مراد وهبة.. أفلسطين حائطكم المائل!

حاتم الجوهرى
2020 / 1 / 13

إنه باسم (.........)
تلك هي الجملة الأبرز في التاريخ البشري التي تحتها كان الكل يراهن على بيع بضاعته ويمررها من خلالها..
أحيانا تتوحد الكلمة (وذلك الذي تتحدث باسمه) مع مستودع هوية جماعة بشرية ما، فيحتضنها الناس ويدافعون عنها بتلقائية وفطرية، وأحيانا في ظل خلق التناقضات وإدارتها يخرج علينا البعض باسم شعار ما، ليمرر هواه الخاص، ربما سكت الناس عن هذا الهوى، ربما صبروا عليه، ربما توقعوا مآله وترقبوه..
الحقيقة ان مراد وهبة ذلك الفيلسوف الكبير خرج علينا شاهرا إنه باسم (.....)
قال إنه باسم (العلمانية) عليكم ان تقبلوا العدوان والاحتلال الصهيوني، لأنه في أحد تمثلاته يعبر عن المشروع الأوربي الحداثي!
وعليكم أن تطبعوا مع "إسرائيل"، وتقبلوا وتفتحوا ذراعكم للمحتل الغربي الوافد لأنه يمثل الذات الأوربية/ الأعلى/السيد، التي جاءت لتنقذ الذات العربية البائسة والفاقدة لأهليتها العبد/ التابع..
والحقيقة أن الذين يصفون د.مراد وهبة بـ"الخرف"، لا يتفحصون كثيرا مايقدمه خطابه، هو يقدم فلسفة نظرية واضحة تتمترس حول لحظة الحداثة/العلمانية الأوربية، وتعتبر التاريخ البشري بعدها انتهى، وعلي البشر ان يقيسوا كل وجودهم الراهن والمستقبلي بها..
فلقد أطلق د.مراد وهبة أستاذ الفلسفة المعروف بجامعة عين شمس المصرية عدة تصريحات بالإعلام المرئي المصري مؤخرا، ظهرت تلك التصريحات المثيرة للجدل للعلن صعودا من يوم 5 نوفمبر 2019، متخذة من برنامج"نطق فكرا" بقناة "تن" مع المذيع عمرو عبد الحميد منصة أولى لها، بالمواكبة مع مقالاته الصحفية التالية وكذلك السابقة، كما نقلت الصحف أيضا تصريحاته في البرنامج التليفزيوني في حينه، وشملت تلك التصريحات دعوة صريحة لقبول: الاستعمار الصهيوني مع وصفه بالتقدمية والعلمانية، والدعوة لتفكيك الهوية العربية والمصرية بوصفها هوية جامدة، وكذلك القول بالتطبيع الثقافي مع إسرائيل واستنكار مقاطعتها، مع تثمين فكرة الاستعمار الخارجي في العموم والغربي في الخصوص تجاه الذات العربية، وغيرها من التصريحات الصادمة للمشاهد والمتلقي العربي والمصري؛ تبعها ظهوره المتكرر في عدة قنوات إعلامية ليقدم الخطاب نفسه ويؤكد عليه.
الحقيقة هناك ما يشي بأن خطاب د.مراد وهبة ليس خطابا فرديا ساقته الصدفة، بل يبدو جزءا من "نمط سياسي" يجرى اختبار رد فعله في المجال العام من قبل البعض، لاستكشاف إمكانية اعتماده وتطبيقه وطرحه كمشروع سياسي مقترح في المشهد المصري. وهنا يجب مقارنة ملابسات ظهور تلك التصريحات بمثيلتها، التي ظهرت منذ فترة قريبة عند د.يوسف زيدان الأكاديمي المصري المعروف، وكذلك د.سعد الدين إبراهيم الأكاديمي المعروف أيضا وغيرهما.
يمكن ربط ظهور خطاب الاستلاب للآخر الغربي/ الصهيوني بتمثلاته المتعددة، في الموجة الأولى عند يوسف زيدان أو في الموجة الثانية مراد وزهبة، بظهور صفقة القرن والتدافعات الإقليمية وضغوطها على المشهد المصري والعربي، من ثم كان خطاب "الاستلاب" نمطا سياسيا تحت الاختبار لجس نبض الجماهير لقبول بنود الصفقة أو تمريرها مرحليا، خاصة فيما يخص القدس والتطبيع، باعتبار أن خطاب الاستلاب سيكون نمطا سياسيا رخيص التكلفة السياسية في وقت حرج للغاية لمصر، تتعرض فيه لضغوط من الجنوب بملف سد النهضة والغرب أيضا بملف ليبيا وتسخينه.
