إدارة النزاعات المسلحة غير الدولية لما بعد الحرب الباردة بين المقاربة السياسية والقانونية

عزيز باكوش
2020 / 1 / 6

يندرج موضوع الأطروحة التي تقدم بها الطالب الباحث خالد الوردي لنيل شهادة الدكتوراه تحت إشراف الأستاذة الدكتورة زهرة الهياض أستاذة التعليم العالي بكلية الحقوق بالرباط برسم السنة الجامعية : 2018 – 2019 بعنوان "إدارة النزاعات المسلحة غير الدولية لما بعد الحرب الباردة" ضمن حقل دراسة القانون الدولي العام والعلاقات الدولية المعاصرة الذي يعتبر بدوره فرعا من فروع الدراسات السياسية والقانونية. ولذلك تتجاذب تحليل هذا الموضوع مقاربتان متمايزتان ولكنهما متكاملتان: المقاربة السياسية والمقاربة القانونية. فالطابع السياسي سمة لصيقة بأي موضوع يندرج في إطار العلاقات الدولية، كما أن هذه العلاقات مؤطرة، أو من المفترض أنها مؤطرة، بالقانون الدولي بشقيه: التشريعي والمؤسساتي
وعلى مر التاريخ، خلفت الحروب مآسي إنسانية يعجز عنها الوصف، ناهيك عن الدمار العمراني والبيئي. ويقول المؤرخون بأن السنوات التي عاشت فيها الإنسانية في سلام تكاد لا تذكر إذا ما قورنت بعدد السنوات التي عانت فيها البشرية من ويلات الحروب. لذلك كانت هناك محاولات عديدة، على الأقل في التاريخ المعاصر، تروم نبذ الحروب، وتشجع أطراف المجتمع الدولي على انتهاج الطرق السلمية لحل الخلافات وإدارة الصراعات. وتوجت هذه المحاولات بميلاد منظمة الأمم المتحدة التي نص ميثاقها على تحريم اللجوء إلى القوة المسلحة في العلاقات الدولية، إلا في حالتين استثنائيتين، هما: حالة الدفاع المشروع، الفردي أو الجماعي، ضد العدوان، وحالة اللجوء إلى القوة المسلحة في إطار نظام الأمن الجماعي.

ويعرف الباحث النزاعات المسلحة الداخلية بأنها مواجهات مسلحة تقع داخل إقليم دولة واحدة، ولا تنخرط فيها القوات المسلحة لأي دولة أخرى أو تحالف دولي أو منظمة دولية ضد القوات المسلحة التابعة للحكومة المركزية الشرعية . وسوف يستخدم الباحث عبارة "النزاعات الداخلية" في هذه الدراسة للدلالة على الحرب الأهلية، أو النزاعات المسلحة الداخلية، أو ذات الطابع غير الدولي، أو الداخلية المدولة، وغيرها من المفاهيم المشابهة.
ويقسم الباحث قانون النزاعات المسلحة إلى قسمين، قانون اللجوء إلى القوة المسلحة أو ما يعرف بقانون الميثاق في إشارة إلى ميثاق منظمة الأمم المتحدة، والقانون الدولي الإنساني. وإذا كان قانون الميثاق لم يحل دون اندلاع، بل وتفاقم النزاعات المسلحة بعد نهاية الحرب الباردة خاصة الداخلية منها، فالقانون الدولي الإنساني يحاول الحد أو التقليل من المعاناة الإنسانية الناجمة عن تلك النزاعات، فأحكامه تخاطب أطراف النزاع على قدم المساواة دون الدخول في متاهة مشروعية الحرب أو مسؤولية الأطراف عن اندلاعها، ودون التأثير كذلك على الوضع القانوني لأطرافها. رغم ذلك، يشير الواقع إلى أن الوضع الإنساني المرتبط بالنزاعات المسلحة الداخلية وأشكال العنف الأخرى ناهيك عن الكوارث الطبيعية أو تلك التي من صنع البشر يزداد تعقيدا، كما أن مبادئ القانون الدولي الإنساني المتمثلة في الإنسانية والتمييز والتناسب والضرورة، وقيم العمل الإنساني المتمثلة في الإنسانية وعدم التحيز والحياد والاستقلال والخدمة التطوعية والوحدة والعالمية، قد أصبحت على المحك.

ويورد الباحث حوالي 130 مليون شخص في عالم اليوم في حاجة إلى المساعدات الإنسانية بينهم حوالي 60 مليون من المهجرين لاجئين ونازحين، وهو أعلى رقم يسجل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ويتفاقم هذا الوضع الإنساني في ظل إطالة أمد النزاعات المسلحة الداخلية وتمددها محليا وإلى دول الجوار، وفي ظل ميل الأطراف المتحاربة، بشكل عام، إلى تقييد العمل الإنساني إن لم نقل إنكار القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، مما يطرح مجددا معضلة احترام وانطباق وتطبيق القانون الدولي الإنساني في حدوده الدنيا في أوضاع النزاع المسلح الداخلي

