دروس الملف السوداني لمصر في ليبيا

حاتم الجوهرى
2020 / 1 / 8

تدار السياسة الخارجية للدول وفق رؤية معرفية/ ثقافية/ حضارية في الأساس، قبل أي تطبيق سياسي أو استراتيجي لهذه السياسة الخارجية على واقع الأرض أو في الملفات النشطة للدول، وأي خطأ في ملف ما لا يكون خطأ سياسي أو استراتيجي قبل أن يمر أولا على غفوة أوأزمة في الرؤية الثقافية/ المعرفية للدولة. بمعنى أن تصورها الثقافي/ الحضاري لوجودها، أخطأ في توقع محددات وجوده وأنماط تدافعها مع الآخر الإقليمي والدولي، لذا فالأمن الثقافي/ الحضاري/ الناعم ليلد ما، إذا لم يكن واعيا وحاضرا بأنماط التدافع المحيطة به ويملك القدرة على استشرافها وفق مساراتها التاريخية، سوف يتعرض لصدمات وازمات لا نهاية لها. لذا فلا تحدث هزيمة صلبة/ واقعية/ مادية للأمن القومي الخاص ببلد ما، إلا إذا وقعت على المستوى الناعم/ الحضاري الثقافي أولا، أي ان الأزمة تحدث على مستوى القوة الناعمة ووعي الدول الحضاري بذاتها، قبل أن تقع على مستوى القوة الخشنة في ملفاتها الواقعية.
من هنا يجب التحذير الشديد من غواية شبكة العلاقات الإقليمية والدولية لمصر كي تتورط في الملف الليبي، فجميعا نذكر غواية أمريكا لصدام في الحرب مع الكويت كمبرر لاحتلال العراق وإخراجه من معادلة القوة العربية، كما أن الدفقات النقدية الوافدة من بعض دول الفوائض البترولية الغرض الوحيد منها هو إيقاف نمط ومطالب الثورات العربية، من الوصول إليهم وتحول ذلك النمط إلى "نمط سائد" يجبرهم على التكيف معه وقبوله، لذا فالمستويين الإقليمي والدولي المحيطين بمصر لهما مسارات خاصة بهما، ومن الأفضل التمهل كثيرا لفهم مسارات وتقاطعات المسارين وعلاقتهما ببناء السياسة الخارجية لمصر، تحديدا في ملف علاقات البحر الأبيض المتوسط وإدارتها (بما فيها الغاز وإسرائيل وتركيا واليونان وقبرص)، وفي الملف الليبي صاحب الصلة بها، خاصة بعد اتفاق الغاز واستبعاد مصر منه (بين إسرائيل واليونان وقبرص)، وبعد تسخين الملف الليبي ودعوات الصدام العسكري مع التكتل الذي سيدعم التمثلات السياسية للغرب الليبي ببعدها القبلي والاجتماعي والاقتصادي بحضور تركيا (حكومة السراج)، في حين تدعم مصر تمثلات الشرق الليبي بالأبعاد السابقة ذاتها (قوات حفتر).
لابد ألا يكون قد سقط من الذاكرة بعد دروس الملف السوداني للقائمين على إدارة ملفات مصر الخارجية، حيث تسببوا بعدم إدراكهم لبنية الواقع السوداني ومساره المستقبلي بدعم ممثلي دولة ما بعد الاستقلال هناك بقلبها العسكري، في أن خسرت مصر دعم القوى السياسية المحسوبة على الثورة في ملف سد النهضة، ناهيك عن أن الوضع السياسي في السودان مرشح للتفكك والتفسخ بشدة مع مرور بعض الوقت، ولا يظن البعض أن زيادة نفوذ القلب العسكري في المشهد السوداني سيصب في صالح مصر، بل سيزيد الأمر تعقيدا للغاية خاصة على مستوى الاتحاد الإقريقي الذي تحول لمؤسسة قوية واعية سياسيا للغاية دون ان يلتفت لها المصريون كثيرا، وما اكتسبه الأفارقة من مهارات سياسية ونضالية تجاوزت مرحلة الاستقلال من التحرر الأجنبي، وتسعى لتطوير نمط سياسي خاص بطبيعة القارة، وإعادة ترميم ما تركه الاحتلال فيها من ملفات قابلة للتفجر والتفكك.
