشخصية ) في : موقع الحوار المتمدن/ الناقد العراقي/ مركز النور/ كتابات/ معكم...