ويعرض لخمسين نزاعا مسلحا نشطا خلال سنة 2016 ، وهو العدد نفسه تقريبا الذي سجل في بدايات تسعينيات القرن العشرين، ومعظم هذه النزاعات يدور داخل الدول بين جماعات مسلحة منظمة أو بينها وبين القوات المسلحة للحكومات الشرعية. وقد برز مؤخرا منحى واضح نحو تدويل النزاعات الداخلية عبر مشاركة قوات مسلحة تابعة لدول أخرى ولمنظمات دولية في الأعمال العدائية إلى جانب أحد الأطراف المتحاربة.
ويعتبر التدخل الدولي الإنساني أحد أكثر المفاهيم إثارة للجدل منذ نهاية الحرب الباردة إلى اليوم. يعزي ذلك الجدل القائم اليوم إلى ما خلفته النزاعات المسلحة الداخلية التي استفحلت عددا وحدة منذ بداية عقد التسعينيات من القرن العشرين من مآسي إنسانية معتبرا التطهير العرقي الذي حدث في يوغوسلافيا السابقة، والإبادة الجماعية التي وقعت في رواندا، الأكثر فظاعة ، ثم تداعيات هذه النزاعات التي تمثلت أساسا في التدخلات الدولية لأسباب إنسانية رآها البعض مجرد ذرائع للتدخل في الشؤون الداخلية للدول المستهدفة لتحقيق المصالح السياسية والاقتصادية والاستراتيجية والجيوسياسية للأطراف المتدخلة.

من جهة ثانية يخلص الباحث إلى أن خيار اللجوء إلى القوة العسكرية، سواء من طرف بعض الدول التي أوكلت إلى نفسها مهمة الحفاظ على الأمن والاستقرار الدولي والحيلولة دون تفاقم المآسي الإنسانية الناتجة عن تلك النزاعات، أو من طرف بعض المنظمات الدولية التي وجدت نفسها، فجأة، متحررة من قيود الحرب الباردة التي شلت حركتها لعقود هي نتيجة طفت على سطح العلاقات الدولية لعالم ما بعد الحرب الباردة حيث استفحلت النزاعات المسلحة الداخلية. ويؤكد الباحث أن أغلب الدول لا تتسرع في الاعتراف بحالة النزاع المسلح غير الدولي، بل تراهن كثيرا على خيار المواجهة العسكرية لأجل دحر المتمردين بسرعة لئلا تتطور المواجهات المسلحة بين الحكومة الشرعية وجماعات مسلحة منظمة متمردة على سلطة الحكومة هدفها الاستيلاء على مقاليد الحكم. مما ينتج عنه تتزايد المعاناة الإنسانية التي من شأنها إثارة اهتمام الفاعلين الدوليين. لكن الأمور لا تسير دائما وفق هذا التصور، خاصة بالنسبة للدول الضعيفة التي تكون مكشوفة في وجه التدخلات الخارجية، فإذا حصل التدخل الخارجي وكان لصالح الحكومة الشرعية، فإن المتمردين يحرمون من حق تقرير المصير الذي يكفله القانون الدولي، أما إذا وقع التدخل لصالح المتمردين، فإن الحكومة تحرم من حقها الطبيعي في الدفاع عن سيادتها ووحدتها الترابية وقمع الحركات التمردية، وإعمال حقها في الدفاع عن كل ما يدخل في إطار اختصاصها الداخلي. وإذا كان التدخل العسكري لاعتبارات إنسانية يطرح جدلية الحرية أم السلام، فإن النظر في مدى مشروعيته له أكثر من وجهة، ولذلك يمكن تبريره بسهولة كما يمكن بالسهولة ذاتها، إدانته. وإذا كان المبدأ السائد في القانون الدولي والعلاقات الدولية هو عدم التدخل، فإن نهاية الحرب الباردة وتفاقم النزاعات المسلحة غير الدولية قد وضعا هذا المبدأ على المحك، حتى إن مفهوم التدخل قد أصبح يبحث لنفسه عن موطئ قدم في القانون الدولي، كما أن الممارسة الدولية قد درجت على شرعنة التدخل الدولي الإنساني لتظل عملية إدارة هذه النزاعات معقدة للغاية بسبب تدخل العديد من العوامل الضاغطة مثل صراع الهويات وظاهرة الدول الفاشلة والمنهارة والمفككة وبروز الفاعلين العنيفين من غير الدول والاتجاه المتنامي نحو خصخصة الحروب.

ويسجل نوعا من التواتر في الممارسة الدولية ،نظرا لتزايد عدد وحدة النزاعات المسلحة الداخلية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، ، بغض النظر عن النصوص الصريحة في القانون الدولي، في اتجاه شرعنة اللجوء إلى القوة المسلحة في إدارة هذه النزاعات عبر آلية التدخل في إطار تفسير واسع للعوامل المهددة للسلم والأمن الدولي، وعلى رأسها الانتهاكات الممنهجة والجسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان وللقانون الدولي الإنساني، إلا أن عملية إدارة هذه النزاعات المسلحة تظل معقدة للغاية بسبب تداخل العديد من العوامل الضاغطة. ولذلك، يبدو أن نهاية الحرب الباردة قد وضعت العالم أمام مفترق طريقين أو إمكانيتين اثنتين فيما يتعلق باللجوء إلى القوة: إحياء نظام الأمن الجماعي الدولي، في إطار ميثاق الأمم المتحدة، بمعايير وشروط جديدة، أو استمرار الدول القوية، كما في الماضي، في التصرف حيال الدول الأضعف عـلى طريقتها مسترشدة بمصالحها القومـية وبموازين القوى على الصعيد الدولي.