يمكن تعريف خطاب الاستلاب الذي يقدمه د.مراد وهبة وتيار الاستلاب عموما، على أنه حالة رفض "مستودع هوية" الذات العربية بطبقاته التاريخية المتعددة المتراكمة والدعوة للانسلاخ عنه، واعتبار الذات العربية ذاتا عاجزة فاقدة للأهلية الذاتية غير قادرة على توليد لحظة تحديث مفصلية نابعة من سياقها الخاص، من ثم يدعو هذا الخطاب لضرورة إلحاق الذات العربية بالآخر الغربي/ الصهيوني/ العلماني كوسيلة وحيدة ومطلقة ومقدسة للتغيير والعبور للمستقبل، متخذة من مصطلح الأصولية وفرق الدين السياسي تمثلا وحيدا، وتكأة تبرر حكمها المطلق بفساد الذات العربية كلية.
يمكن رصد البناء النظري الذي يستخدمه د.مراد وهبة لتبرير خطاب الاستلاب، وتقديم النقد له بالاستناد للمراجع والأنساق الغربية ذاتها التي تجاوزت مرحلة تقديس العلمانية وأسطرتها، كذلك نقد التمثل النظري الرئيس الذي يطرحه مراد وهبة للذات العربية و"التنخيب الزائف" و"خلق التناقضات" وإدارتها، ما بين خياري: الأصولية أو العلمانية، بالاستناد لوجود إرهاصات لتمثلات جديدة خرجت تحديدا مع مشروع الثورات العربية التي انطلقت في القرن الحادي والعشرين، وتسعى لتقديم خطاب جديد بنطلق من لحظته التاريخية المفصلية، ويتجاوز تناقضات اليمين واليسار العربيين.
الحقيقة أن خطاب الاستلاب للآخر والصهيونية عند مراد وهبة (وقبله يوسف زيدان وسعد الدين إبراهيم وغيرهما) وظهوره مؤخرا بالتوازي مع استحقاقات صفقة القرن وبنودها وتقلبات المنطقة عموما، قد يبدو محاولة لاختبار نمط سياسي رخيص التكلفة السياسية ظاهريا؛ لكنه في واقع الأمر سيكون عالي التكلفة للغاية نظرا لما قد يسببه من زيادة مساحة التطرف والإرهاب والخروج على المجتمع المصري، من جانب الجماعات المتطرفة بدعوى أن الدولة المصرية ترعي خطاب الاستلاب للآخر والانسلاخ عن مستودع هوية الذات العربية.
قد يقف مراد وهبة وتيار الاستلاب للآخر الغربي/ الصهيوني على خط واحد مع فرق الدين السياسي أو الأصولية، من حيث أن كليهما يرفض "آنية الذات العربية"، وقدرتها على التمفصل حول لحظتها الراهنة وإنتاج خطاب خاص بها، وأن كل منهما يسعى لممارسة نوع خاص به من الاستلاب عبر "إزاحة الذات العربية" عن لحظتها الراهنة، لكن كل منهما يمارس إزاحة خاصة به، تيار الاستلاب يدعو لإزاحة الذات العربية في الجغرافيا والمكان وسلبها نحو النموذج الغربي وإلحاقها به، وفرق الدين السياسي تمارس إزاحة في الزمان والتاريخ وترى ضرورة إزاحة الذات العربية للوراء في الزمن ، والعودة لبدايات لحظة الدعوة وشكلها السياسي المرتبط بالمطلق والوحي السماوي.
لكن يبقى الأمل في قدرة الذات العربية على التمفصل حول لحظتها التاريخية وتجاوز الصعوبات المحيطة، وإنتاج لحظة تحديث جديدة خاصة بها وبخطاب ومفاهيم جديدة، تتجاوز سياقات الماضي واستقطاباته.
يبقى الأمل في ذلك الحائط المائل الذي يظنه البعض مطية؛ حين ينتفض ويصبح هو الحائط الذي يفرد ظهر الجماعة العربية ويشد عودها..
فإلى مراد وهبة – ومعه بقية تيار الاستلاب- أقول إن كنتم تظنون فلسطين حائطكم المائل، ظنكم إلى زوال.. فمنها سينصلح الحال، وعلى حائطها الصلب سيرتد ظنكم خائبا منكس الرأس، وعاجلا أو آجلا ستتمفصل الذات العربية حول لحظتها، وتنتج خطابها للعبور للمستقبل.