-إقتصاد- الخدمات !!

فؤاد النمري
2020 / 1 / 9

الملجأ الأخير للمفلسين من الشيوعيين هو الإدعاء بأن اقتصاد الخدمات، إذا جاز التعبير، هو اقتصاد رأسمالي إمبريالي . عبثاً ندلل على خطأ هذه الفكرة الفجة التي لا تتناسب مع المفاهيم الأولية للماركسية حيث اعتراف المفلسين بالخطأ من شأنه أن يكشف إفلاسهم الفاضح وكان قد تجلّى إفلاسهم في خمسينيات القرن الماضي وليس فقط في التسعينيات متمثلاً بانهيار الإتحاد السوفياتي .
ما كانت الماركسية لتكون عقيدة مئات الملايين من الناس وفي مقدمتهم أبرز العلماء لولا أن كارل ماركس من خلال دراسته للفلسفة إكتشف القانون العام للحركة في الطبيعة وسماه "المادية الديالكتيكية" وهو أهم اكتشاف في تاريخ البشرية حيث من خلاله فقط يمكن البحث عن جوهر جميع أشياء الطبيعة ومنها المجتمعات البشرية بشتى أشكالها ونظم الإنتاج المعتمدة فيها . ولذلك قال ماركس .. " لم يفعل الفلاسفة شيئًا سوى تفسير العالم بطرائق شتى، لكن الأهم هو تغييره " . وهكذا أهال ماركس التراب على كل الفلسفات السابقة لفلسفته وطفق يبحث عن تغير العالم في كل لحظة بفعل الديالكتيك المادي حتى قيل أن الشيء ليس هو نفسه في نفس اللحظة .

متسلحاً بقانون المادية الديالكتيكية غاص ماركس في نقد النظام الرأسمالي وكان قد ارتفعت شمس الرأسمالية عالية في سماء أوروبا الغربية قبل تفتح الوعي لدى ماركس . لقد قضى ماركس عمره كاملاً يشرّح النظام الرأسمالي ويدقق بعدسته المكروسكوبية في أدق التفاصيل والخلايا فيه . وعليه غدا كتاب رأس المال (Das Capital) لماركس المرجع الأخير في علم الإقتصاد حيث بعد أكثر من 150 سنة على صدوره تراكض الناس إلى شرائه والرجوع إليه لتفسير الأزمة النقدية في خريف العام 2008 – دون ان يكون لها أدنى علاقة بالرأسمالية – ولدرجة أن آخر ثلاث بابوات في روما، بولس يوحنا وبندكتوس والحالي فرنسيس وصفوا النظام الرأسمالي بالوحشي، بل إن البابا بندكتوس صرح يقول ليس من هومثل ماركس شرّح النظام الرأسمالي .

إستوجبتنا هذه التوطئة كي نؤكد أن التفصيل فيما يدعى باقتصاد الخدمات يتأسس أيضاً على نفس المبادئ التي أرساها ماركس في الإنتاج كوسيلة وحيدة لحياة الإنسان، ومع ذلك لم يولِ ماركس نفسه أي اهتمام لإنتاج الخدمات إذ لم يأخذ في حسبانه أن عيوباً طارئة في طبقة البروليتاريا حالت دون نجاحها في استكمال عبور مرحلة الإشتراكية القصيرة حيث واتت الفرصة لأن يتحول الإنتاج الرأسمالي إلى إنتاج الخدمات بدفع من البورجوازية الوضيعة . وعليه يشكل إنتاج الخدمات اليوم العقبة الكبري على طريق التطور الإجتماعي ؛ ولا تخامرنا أدنى الشكوك في أن إنتاج الخدمات السائد اليوم في جميع المجمعات الرأسمالية سابقاً إنما هو فوضى الهروب من الإستحقاق الإشتراكي الذي فرضته ثورة أكتوبر الإشتراكية . لهذا السبب تحديداً نكتب اليوم عن "إقتصاد الخدمات" كاقتصاد عابر يحمل بذرة انهياره السريع في تخلّقِه .

