فيما بين الفلسفة اليونانية والعربية من افتراق واتفاق.

قاسم المحبشي
2020 / 1 / 14

 
 
فيما بين الفلسفة اليونانية والعربية من افتراق واتفاق.

الفلسفة العربية الإسلامية نمت وتبلورت وازدهرت في أوج أزهار الحضارة العربية الإسلامية ما بين القرنين التاسع الميلادي حتى القرن الثالث عشر الميلادي. إذ جاءت تلبيتاً لتحدي حضاري ثقافي عالمي في خضم الاحتكاك والتمازج بين الثقافات والحضارات المتجاورة ( الرومانية والفارسية والهندية والسريانية ) فالفلسفة بوصفها حوارا بين الأنسان والواقع وبين الشعوب والثقافات والحضارات كانت ولازالت أهم سبل وأدوات التفاعل والتواصل الثقافي الحضاري بين البشر . وقد شكلت الفلسفة اليونانية محطة تجمع انطلاق الفكر الفلسفي العقلاني منذ القرن السادس قبل الميلاد بالاستناد الى الإرهاصات الفكرية الفلسفية التي تضمنها الفكر الشرقية القديم في مصر وبلاد الرافدين التي أثرت بالفلسفة اليونانية ومدتها بالأفكار الميتافيزيقية بأهاب أسطورية حافزة للتفكير والتأمل.
وكما تأثرت اليونانية بما كان قبلها أثرت هي فيما جاء بعدها من الفلسفات الرومانية والعربية إسلامية عبر تلاقح الأفكار والثقافة والترجمة والاحتكاك بالحضارات الاخرى الهندية والفارسية والرومانية. وقد ترسبت الكثير من الافكار الفلسفية اليونانية بعد ظهور المسيحية بصور وبصيغ متعددة منها: الأفلاطونية المحدثة على يد الفيلسوف أفلوطين 270 م وكتابه التاسوعات وعالم الفلك جالنيونس وما يعرف بالهرمسية نسبة الى الإله هرمس. والنسطورية واليعقوبية والمنانوية والزراداتشية. وفي أوج ازدهار الحضارة العربية الإسلامية ازدهرت حركة الترجمة للفلسفة اليونانية بغرض الدفاع عن الدين الإسلامي وكان الفيلسوف ابو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي 873 م هو اول فلاسفة العرب في عهد الخليفة المأمون وأهداه كتاب ( رسالة في الفلسفة الأولى) برر بها ضرورة الاستفادة من علوم الأولين. ثم أبو بكر الرازي ت 923 صاحب كتاب الطب الروحاني ثم ابو نصر محمد للفارابي ت 950 م إذ حاول الجمع بين الحكمة والشريعة والتوفيق بين الحكيمين. وكتابه المدينة الفاضلة. ثم ابو حامد الغزالي ت 1111 م ثم ابن سيناء ت 1037م هذا في المشرق العربي أما في المغرب والشمال الأفريقي فقد ظهر ابن باجة في المغرب العربي ت 1138 وابن طفيل ت 1185م وابن رشد 1198م وابن خلدون 1406م وإذا ما حاولنا رصد أوجه الاتفاق والافتراق والتأثر والتأثير بين الفلسفة اليونانية والعربية يمكننا رصد ذلك في عدد من الأوجه أوجه الاتفاق بين الفلسفة اليونانية والعربية يمكن تعينها. في اولا: الاتفاق حول معنى كلمة فلسفة بوصفها محبة الحكمة فيلو حب صوفيا حكمة والاتفاق بشأن أهميتها وتعريفاتها؛ علم الوجود بما هو ماوجود. أو علم الحق بما يتفق مع العقل. أو هي النظر في الصنائع لمعرفة الصانع ابن رشد ، أو معرفة الإنسان بجهله سقراط أو صناعة الصناعات وحكمة الحكم الكندي هذا فضلًا عن الاتفاق الضمني في النسق Format المفاهيميconcepts الوجود والعدم والهيولي chaos والصورة image والقوةpower والفعل achoin والوجود presence والواحد والكثير والخير الأسمى والمحرك الذي لا يتحرك والعقل والانفعال والنفس واقسامها العاقلة والعصبية والشهوانية والفضأئل الاساسية الشجاعة والكرم والعدل والعفة.
