نبؤتان .. ٢

محمد ليلو كريم
2020 / 1 / 13

الإستعداد ؛ هذا ما يعنينا في جولتنا المُزمَع اكمالها كوجهة نظر شخصية ، ونُذّكر بأننا نتناول النبوءة في سلسلة مقالاتنا التي تحمل نفس العنوان : نبؤتان . ونُفرّق بين نبوءة قديمة ، ونبوءة حديثة ، وفي المقال السابق وضحنا الفوارق بينهما ، والخلاصة أن النبوءة القديمة تحض على التهيؤ لمواجهة حتمية مصيرية مع مجموعة بشرية مُخالفة قريبة الجغرافيا ومحدودة بالقياس مع مجموع سكان الكوكب ، بينما النبوءة الحديثة تحض على التهيؤ لمخاطر بشرية وغير بشرية ، فقد تنشب حرب عالمية أو يحدث عمل أرهابي ، وكذلك هناك مخاطر طبيعية وكونية ، وهذا جوهر الفوارق بين النبوءتين ، فالنبوءة الحديثة لا تنغلق على هاجس الخطر الحتمي الذي تمثله مجموعة بشرية مخالفة دينيًا ، فتنفتح بقولها على مخاطر طبيعية وكونية وتتناول بالحض الكائنات الفضائية الذكية والذكاء الصناعي وتطور الأمراض ، وتتناول ايضًا مخاطر بشرية مستجدة ؛ كالخطر الاقتصادي والتقني .
إذن ؛ نحن نتحدث عن النبوءة التي تحض على الإستعداد والتهيؤ للحرب المقدسة .
لم تحض النبوءة القديمة على إعداد الجيوش وتهيئة العدة العسكرية لمواجهة غزو فضائي حتمي الوقوع أو صد هجوم كاسح من قِبل فصيل من الحيوانات يتطور عقليًا فيصل لمرتبة الإنسان بالذكاء ، فالحرب المقدسة هي ما دعت للتهيؤ له تلك النبوءة القديمة حيث يلتقي الحق والباطل في معركة نهائية ، ويُمثل الباطل مجموعة بشرية محددة محدودة ، فليس في أدبيات النبؤات الابراهيمية من ذِكر لليابانيين أو النيوزلنديين أو البرازيليين أو الأسكيمو ، وغيرهم مجموعات بشرية لم يأت على ذكرها النص الذي هو اليوم أدبيات في ورقة عمل مُستحدَثة أعيدت من خلالها الحياة الى النص النبؤاتي القديم .
ندخل الى حيز موضوعنا والذي يقتصر على النبوءة في القرآن ، والحيز الذي تحركت فيه أو المساحة التي غطتها ، وأننا تطرقنا الى الديانات الابراهيمية وأشرنا الى أدبيات نبؤاتها لغرض ايضاح صورة أن السياق القرآني لم يمل عن خط النصوص الإنجيلية والتوراتية ، بل أعتقد إنه جاء أكثر ضيقًا ، إذ اقتصر على نبوءة دحر بني اسرائيل في تصريح نصي واضح بينما لم يُشِر الى المعني والمُستهدف في الآية رقم ٦٠ من سورة الأنفال (( وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ )) وقد سبقتها آيات تحدثت عن أعداء من الكفار دون تبيان عرقهم أو هويتهم الدينية ، ونفس الآية تقول أن هناك آخرين من الاعداء غير معلومين مع أنها تتحرك تعبويًا في نفس فترة التنزيل ، والحقيقة أن القرآن ارتبط من حيث الدعوة للإستعداد للمواجهة النهائية المصيرية مع الزمان المستقبلي لبني اسرائيل (( وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا
فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً
ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا
إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا
عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا / سورة اسرائيل من الآية ٤ الى ٨ )) النص واضح البيان وفوق مستوى الإشارة وناصع القصد ، فهو ذكر المجموعة البشرية المُستهدفة بالإسم العرقي وهو نفسه مُسمى ديني ، فتسمية اسرائيل تحمل العنوان العرقي والديني بنفس اللفظ .
يُبين النص القرآني ما سيحصل في المستقبل مخبرًا أهل زمانه بنوءة بتَّ في تحققها ، وهي على ثلاثة مراحل ، مرحلة أولى حتمية الحدوث ، وثانية حتمية الحدوث ، وثالثة تُرِكَ فيها باب التوبة مفتوح للإسرائيليين وفق قول القرآن :
المرحلة الأولى من النبوءة : فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً .
المرحلة الثانية من النبوءة : ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا
إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا .
الزمن الثالث : وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا . لا يُعتبر الزمن الثالث أو الحقبة الثالثة للإسرائيليين نبوءة قرآنية بل هو تحذير فيه من الدبلوماسية شيء .
نلاحظ أن القرآن يُشير الى صِدام يتوجه فيه أولي البأس الشديد الى ( ديار ) اسرائيل ، وهذا اعتراف بجغرافيا اسرائيلية ، ولم يخبرنا القرآن بالتحديد والدقة عن نوع الجرم أو الإساءة التي ستبدر من اسرائيل وعلى من ستقع .
المجموعة البشرية الإسرائيلية ليست قبيلة متخلفة ، أو عشيرة متأخرة منقطعة عن المدنية ، وأن التعامل مع المجموعات البشرية المتقدمة نقدًا وأنتقادًا يلزم أن يستتبعه طرح لحلول ، ألم نقل بأن النبوءة الحديثة أكثر سعة ، وهي تطرح الإستعداد عبر طرح حلول ، فالنبؤات اليوم فرضيات ونظريات علمية ، فإن كانت النبوءة تتعلق بمجموعة بشرية متقدمة علميًا وأجتماعيًا وبشتى المجالات لزم أن تُشفع أو تحتوي على طرح حلول أكثر تقدمًا أن لم تصل لدرجة الإعجاز العلمي والمعرفي حتى يقتنع المُستهدفون بأن النبوءة تستحق الآحترام من قِبل العقل وتستحق الإعتناق من ناحية ما تطرحه من حلول ، ولكن الذي جرى أن النص القرآني طرح نبوءة تهديد ووعيد وتعهد بخاتمة سوداوية تطال الإسرائيليين دون تفصيل في المبررات والجهة المنفذة للنبوة ومن سيقع عليه سوء اسرائيل وماهو سوء اسرائيل .