تفاقم جرائم قمع الصحفيين ومصادرة حرية التعبير وواجبات الرد عليها وطنياً ودوليا

تيسير عبدالجبار الآلوسي
2020 / 1 / 13

مطالبة الجهات الدولية للتصدي للجرائم الفاشية بحق الصحفيين في العراق
منذ 2003 حتى اليوم شخَّصت المنظمات الحقوقية المحلية والدولية العراق بوصفه البلاد الأكثر خطراً على العمل الصحفي والإعلامي! وقد جاء ذلك نتيجة طابع السياسة القمعية للسلطة وتغطيتها على ما يُرتكب من جرائم اختطاف وتعذيب سادي ثم تصفية دموية لم تتوانَ عن ارتكاب فظاعات الاغتيال الوحشي للعاملين في الصحافة.
ومع كل حراك شعبي احتجاجي كانت السلطة تعمد إلى ممارسة مختلف الأساليب لحجب أي شكل للتعبير وكان من بين ذلك: إيقاف عمل الفضائيات، منع حركة الإعلاميين والصحفيين وسط الميادين والساحات، وتوجيه التهديدات تجاه من ينهض بمهمة التغطية لأي حركة احتجاجية ووصل الأمر إلى ارتكاب جرائم الاختطاف وممارسة التعذيب الوحشي وانتزاع التعهدات بالإكراه فضلا عن اغتيالات باتت اليوم بالآلاف لكل من تصدى للضغوط ومارس مهامه الصحفية الإعلامية بنزاهة وضمير وطني إنساني جسّد الحقيقة بأداء مهني أصيل!
ولقد شهد العالم باسره ما اُرتُكِب بحق الصحفيات والصحفيين طوال أكثر من 100 يوم من الثورة الشعبية السلمية العراقية.. ويمكننا هنا رصد تلك الجرائم بمحاورها لأنّ تفاصيلها من الحجم ما يتطلب ملفات ضخمة لعرضها موجودة في سجلات المراصد الحقوقية العراقية والأممية؛ ونحن هنا نشير إلى الآتي:
1. أغلقت السلطات عدداً كبيراً من الفضائيات ومكاتبها، من بينها مؤسسات دولية معروفة بمهنيتها ومصداقيتها...
2. لم تتابع ولم تحسم أي ملف للاعتداءات وجرائم التخريب والنهب التي تعرضت لها مكاتب الفضائيات العاملة، ما فتح الباب واسعاً لاستمرار نهج قوى العنف الميليشياوية في جرائم الاعتداء والتدمير..
3. مورست التهديدات العلنية والمحتجبة السرية ضد الإعلاميات والإعلاميين وأشكال الابتزاز من دون ردع حتى باتت ظاهرة متفشية اليوم...
4. كما مورست الضغوط على أهالي العاملين بالصحافة والإعلام وجرت حملات تشويه وتسقيط أخلاقية بعضها هدد بإيقاع الأذى حد التصفية عندما تعلق الأمر بأمور كالتكفير والمسّ بقيم تتعارض ومعتقدات اجتماعية و-أو دينية..
5. اختطاف واعتقال عدد كبير من العاملين في ميدان الصحافة والإعلام، وإخضاعهم لأشكال التعذيب السادي الوحشي حد تعرض بعضهم للعوق الجسدي عدا عن الإصابات النفسية والمعنوية البليغة..
6. مطاردة أي من الناشطين الفاعلين الموثقين للجرائم سواء بالتصوير الفوتوغرافي أم بالفيديو أو بالمشاركة في التغطيات الإعلامية [بوصفهم مصادر صحفية واجبة الحماية] ما خلق بيئة أرهبت أي مقبل على ممارسة حقوق التعبير تلك وعلى قبول اتصال جهات النشر معه..
7. حجبت السلطة الإنترنت ومارست مختلف أساليب حرمان المواطنين من الاتصالات الحديثة ما لم يقف اثره عند الحرمان من حرية التعبير وحق استخدام تلك المنصات بل عرّضهم وحيواتهم لمخاطر الموت بسبب تلك الانقطاعات وقد حدثت بالفعل بحجم ملحوظ في مختلف الأحياء والمدن العراقية.
8. دسَّت السلطة عناصر دخيلة على العمل الصحفي والإعلامي واستخدمتهم بمجال نشر خطابها، خطاب كراهية واختلاق تخندقات طائفية محتربة بما يتعارض وفلسفة أممية معروفة بهذا المجال تدين هذا الفعل وتجرّمه.
9. وأبعد من ذلك وأخطر انتهكت السرية في عمل شركات المعلوماتية وشبكاتها بخاصة بشان خصوصية البيانات وطاردت بالمخالفة المجرَّمَة الإعلاميين والصحفيين وتدخلت في أنشطتهم بصورة فظة تعارضت ومحددات العمل بكليتها وعمومها ومن المؤكد أنّ قائمة جرائم افتضح أمرها حدّ استخدام جرائم التحرش للابتزاز والتجيير المشبوه..
10. وبوقت انتهكت السرية بخاصة هنا في الخصوصية الفردية الشخصية لأسباب ودواع عدوانية قمعية فإن السلطات حجبت باستمرار وبنهج ثابت فرص الانتفاع بالمعلومات والمعارف تستراً على ما ارتكبته من جرائم كبرى في تخريب البلاد ومن ذلك انتهاك العمل الصحفي وقوانينه المكفولة باللوائح والاتفاقات الدولية..