ثانيا: الاتفاق بشأن وظيفة الفلسفة وطباعها الكلية بوصفها نظرة كلية للكون والعالم والإنسان.
ثالثا: الاتفاق في المنهج الفلسفي العقلي الاستدالي الذي ينطلق من مقدمات كبرى ويستخلص النتائج.وقد احتفاء العرب بمنطق أرسطو اكثر من اليونان أنفسهم لأسباب ذكرها علي الوردي في كتابه المهم، منطق ابن خلدون.
رابعا: الاتفاق حول البراديم الارسطي البطليموسي في النظرة الكلية للكون القائمة على مركزية الأرض وحركة الأجرام والعالم. وهذا ما دفع بعض المستشرقين ومنهم ارنست رينان الى القول: لم تكن الفلسفة العربية غير يونانية تتكلم العربية.
أما أوجه الافتراق بين الفلسفتين؟ فيمكن رصدها في عدد من النقاط. 1- في سياق context  نشاتها المكان والزمان والعوامل. ومصادرها الفلسفة اليونانية اعتمدت على الفكر الشرقي القديم والتأمل المباشر في الكون بينما الفلسفة العربية استندت الى القرآن الكريم والسنة النبوية والفقه والتصوف وعلم الكلام والترجمة translation وعوامل ازدهارها و وفِي طريقة توظيفها: انشغلت الفلسفة اليونانية في البحث عن أصل الكون وتأمل وجود الوجود واصله وعناصره وحركته والعقل ومنطقه كله طاليس انسمنس انكسمندر هيقريطس دمقريطس اباذقليس وفيثاغوس.بينما انشغلت الفلسفة العربيةبمشكلات الخالق أو الصانع بمشكلة الواحد والكثير والثابت والمتحرك وواجب الوجود بذاته وممكن الوجود بغيره وواجب الوجود بغيره والتوفيق بين الحكمة والشريعة بين النقل والعقل وجود الله وصفاته ووجد العالم قديم أو محدث ومشكلة النفس والخلود كما أن الفلسفة اليونانية جاءت نتائج التفكير والتأمل التلقائي في الكون ومطاهره بعكس الفلسفة العربية التي جاءت بقرار فوقي في زمن الخليفة العباسي المأمون ت 833م ومن أوجه الافتراق بالإضافة الى اختلاف السياق أن الفلاسفة اليونان دخلوا الفلسفة من بوابة العلوم إذ كتب أفلاطون على باب الأكاديمية من لا يعرف الرياضيات والهندسة لا يدخل علينا الفلك والطبيعة والهندسة والرياضيات والاحياء والنفس بينما فلاسفة العرب دخلوها من بوابة الفقه والتصوف والطب والقضاء وعلم الكلام وكان لحركة الترجمة التي بدأت من صدر الإسلام مع الخليفة مروان ابن الحكم ت 685 والخليفة خالد بن يزيد بن معاوية ت 704 أثر واضح في النسق الفلسفي العربي الإسلامي. إذ ترجم العرب معظم الاعمال الفلسفية والعلمية اليونانية وتلقفوها عبر الأفلاطونية المحدثة: المقولات. البرهان، المغالطات، الجدل والسماء والعالم وكتاب الأخلاق وقد بدأت حركت الترجمة من العهد الأموي التاسوعات والربوبيات وطماس الأخلاق الى خيماخوس وجمهورية أفلاطون ومنطق ارسطو حتى حكاية موت الإسكندر المقدوني في رسالة الاحزان للكندي وغير ذلك من علوم الأولين ويعد حنين بن إسحاق ت910 م أشهر المترجمين وابنه اسحق بن حنين وثابت بن قرة وهذا يعني أن أوجه التأثر والتأثير كثيرة وواسعة للفلسفة اليونانية في الفلسفة العربية في مختلف انساقها