الترجمة للآخر كقوة ثقافية مصرية ناعمة

حاتم الجوهرى
2020 / 1 / 11

ضمن مفهوم أسعى لتطويره حاليا يدور حول تكلفة الفرصة الثقافية البديلة، وإعادة توظيف الموارد وتوجيهها الذكي وربطه بتصور كلي لوجود الدولة المصرية ومشروها الحضاري المرتقب والكامن، في لحظة تاريخية مفصلية تتدافع فيها الأنماط والنماذج الحضارية الإقليمية والدولية، يطل مشروع الترجمة للآخر بشدة كإحدي تلك الفرص الثقافية البديلة، التي لم تأخذ فرصتها في المجال المصري العام حتى الآن.
حيث كان للهيئة المصرية العامة التابعة لوزارة الثقافة المصرية مشروعا للترجمة للآخر وتجربة واعدة، ركزت على الأدب والفكر في الأسماء الذائعة، لكن التجربة لم تكتمل واستمرت بحركة بطيئة للغاية أقرب للتوقف، وفي تقييمي للسياسة الثقافية المتبعة مع تجربة الهيئة المصرية العامة للكتاب في الترجمة للآخر، أرى أنها كانت رصينة في مشروعها واختياراتها، لكن يمكن مقاربة المشروع مجددا من زاوية أكثر اتساعا، بالإضافة وليس بالخصم.
أرى أن الترجمة للآخر يجب أن ترتبط بمشروع الدولة الحضاري والوجودي في الأساس، وكذلك في تطبيقاتهما السياسية والدبلوماسية، والملفات ذات الصلة. بمعنى أن الترجمة للآخر يجب ان تقدم مخرجات متنوعة ومتعددة تضمها سلة أعمالها، كما أن المشروع عليه أن يتجاوز نطاق الترجمة فقط إلى مرحلة إنتاج الخطاب ذاته، في الملفات النوعية ذات الصلة ثم القيام بترجمته.
لأن الاشتغال بالراهن يتطلب الوعي بنظريات التلقي ومحددات تشكيل ذلك التلقي عند الآخر المتعدد، فربما كُتِبت وقدمت بعض الخطابات المعبرة في موضوع ما، لكن جمهورها المستهدف (Target Audience) كان معظمه جمهور "الذات" لا جمهور "الآخر"، او كان يُكتب للداخل ويوجه له وفق معايير تلقيه، لكن عند ترجمة هذا الخطاب للآخر ولأنه لا يستهدف في الأساس وعي ذلك الآخر ومحددات تلقيه، فإن ذلك الخطاب قد لا يجد القبول العام وإنما قد يحقق بعض القبول عند مستويات معينة من جمهور الآخر النوعي.
من هنا ستكون واحدة من المحطات الرئيسة لمشروع الترجمة للآخر كقوة ثقافية ناعمة لمصر، الذي هو مناط إعادة التوظيف وإعادة خلق الفرصة الثقافية البديلة وتوزيع الموارد المخصصة، من جهة الوقوف على محددات تشكيل الصورة النمطية لمستويات "مستودع الهوية" المصري بطبقاته المتراكمة عند الآخر المتعدد، التي تمتد لما هو عربي/ شرقي/ إسلامي/ مسيحي شرقي/ حضاري مصري قديم (فرعوني)/ عالم ثالث/ دول نامية. كذلك تحديد العامل الأكثر تأثيرا على الصورة النمطية المصرية بطبقاتها عند كل آخر.
بصياغة أخرى سينطلق مشروع الترجمة للآخر من مجال ونطاق دراسات التدافع الحضاري، التي تعني بفهم الذات والآخر في آن واحد، وترى أن الوجود والعمل في المجال الإنساني هو دائما فعل مزدوج، يقوم على فهم مسارات العلاقة مع الآخر واستشراف احتمالاتها، لأن الوجود البشري هو ظاهرة من متعدد وليس ظاهرة من كل واحد.
مثلا محدات الصورة النمطية لمصر في الغرب ستختلف عنها في الشرق، وفي الغرب ستختلف بعض الشيء دولة عن أخرى، في المُحَدِد الأمريكي يتصورون المسألة بحسابات واقعية ويديرون المساحات المشتركة بسيناريهوات المصلحة والسيطرة، في المحدد الفرنسي ينظرون للأمر برومانسية بعض الشيء ويعتبرون مصر اكتشافا فرنسيا ظهر مع الحملة الفرنسية، في المحدد الإنجليزي غالبا تجد سمات الثعلب العجوز الذي مازال ينظر بمكر لمستعمراته القديمة، ذلك رغم أنه عند مستوى ما تتراصف وتصطف متحدة تلك المحددات خلف قرار سياسي ما.
كذلك الصورة النمطية لمصر في الشرق ومحددات تلقيها التي ستخبرك بمساحات المشترك واحتمالاته، فمثلا المُحدد التركي بطبقاته المتراكمة والمتجاورة والمتناحرة أيضا عن تركيا العلمانية وتركيا العثمانية سيكون حاضرا هنا، ومحددات تلقي الصورة النمطية لمصر في إيران، وروسيا، والصين، ودول الخليج، واليابان، والدول الأفريقية، وأمريكا اللاتينية، ....