11. ببند مخصوص نؤكد على أنّ (إفلات المجرمين من العقاب) بكل تفاصيل جرائمهم بقي جزءاً ثابتاً من العمل الممنهج للسلطات في اسلوبها لقمع الإعلاميات والإعلاميين وخلق بيئة إرهاب العمل الصحفي برمته.
12. وفي قمة الجرائم وعلى رأس ما ارتكبت السلطة، اغتالت السلطات (القمعية) الحكومية والميليشياوية المؤازرة عددا من الإعلاميات والإعلاميين في وضح النهار سواء بإطار حملات قمعية مارست العنف المفرط كعادة قوات بات يسميها الشعب قوات الشغب وليس مكافحة الشغب لما تمارسه من أفعال إجرامية مدانة..
13. أما بمجال الانتهاكات المرصودة في ضوء القرارات الأممية فيمكن أن نشير هنا إلى الآتي منها:
أ‌. انتهاك قرار مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحددة ذي الرقم (12-21-RES-HRC-A) المعتمد في سبتمبر 2012 بشأن حماية جميع العاملين بوسائل الإعلام ومصادرهم الصحفية.. وواضح ما اُرتُكِب كما ورد في أعلاه.
ب‌. انتهاك قرار مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحددة ذي الرقم (08-20-RES-HRC-A) المعتمد في 2013 بما يوفر الحماية (نفسها) للأشخاص سواء خارج الإنترنت أم على الإنترنت.
ت‌. انتهاك قرار الجمعية العامة للأمم المتحددة ذي الرقم (163-68-RES-A) بخصوص سلامة الصحفيين وقضية الإفلات من العقاب مسلطا الضوء على وقف ظاهرة الإفلات من العقاب وتأمين سلامة الصحفيين وهو الأمر الذي ذكر فيه القرار أن السلامة تشمل ممارس مهمة الصحافة حتى غير المسجلين رسميا بالعمل الصحفي ليمتد إلى الفاعلين الناشطين بالعمل الحقوقي المساهمين بإعلام منظمات المجتمع المدني المعنية..
ث‌. انتهاك قرار مجلس الأمن ذي الرقم 1738 في 23-12-2006 الذي يتبنى حماية الصحافيين في أثناء النزاعات المسلحة، وهو ما يمكن أنْ يُقرأ لشأن ما اُرتُكِب في الصراعات العنفية التي جرى سحبها لمنطقة العنف المسلح بوجود الميليشيات والجماعات المسلحة واشتباكها المنفلت غير السلمي مع قوى الثورة. مذكرين أن هذا القرار جاء بخلفية مقتل عشرات الصحفيين في العراق آنذاك..
لقد بات ما يتعرض له الإعلام والصحافة والعاملات والعاملين فيه أمراً متفشيا بلا رادع يقف بوجهه ما عزز كون ذلك فعلا ثابتا ((ممنهجا)) للنظام القمعي الفاشي، يريد منه تسهيل مهمة التمسك بالسلطة ومزيد نهب وتخريب في البلاد..
إنّ جملة المحاور المشار إليها تتكرر يوميا في مشهد ممارسات السلطة وجيوشها العنفية المسلحة ممثلة بالعصابات المأجورة والقتلة وسوقة الميليشيات المنفلتة التي ترتكب جرائمها محتمية بكونها فوق القانون ولا قضاء يمكنه لجمها بوجود سلطته بأيدي الفاسدين ومافياتهم فضلا عن الجيوش الألكترونية وما ترتكبه من تحريض وحض على القتل فعليا بنشر خطاب الكراهية والعنف!
إن بلاغات ارتكاب الجرائم بحق الإعلاميات والصحفيات والإعلاميين والصحفيين ومعها بيانات الإدانة والمطالبة بالتحقيق والكشف عن الجناة هي ظاهرة شبه يومية منذ انطلقت ثورة أكتوبر العراقية مطلع تشرين أول 2019..
ولم يعد متاحاً فعليا رسميا من فرصة لمطادرة الجناة الذين أفلتوا من العقاب على الرغم من أنّ القوى الشعبية رصدتهم وشخّصتهم، بل أنّ بعض الجناة تم إلقاء القبض عليهم من قوى الحراك الميداني ولكنهم ما أن تمّ تسليمهم للسلطات التنفيذية حتى جرى إطلاق سراحهم بحجج وذرائع واهية!!
إنّ ذلك يقتضي اليوم مساءلة أممية للسلطات العراقية على تلك الجرائم الجنائية المنفلتة ومحاسبتها في ضوء القرارات والقوانين الدولية المرعية..
ونحن هنا في المرصد السومري لحقوق الإنسان ومعنا عديد منظمات الحركة الحقوقية في العراق وفي المنطقة وفي المنظمات الصحفية المتخصصة نطالب بقراءة المشهد في ضوء حجم ما يرتكب بما يدخل بمهام المحاكم المتخصصة الدولية وبما يرتفع لواجبات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة تجاه الكارثة الخطيرة التي تحيق بالصحفيين في العراق في حملة إبادة برفقة جرائم ضد الإنسانية سواء ضدهم حصرا أم ضد أبناء جلدتهم من المواطنين الأبرياء...
فلنرفع الأصوات عالية للوقوف بوجه الجريمة ولتعلو اصوات حرية التعبير، حق الحماية للصحفيين والعمل الصحفي ومصادره وحق الوصول إلى المعلومة بعامة والمساواة في الوصول لبعض المعلومات بين وسائل الإعلام والصحافة..