الميتافيزيقية الإلهيات والطبيعيات والفلك والرياضيات وفِي النفس والخلود والأخلاق والبلاغة والمنطق الارسطي. وكما استلهم الكندي فلسفة أفلاطون المتسقة مع العقيدة الإسلامي كذلك استلهم الفاربي فلسفة أفلوطين في نظرية فيض الإلهي العقول ولم يخفي شقفه بأرسطو المعلم الأول لهذا سمي بالمعلم الثاني. كما استلهم جمهورية أفلاطون في كتابه آراء أهل المدينة الفاضلة وستبدل الملك الفيلسوف بالرسول الكريم.كما أنه حاول الجمع بين الحكيمين أفلاطون وأرسطو. والجمع بين الحكمة والشريعة.في الفلسفة كتاب «الجمع بين رأي الحكيمين» كتاب «الخرافة الكبير» كتاب «الواحد والوحدة» كتاب «الجوهر» كتاب «الزمان» كتاب «المكان» كتاب «الخلاء» كتاب «العقل والمعقول» كتاب «التوطئة في المنطق» كتاب «منطق الفارابي» في الموسيقى كتاب «صناعة علم الموسيقى» كتاب «الموسيقى الكبير» في المنطق كتاب «الأخلاق إلى نيقوماخوس» كتاب «العلم الطبيعي» كتاب «الآثار العلوية» رسالة «النفس والعالم» في السياسة والاجتماع «آراء أهل المدينة الفاضلة»كتاب «السياسات المدنية» كتاب «جوامع السياسة»في العلوم إحصاء العلوم والتعريف بأغراضها في التصنيف كتاب «المقولات» (قاطيغورياس) كتاب «القول الشارح» (القضايا والتعريف) كتاب «أنا لوطيقا الأولى والثانية» (تأليف القياس المنطقي) كتاب «طوبيقا» (الجدل) كتاب «سفسطيا» (السفسطة) كتاب «ريطوريقا» (الخطابة) كتاب «بوطيقا» (أي الشعر) إيمانه بوحدة الحقيقة”واجب الوجود عقل محض، يعقل ذاته بذاته، فهو عاقل ومعقول في آن واحد.“ وفِي ذات السياق جات فلسفة الطبيب الفيلسوف بن سيناء ت 1037 فلسفته مزيج من الفلاطونية المحدثة والنزعة الغنوصية الإشراقية ففي كتابه الإشارات والتنبيهات ترجم كتاب المنطق الارسطي وكتاب الشفاء ومقال في النفس وكتاب الحكمة العروضية. وكتاب القانون في الطب. وربما كان ابو حامد الغزالي ت 1111 هو الناقد الكبير للفلسفة اليونانية في صيغتها العربية في كتابه تهافت الفلاسفة. وفِي المظنون به على غير أهله كما أن الفلسفة في المغرب العربي وفلاسفتها ابن باجةت 1138 في تدبير المتوحد وابن طفيل ت1185 والشارح الكبير ابن رشد الذي كتب • بداية المجتهد ونهاية المقتصد في الفقه وكتاب مناهج الأدلة، وهو من المصنفات الفقهية والكلامية في الأصول. وكتاب فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، وهو من المصنفات الفقهية والكلامية. وكتاب تهافت التهافت الذي كان رد ابن رشد على الغزالي في كتابه تهافت الفلاسفة وكتاب الكليات..