تغيير الصورة النمطية وإشكاليات الترجمة للآخر

حاتم الجوهرى
2020 / 1 / 14

الصورة النمطية أو الذهنية هي مفهوم ظهر في العصر الحديث، يرتبط بالشكل السريع والمحدد مسبقا الذي يطرأ على الذهن عند ذكر موضوع ما، فهو ذلك الانطباع العام المستقر والمتفق عليه عند جماعة بشرية ما حول شيء بعينه، حيث "تتفق الدراسات العربية حول الصورة الذهنية والنمطية مع نظيرتها الغربية في تحديد مفهوم هذا المصطلح، ففي المورد لمنير البعلبكي يرد تعريف Image بأنها الصورة أو الانطباعة الذهنية، وتعنيStereotype الشيء المكرر على نحو لا يتغير أو الشيء المتفق مع نمط ثابت أو عام، وتعوزه السمات الفردية المميزة، أو الصورة العقلية التي يشترك في حملها أفراد جماعة ما، وتمثل رأيًا مبسطًا إلى حد الإفراط المشوه, أو موقفًا عاطفيًّا (من شخص أوعرض أو قضية أو حادثة)(1).
ومن أهم مجالات دراسة الصورة النمطية هو مجال الصورة النمطية للذات والصورة النمطية للآخر، وتعد الترجمة هي المعبر الأساسي قديمًا في بناء صورة النمطية بين الذات والآخر، حيث كانت هي المعبر أو الوسيط الذي من خلاله يتعرف الناس على بعضها، وكانت المعابر القديمة للصورة النمطية تتم من خلال ثلاثة أبنية رئيسة هي: الحروب والتجارة والرحلات، وكانت الترجمة قاسمًا مشتركًا في الثلاثة؛ ففي الحروب تتم المفاوضات والمعاهدات بين الدول مختلفة اللغات عن طريق وسطاء الترجمة، وكذلك في المفاوضات التجارية، وفي الرحلات أيضًا سواء عبر إتقان المسافر للغة أهل المكان أو استعانته بوسيط للترجمة.
ولم تكن الترجمة المكتوبة منتشرة كما هي الآن, وإن كان دورها ملحوظًا في الحفاظ على العلوم عند انتقالها من بناء حضاري إلى بناء حضاري مغاير، كما حدث مع علوم مصر القديمة التي أخذها اليونان عنها، ثم مع المنجز اليوناني في فيما قبل العصور الوسطي مع الازدهار العربي من خلال وسائط لغوية أو مباشرة، وفي العصور الوسطي عندما نقل الغرب المنجز العربي بدوره الذي حفظ معظم التراكم المعرفي البشري، حتى وصل للغرب.
حديثًا تطورت المعابر الحاملة للصورة النمطية بين الجماعات البشرية بعدما كانت تقتصر على ثلاثية: الحروب- التجارة – الرحلات، باعتبارها أبنية رئيسية تستخدم وسيط الترجمة، ففي العصر الحديث تطورت تلك المجالات واتسع نطاق تلك المعابر التاريخية القديمة لتشمل ستة مجالات رئيسة هي: (الصورة النمطية في السينما- الصورة النمطية في الكتب التعليمية - الصورة النمطية في الإعلام - الصورة النمطية في الدراسات الأكاديمية - الصورة النمطية من خلال الترجمات المباشرة – الصورة النمطية في الخطاب السياسي المباشر)، فلقد أدى تطور التقنيات البشرية الآن يتسع نطاق المعابر التاريخية للصورة النمطية بين الجماعات والأمم لتلك المجالات الحديثة.