سيرتبط تطوير خطاب الترجمة للآخر بدراسات الصورة النمطية ومحددتها بالنسبة لمصر في دول العالم، وسيرتبط ذلك بالمشروع الحضاري العام لمصر واستعادة ذاتها ومكانتها في العالم الحديث، وأيضا بالملفات ذات الصلة النشطة في الأجندة المصرية الخارجية المتجددة كل فترة، سيكون مشروع الترجمة للآخر ماكينة متكاملة لتحديد مصفوفات الأهداف الحضارية الخاصة به، بوصفه أحد وسائل القوة الناعمة الجديدة لمصر في القرن الحادي والعشرين، والمرتبطة بتاريخها واستعادة ذاتها وفق مستودع هويتها وطبقاته المتراكمة.
بمعني أن مشروع الترجمة للآخر يجب أن يكون بمفهوم أقرب لمركز أبحاث ودراسات وترجمة متكامل ومدمج ثقافيا ومعرفيا (Think Tank)، يقف على عموم محددات الآخر الوجودية ويقف أيضا على محددات الذات الوجودية، فعليه أن يقف على معايير ومحددات بناء صورة الذات عند المصريين، واستشراف مسارات البطولة والتفوق المتخيلة والموروثة لديهم، ليتمكن العاملون عليه وفي لحظة معينة وفي بعض الخطابت التي سيقدمها، من الربط بين محددات استعادة الذات وصورتها النمطية عند المصريين، وبين محددات تغيير الصورة النمطية للمصريين في الخارج ومفاصلها العامة، ليستطيع مشروع الترجمة للآخر إنتاج الخطاب العام للتعبير عن الطموح المصري، ومشروعه الوجودي في العالم، في مرحلة متقدمة وتالية على انطلاقه.
سيقف المشروع على النطاقات والدراسات العلمية التي تتفق مع دوره الحضاري، ويتجاوز نطاقات التخصص الضيق في إنتاج وفرز العناصر البشرية التي ستعمل عليه، فسيعمل أفراده بمفاهيم وآليات الدراسات الاستشرافية والمستقبلية والثقافية وبناء السيناريوهات، واستكشاف "الأنماط" التاريخية، والوقوف على الدراسات البينية والحضارية، لأن المشتغل بمشروع الترجمة للآخر سيكون المطلوب منه حزمة مهارات نوعية متجاورة.
سيكون المورد البشري المنوط به العمل في مشروع الترجمة للاخر مثقفا ثقافة عامة وأكاديمية صاحب مهارات في التعبير والتحرير والترجمة، على صلة بالدراسات الشعبية بوصفها أحد مكونات الصورة النمطية، وبعلم النفس والاجتماع ودورهما في تلقي الخطاب وبالتالي إنتاجه، وبنظريات الترجمة والحلول المتاحة في كل سياق، بالتاريخ الحضاري وديانات العالم بوصفهما من محددات بناء الصورة النمطية، ومناهج العلم المتعددة ليملك القدرة على الانتقال فيما بينها عند إنتاج الخطاب قبل ترجمته، وسبل الحجاج والمنطق والفلسفة ليقدم خطابه في شكل مقبول للعقل والمنطق والحجة.
أعتقد ان هناك فرصة ثقافية بديلة مهمة للغاية في مشروع الترجمة للآخر، بوصف الترجمة للآخر هنا قوة ناعمة جديدة ستضيف للمشروع الوجودي المصري، وتعمل كإحدى روافعه للعبور للمستقبل، والتأكيد على استعادة الذات المصرية وقيمها الأساسية المشتركة التي يتفق عليها الجميع كإطار للعمل.
من هنا أرى الفرصة الثقافية البديلة والكامنة في مشروع الترجمة للآخر، و"المركز العلمي للترجمة" الذي كُلفت بالإشراف على تفعيله بالهيئة المصرية العامة للكتاب، ووضع الخطط لذلك منذ فترة طويلة للغاية ناهزت الخمسة أعوام، وأعتقد أنه حان الوقت لوضع تلك الخطط والتصورات موضع التنفيذ. لخدمة مشروع مصر الحضاري والتنموي ومستقبلها العام، على كافة الأصعدة والدوائر الخارجية التي تشتبك مصر معها الآن، في مجال الخطاب الموجه للمسار الصيني والأفريقي والآسيوي والعربي والأورومتوسطي، وكذلك للمسار الأمريكي والروسي والتركي والإيراني، وتطوير الوجود المصري وخطابه في مجموعة المؤسسات الدولية ذات الصلة، التي تبدأ من الأمم المتحدة واليونسكو والاتحاد الأوربي والاتحاد الأفريقي، وكل ما يهم مجال مصر الحيوي في السياسة الخارجية.