وقد امتد الأثر اليوناني الى الفقه والكلام والنحو والتاريخ والأدب لكن هذا لا يعني باي حال من الأحوال أن الجهد الفلسفي العربي الإسلامي لم يكن بأكثر من مجرد رجع الصدى للفلسفة اليونانية. بل يمكن القول أن أهم مؤثر في الفلسفة الإسلامية هو :القرآن الكريم والحديث الشريف والفقه وعلم الكلام والتأويل وأهل الحديث وأهل الرأي والإجتهاد ثم الدفعة من ترجمة التراث اليوناني: المنطق والطبيعيات والالهيات والأخلاق والسياسة والرياضيات والفلك والطب والهندسة ففي الفلسفة الاخلاقية العربية برز يحيى بن عدي إلتكريتي في كتابه تهذيب الأخلاق والغزالي ميزان العمل وأبو حسن الماوري أدب الوزير وأحمد بن مسكونة وكتابه الأخلاق والأمم وأبوبكر الرازي في الطب الروحاني تاثير الفلسفة الإسلامية في الفكر الأوربي وبن حزم الأندلسي في كتاب الأخلاق والسير وطوق الحمامة وشرح منطق أرسطو كما تأثرت الفلسفة الإسلامية بالفلسفة اليونانية كذلك أثرت الفلسفة العربية بالفلسفة الغربية من ذلك الفارابي كان له آثر كبير في فلسفة العصور الوسطي: ترجم كتاب «إحصاء العلوم»إلي اللغة اللاتينية، و أصبح في المدارس المسيحية كما كان في المدارس الإسلامية من المؤلفات التي لا يستغني عنها. وقد أفاد منه«روجر بيكون» استقر عند الإفرنج علي اختيار فلسفة ابن سينا ممثلة «للفلسفة الإسلامية» فقد ترجم «جنديسالينوس» كتاب«الشفاء» إلي اللاتينية، وترجم«جيراردي كريمونا» كتاب «القانون في الطب» فأصبح كتابا مدرسيا يعول عليه في مختلف الكليات الأوروبية من القرن الثالث عشر حتي القرن السابع عشر. وبهذا الكتاب ارتفع شأن ابن سينا في الغرب، و اتسع نطاق نفوذه؛حتي جعله الشاعر«دانتي»في منزلة بين «أبقراط» و«جالينوس» ويرى بعض الدارسين أن رواية روبوسون كروزو لدانيال دوفو هي مستلهمة من كتاب حي بن يقظان لابن طفيل فإذا ما انتقلنا إلي ابن رشد وجدنا أن الإعجاب بشروحه لفلسفة أرسطو كان عظيما في أوروبا حتي سماه «دانتي» «الشارح الأكبر» ومن المشهور أن مدرسة «بادوا» بإيطاليا كانت تنتمي إلي مذهب ابن رشد، و أن سيجر دوبرابان» كان زعيم المدرسة الرشدية في فرنسا إبان القرن الثالث عشر. ولقد ظل المذهب الذي نسب إلي ابن رشدمتدارسا عند الأوروبيين في الكتب و في الجامعات، من منتصف القرن الثالث عشر حتي أوائل القرن السابع عشر،ولا يخفى أثر الغزالي في الفلسفة المسحية الوسطية وربما اثر في ديكارت وكان ابن خلدون هو الطائر الأخير الذي أثر في الفكر الأوروبي على نحو ليس له نظير في تاريخ الفكر البشري ابن خلدون أعظم فيلسوف و مؤرخ انجبه الإسلام ،وأحد اعظم الفلاسفة و المؤرخين في كل العصور ويذهب فيليب حتى إلى أن مقدمة ابن خلدون هي أحد أكثر المؤلفات ضرورت وأكثرها أهمية من بين المؤلفات التي أنتجها العقل البشري إذ تصور بها لقد ابن خلدون و صاغ فلسفة هي بلا شك أعضم نتاج أبدعه أي ذهن في أي عصر و في أي بلد بحسب أرنولد توجينجا وهكذا استأثرت آراء ابن خلدون في التاريخ والاقتصاد والفلسفة الاجيماعية باهتمام الباحثين . وهي الآراء التي تبقى بلا شك إسهامه الأساسي في إرث البشرية الفكري بحسب جورج لابيكا. إذ لقد جمع مؤرخوا العرب المادة التاريخية وابن خلدون وحده هو من استخدمها. لقد كان ابن خلدون بالنسبة للفكر العربي أشبه بالوهج الذي يشتعل قبيل انطفاء الشمعة!