في الملف الليبي إذا تم تسخينه كما ينادي البعض يمكن لأمريكا أن تضع مصر بين شقي الرحي تماما، تتركها لتتورط في المواجهات العسكرية المفتوحة وتوحي لها بوجود ضوء أخضر مباشر أو غير مباشر، وعند حضور تركيا للمواجهة كذلك، فإن السيناريو العراقي -مع الفارق- سيكون مرشحا بشدة، أمريكا ستبدأ بدعوات التهدئة واحترام سيادة الدول، وستنتهي بفرض حظر جوي يكون قد قطع ذراع مصر الأيمن تماما، لتكون ليبيا كدولة قد خرجت من المعادلة العربية إلى أن يشاء الله، وخسرت مصر جبهة جديدة بسبب عدم الوعي بأنماط ومحددات التدافع الإقليمي والدولي المحيطة بها، ومساراتها التاريخية ومحدداتها الحضارية.
الخطاب السياسي الذي يشمل طريق السلامة لمصر يجب أن يعي دروس الملف الليبي القاسية لمن أداروه بكل اندفاع وعدم تبين لمحدداته التاريخية والراهنة، ففشلوا في توقع مساراه وزايدوا في الميل لوجهة النظر الخليحية ودعم القلب العسكري لدولة ما بعد الاستقلال هناك، حتى ارتدت الكرة في وجه مصر بشدة.
الخطاب السياسي المتعلق بليبيا يجب أن ينص على عدة أساسيات منها؛ وقوف مصر/ الدولة على مسافة واحدة من كافة مكونات المشهد الليبي، وعملها على دعم محفزات الوحدة ولحمة الصف الليبي، ودعم طموح الشعب الليبي في التغيير السياسي وفق اختياراته التي يتفق عليها، اعتماد المسار السلمي الديمقراطي الانتخابي وسيلة لاختبار البدائل السياسية هناك وإزاحتها أو الإبقاء عليها، التقليل من مظاهر الوجود المسلح وتأمين حياة المواطن الليبي بعيدا عن التدافعات العسكرية أو السياسية للفرقاء هناك، استعادة مقومات الدولة الليبية ومؤسساتها البيروقراطية وفق ميثاق شرف برعاية عربية/ أفريقية/ أممية بالفصل بين البنية المؤسساتية المنضبطة وفق المفاهيم الدولية المتعارف عليها، وبين التدافع السياسي واستخدام القوة المسلحة لحسمه، وضع جدول زمني بمسار سياسي واضح يحترم البنية التاريخية للشعب الليبي ما بين الشرق والغرب ولا يزيد التناقضات بينهما، ويكون الصندوق هو موضع التدافع، عبره يتم اختيار البدائل واختبارها وإزاحتها بالسبل السلمية، وصولا لطموح الشعب الليبي في التغيير والمستقبل الأفضل.
حقيقة إدارة ملفات مصر الخارجية تشي بوجود نقص في الوعي الناعم/ الثقافي/ الحضاري بالمسارات المحتملة لبعضها، بما يجعل فرق العمل التكتيكية على الأرض تتحرك سياسيا دون توجيه ثقافي مرشد، سياسة مصر الخارجية في هذه الفترة في حاجة لفرق عمل تتسم بالفعالية الثقافية والقدرة على توليد حلول سريعة وفق فهمها لـ"مستودع هوية" مصر وعلاقتها بكافة "مستودعات الهوية" ومحدداتها الإقليمية والدولية، وأنماط التدافع التاريخية خاصة فى سوابق أمريكا وإسرائيل، وفهم ما يحدث في تركيا ثقافيا من خلال مستودع هويتها الخاص وأثره على سلوكها السياسي.
المنطقة في حالة تفاعل هوياتي/ حضاري/ ثقافي/ ناعم ضخم؛ وعدم فهم الدوافع والمحددات الناعمة لهذا التفاعل ستؤدي لمزيد من الخسارة على المستوى الصلب/ الخشن/ الواقعي، في ملفات مرشحة مثل ليبيا، اليمن، صفقة القرن، سد النهضة، البحر الأحمر، البحر المتوسط، الاتحاد الأفريقي، وغيرهم.
وأختم بمقولتي: "لا تحدث هزيمة صلبة/ عسكرية/ للأمن القومي لجماعة بشرية ما، إلا إذا وقعت غفلة لبعدها الناعم/ الثقافي وأخطأ في استشراف وقياس أنماط التدافع الحضاري المحيطة به."