كما يمكن القول إن الصورة النمطية للذات العربية المشوهة في الغرب والعالم قبل القرن التاسع عشر، اعتمدت على الترجمة والدراسات الإنسانية التي قام بها علماء الغرب وباحثوهم، في إطار توجه نظري وفكري عام عرف بالاستشراق أو دراسة الشرق، والمفهوم هنا واضح باعتبار الغرب مركزًا للعالم. ومن دراسات المستشرقين وتراجمهم كون العالم الغربي صورة نمطية مشوهة عن العربي/ الشرقي/ المسلم، تسللت مع تحول المعابر وظهور المجالات الستة الحديثة التي أبرزهم: الإعلام، والسينما، والخطاب السياسي المباشر. فقد كان من ضمن الاتجاهات الرئيسية للاستشراق (على سبيل المثال في دول المنطقة اللغوية الألمانية)، هو دور "الاستشراق العملي بهدف تكوين مترجمين ودبلوماسيين من أبناء المنطقة [الألمانية] للعمل لخدمة تلك الدول، ولتولي مهام العلاقات الدبلوماسية مع الدول العثمانية ومع الأقاليم العربية، ثم مع الدول العربية.."(2)
من هنا تأتي أهمية موضوع الانتقال من قضايا التعريب وإشكالياته، إلى موضوع الترجمة إلى الآخر وأهميته للذات العربية المعاصرة، ووضع الأمر في سياق دراسات التدافع الحضاري في ظل ما تتعرض له المنطقة العربية من تحديات راهنة صعبة، تشمل أهمية تحديد موقفها من العالم ودراسة أنماط التدافع الحضاري فيه في العموم، وأنماط التدافع المحيطة بالذات العربية ومستودع هويتها في الخصوص، لتضع على أساساها استراتيجية أو سياسة للترجمة تخدم مشروعها الحضاري، وتستشرف الطريق نحو المستقبل واحتمالاته.
من هنا وعند النظر للترجمة في هذا السياق وبهدف تغيير الصورة النمطية للذات العربية، يمكن القول إن الترجمة في الأساس هي فعل مزدوج يعكس تصور المترجم عن ذاته وعن الآخر في الوقت نفسه، سواء في أثناء الترجمة المستهدِفة لجمهور الذات، أو الترجمة المستهدِفة لجمهور الآخر، ففي كل سطر على المترجم أن يتخذ قرارًا في تصوره للجماعة البشرية التي ينتمي إليها، وفي تصوره للجماعة البشرية التي تمثل الآخر.
فهنا الترجمة هي موقف من المترجم تجاه النص الذي يتعامل معه، بما يجعل الترجمة في المجمل هي مجموعة قرارات من المترجم، تنطلق مما هو ثقافي/ حضاري وتنعكس كذلك على ما هو لغوي متعدد المستويات، فربما "أثناء المقارنة بين النص المصدر والنص الهدف، يمكن أن نلاحظ أن النص الهدف قد خضع لبعض التحولات والتغييرات أثناء مسار عملية الترجمة، وهذه التحولات والتغيرات هي نتيجة للقرارات التي يتخذها المترجم.. على المستوى اللغوي ومستوى التراكيب ومستوى المعنى"(3)
ليبقى طموح مشروع الترجمة للآخر الكبير هو تغيير الصورة النمطية للذات العربية عند الآخر المتعدد، وتعظيم الاستثمار في هذا النطاق، لما سيكون له من مردود وأثر واسع على الوجود العام للدولة المصرية (والذات العربية)، وسياساتها الخارجية والثقافية في المجمل.








هوامش
------

1 - عبد القادر طاش، الصورة النمطية: الإسلام والعرب في مرآة الإعلام الغربي، ص13، شركة الدائرة للإعلام، الرياض، ط1، 1989م.
2 - محمود فهمي حجازي، حوار الثقافات: مطبوعات ألمانية في الدراسات العربية وكتب عربية مترجمة من الألمانية، ص9، المشروع القومي للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة مصر، العدد 768، ط1، 2004م
3 - حيزية سلمى، استراتيجية الإيضاح في الترجمة: رواية رصيف الأزهار لا يجيب لمالك حداد أنموذجًا، رسالة ماجستير، المقدمة ص أ، سنة 2008/2009جامعة منتوري، قسنطينة، الجزائر.