العطاء حكمةٌ راقيةٌ ، و سلوكٌ أنيقٌ .

يوسف حمك
2020 / 1 / 14

عرفته كما هو ، بأدنى صفاته و بلا مبالغةٍ :
في عينيه جحودٌ شائنٌ ، و في ابتسامته مكرٌ شنيعٌ ، و في نبرة صوته نفاقٌ مهينٌ ، و في جريرته حسدٌ مريعٌ .
نفسه تخلو من المشاعر كالآلة ، عقله مبرمجٌ على نهج المنشار في الذهاب و الإياب ، يفتح المسار ليفرط في الأخذ دون معرفة الجميل ، أو رد العطاء .
ينطبق عليه أقوال الحكماء :
كم علمته نظم القوافي ... فلما قال قافيته هجاني
أعلمه الرماية كل يومٍ ... فلما اشتد عوده رماني .

إسداء المعروف شيمة النفوس النبيلة ، و تقديم العون خصلة الأرواح المرهفة .
و لا يخفى أن في السخاء مروءةٌ ، و في الجود استحضارٌ للُّطف ، و في الكرم تذوقٌ للبراعة و اللباقة .
مخطئٌ من يظن أن العطاء النقي بكافة أصنافه - دون مقابلٍ أو طمعٍ - سببٌ للفناء ، و أن الإحسان باعثٌ للزوال ، و أن المعروف علة الاندثار .

مثلما تنمو الأجسام بالطعام و الشراب ، كذلك تكبر النفوس و تنتعش بالعطاء . و بالسخاء تسمو الأرواح ، و ترتقي رفعةً .
و من الجود تتهلل الوجوه ، و تنفرج البسمة من مبسم الشفتين .

لإسداء الجميل ملامحٌ تنثر حولنا روعة أطيافها ، و توقد شعلة الجمال ، و تنير وهج البهاء .
و لأن النفوس الراقية مغرمةٌ بالإسداء فهي تشعر بالكمال في كل منحةٍ . و تمتلئ عظمةً في كل عطاءٍ .

ولا نقصد من يبادر لقبض منفعةٍ ، أو اختلاس الرياء و المفاخرة .
لأن مثل هؤلاء لا مكان لهم في اهتمامنا ، و لا حصة لهم في جميل الكلام و حسن الخلق .
مثلهم مثل من يتلقى العون ، لكنه مجحدٌ بالعطاء ، و ينسى المعروف .
هؤلاء ناكرو الجميل ، ملامحهم قبيحةٌ ، مصاصو الجهود و الطاقة وقت الشدائد .
الجفاء من طبعهم ، و عدم الوفاء لمن كان لهم سنداً في المحن .
اللؤم من شيمهم ، و جلفٌ للسريرة و غلاظةٌ للجريرة .

على النقيض من النفوس الكريمة التي لا تعرف الجحود . بل وفيةٌ لذوي المعروف و الجود . لا تعرف النكران .
ثقافتها راقيةٌ ، و أرواحها تنضب نبلاً و نقاءً . تغدق على غيرها بالشكر و العرفان ، مهما كان الإسداء هزيلاً و العطاء ضئيلاً .
فليكن عرفانك وفيراً غزيراً ، و ردك للجميل أوفر و أغزر .