نقول "إقتصاد" الخدمات من باب المجاز فقط فالخدمات هي أوهى من أن تشكل إقتصاداً . الحقيقة الصادمة للذين يقولون باقتصاد الخدمات واعتباره البديل الناجز والمكافئ للإقتصاد الرأسمالي هي أن العامل في إنتاج مختلف الخدمات يبذل جهده اليومي في إنتاج الخدمة دون أن ينتج بديلا لاستعادة جهده من جديد وهو ما يعني أن الخدمات غير المتعلقة مباشرة بالإنتاج لا قيمة تبادلية لها (Exchange Value) بالعكس تماماً من العامل في الإنتاج الرأسمالي .
أهم ما اكتشفه ماركس في نقده للنظام الرأسمالي، وتفاخر باكتشافه دون غيره، هو فائض القيمة وهو أن العامل في الإنتاج الرأسمالي ينتج ما يزيد عن قيمة عمله . فمثلاً ينتج العامل خلال عمل 8 ساعات ما قيمته 20 دولاراً لكنه يستعيد قوى العمل التي فقدها من خلال إنفاق 15 دولاراً وهو القيمة التبادلية لقوى العمل التي فقدها فيتوفر هناك خمس دولارات وهي فائض القيمة الذي يشكل أرباح الرأسمالي بعد تسديد كلف الخدمات المرافقة .
يتحقق النظام الرأسمالي بشراء قوى العمل من السوق بقيمتها التبادلية، ومن خلال أدوات الإنتاج تستهلك قوى العمل في جسم العامل بتشكيل جسم مادي ذي قيمة استعمالية وقابل للمبادلة في السوق .بهذه الطريقة فقط يستل الرأسمالي قوى العمل من جسم العامل ليوقعها على السلعة لتغدو ملكه يبيعها في السوق .
الحال في إنتاج الخدمات لا يمكّن صاحب العمل من امتلاك قوى العمل التي بذلها العامل حيث تكون قوى العمل قد استهلكت تماماً غير مستردة حال اكتمال إنتاج الخدمة ؛ وعليه لا يمكن اعتبار الخدمة شكلاً من أشكال القيمة (a Value-Form) القابلة للمبادلة بحال من لأحوال . شكل القيمة كما حدده ماركس ..
It refers to the social form of a tradeable thing as a symbol of value, which contrasts with its physical features
وهو يشير إلى شيء يستعمله المجتمع قابل للمبادلة حيث يرمز للقيمة بالنظر إلى تقاطيعه الفيزيائية
المادية .
الخدمة لا تحتفظ بأي خصيصة من هذه الخصائص البضاعية .. ليست مادية ولا شكل لها وغير قابلة للمبادلة وهي الخصيصة الأهم التي تحول دون الإتجار بها أي أن صاحب العمل لا يستطيع أن يمتلكها منفصلة عن العامل منتجها وبالتالي لا يستطيع المتاجرة بها كما يتاجر الرأسمالي ببضائعه .
لأن الخدمات التي ليست على علاقة مباشرة في الإنتاج وتتغذى بالتالي من الإنتاج نفسه لم يولها كارل ماركس أدنى اهتمام . كتب أربعة مجلدات كبرى في تشريح النظام الرأسمالي دون أن يأتي على ذكر الخدمات بكلمة والسبب كما يبدو جليّاً هو أن الخدمات ليست إنتاجاً رأسمالياً وإلا كانت محل اهتمام ماركس . وبناءً على هذه الحقيقة الثابتة التي لا تدانيها أية شكوك فإن أدعياء الشيوعية والماركسية الذين ما فتئوا يتجندون للنضال ضد الإمبريالية كالأحزاب "الشيوعية" التي اجتمعت قبل شهرين - أربعة وخمسين حزباً - ليسوا إلا سفهاءً أوغاداً لا علاقة لهم بالنهج الماركسي اللينيني وهم يعلمون تمام العلم أن الإقتصاد الأميركي، وأميركا كانت الحصن الأخير للرأسمالية، يقوم على إنتاج الخدمات بنسبة تزيد على 80% وهو ما يؤكد أن أميركا لم تعد دولة رأسمالية، فكيف بها تكون إمبريالية !؟ بل يجدر التأكيد هنا على أن الولايات المتحدة لم تكن يوما إمبريالية . الأزمة الخانقة التي خنقت النظام لرأسمالي في أميركا العام 29 أكدت أن النظام الرأسمالي آنذاك لم يكن قد تمدد خارج الحدود أي أن الرأسمالية في أميركا لم تكن قد تطورت إلى مرحلة الإمبريالية . لم ينقذ الرأسمالية الأميركية من الإنهيار التام آنذاك سوى الرئيس روزفلت الذي أنتخب في العام 33 مع برنامجه(New Deal) الذي قضى بتوظيف أموال طائلة على البنى التحتية – أي إنفاق أجور دون إنتاج بضائع . إستمر إحياء النظام الرأسمالي طيلة الثلاثينيات وفي العام 41 دخلت الولايات الحرب ضد اليابان وحليفاً لبريطانيا والإتحاد السوفييتي وحاربت الولايات المتحدة على جبهتين ضد الفاشية في أوروبا وضد الإمبريالية العسكرية في اليابان . رحل روزفلت قبل نهاية الحرب في ابريل نيسان 45 وعقبه نائبه هاري ترومان . مثّل ترومان الرأسماليين أغنياء الحرب وقد تأكدوا من أن نهاية الحرب فتحت الطريق واسعة لانتقال العالم إلى الإشتراكية . الرعب من الشيوعية الذي دهم ترومان وعصابته من الرأسماليين أغنياء الحرب أفقدهم الصواب فتبنوا سياسة عامة تنحصر في محاربة الشيوعية . بدأ ترومان باقتراف أعظم جريمة حرب في التاريخ وهي إلقاء قنبلة ذرية على هيروشيما وأخرى على ناغازاكي دون دواعٍ حربية . كان الهدف إرعاب الشيوعيين وتأكيد تصميم أميركا على منع انتقال العالم إلى الإشتراكية . الأموال الطائلة التي أنفقتها أميركا على محاربة الشيوعية والحروب المجنونة التي خاضتها ضد الشيوعية خلال الخمسينيات والستينيات لم تحل فقط دون انتقال الرأسمالية الأميركية إلى مرحلة الإمبريالية بل انتهت إلى انهيار الرأسمالية نفسها في أميركا . لذلك من السفه بمكان الحديث مذ سبعينيات القرن الماضي عن أية إمبريالية .
لم يتعرض كارل ماركس في مجلداته الأربعة لكتاب "رأس المال" عن الخدمات وأعمال إنتاجها وذلك بالطبع لأن الخدمات ليست منتوجاً رأسمالياً وهو ما لا يقبل به الشيوعيون المفلسون اليوم كالذين اجتمعوا قبل شهرين في أزمير . لكننا لا نعدم إشارة من ماركس إلى أن الخدمات ليست ذات قيمة تبادلية وبذلك فهي لا ترد أي جزء من كلفة إنتاجها .
في "نقد برنامج غوتا" ينتقد ماركس برنامج الإشتراكي لاسال (Lassalle) الذي طالب بتوزيع عوائدالإنتاج كاملة على المواطنين بالتساوي . ماركس رفض مثل هذه الفكرة لوجوب الإبقاء على مبالغ كافبة للإنفاق على الخدمات الإدارية وعلى التعليم والصحة الأمر الذي يعني أن هذه الخدمات ومثيلتها من الخدمات الأخرى لا تنتج شيئاً من كلفة إنتاجها . فأي أحمق هو ذلك الرأسمالي الذي سيتاجر بالخدمات !!؟
ليس بين الرأسماليين حمقى مثل أولئك الحمقى من ادعياء الشيوعية الذين اجتمعوا في أزمير ليكرسوا نضالهم ضد الإمبريالية ولات إمبرالية .