ولا يرى إمكانية لمقاربة أي موضوع في السياسة الدولية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة دون ربطها بمحاولات الولايات المتحدة الأمريكية فرض رؤيتها الخاصة في إطار ما بات يعرف بالنظام الدولي الجديد، وكذلك بردود الأفعال المحلية والإقليمية والدولية، تماهيا أو مقاومة، لتلك المحاولات في ظل نظام دولي يتجه، حسب العديد، نحو تعددية قطبية ليست بالضرورة عسكرية، والإشارة هنا إلى روسيا والصين والاتحاد الأوروبي وكذلك بعض القوى الصاعدة التي تحاول تحسين موقعها إقليميا على الأقل خاصة في ظل سياسة التقييد الاستراتيجي أو سياسة القيادة من الخلف التي باتت تنهجها واشنطن كما تجلت بوضوح في عهد إدارة باراك أوباما وبالموازاة مع جهود المجتمع الدولي الرامية إلى الحد من اللجوء إلى القوة، بذلت محاولات حثيثة لأنسنة الحروب وتخفيف آثارها على المقاتلين والمدنيين عبر إقرار الحماية من الأعمال العدائية لفائدة المدنيين، والمقاتلين الذين أصبحوا، بسبب ظروف ما، عاجزين عن القتال، وكذلك عبر تنظيم اللجوء إلى وسائل وأساليب القتال. وإذا كان الأصل في هذه الجهود أنها تعنى بالنزاعات المسلحة الدولية، إلا أنها تنسحب، في حدودها الدنيا، على النزاعات المسلحة الداخلية، وهو اتجاه يتكرس تدريجيا في أفق إزالة التفرقة بين نوعي النزاعات المسلحة، الدولية والداخلية، على الأقل من الناحية الواقعية، بالرغم من أن أفراد الجماعات المسلحة من غير الدول المنخرطين في نزاع مسلح داخلي لا يحظون بصفة المقاتل في القانون الدولي الإنساني.

لقد طرحت الطبيعة الجديدة والمعقدة للنزاعات المعاصرة، ومعظمها داخلية تنحو نحو التدويل، تحديات ضخمة في مجال تطبيق القانون الدولي الإنساني ، حتى إن البعض يتساءل، فـي خضم هذا الواقع، إن كانت قواعد القانون الدولي الإنساني، كما هي مدونة حتى اليوم، لاتزال ملائمة لواقع النزاعات الدائرة حاليا، وعما إذا كان قد حان الوقت لتعديلها. يرى العديد من المراقبين والباحثين والفاعلين في مجال المساعدة الإنسانية أن القانون الدولي الإنساني قد أبان عن فعالية محدودة جدا في أوضاع النزاعات المسلحة الداخلية إن من حيث الانطباق أو التطبيق والاحترام، وبالتالي فالحاجة أصبحت ماسة إلى تطوير نصوصه لتتماشى مع تطور وسائل وأساليب القتال ناهيك عن معضلة تضخم الاحتياجات الإنسانية وإشكالية تسييس العمل الإنساني، غير أن رأيا آخر ومنه اللجنة الدولية للصليب الأحمر يرى أن معضلة القانون الدولي الإنساني لا تكمن في نصوصه بل في احترامه، وبالتالي يجب أن تنصب الجهود في اتجاه حمل وتشجيع أطراف النزاعات المسلحة على الامتثال لقواعده وأحكامه عوض الدعوة إلى تعديل وتطوير هذه القواعد والأحكام.

مهما تكن أسباب النزاعات المسلحة الداخلية ووجهات نظر ورؤى الأطراف المنخرطة فيها وتلك التي تسعى إلى تدويلها والتدخل في إدارتها خدمة لأجنداتها المتناقضة، فالأكيد أن هذه النزاعات تترك آثارا وخيمة على الإنسان حاملا للسلاح أو مدنيا وعلى البنى الأساسية والبيئة الطبيعية والتراث الثقافي وعلى فرص النمو بل وعلى التكوين الثقافي والسيكولوجي للأجيال القادمة، الشيء الذي يستدعي تحفيز التفكير الفردي والجماعي، المحلي والإقليمي والدولي، الرسمي والشعبي، في أبعاد وشروط تسويتها لأجل بناء سلام عادل ومستدام كفيل بتحقيق مصالحة المجتمعات التي مزقتها هذه النزاعات مع نفسها.

أن أهمية المواضيع البحثية التي تنتمي إلى حقل الدراسات القانونية والسياسية بشكل عام، وإلى فرع القانون الدولي العام والعلاقات الدولية بشكل خاص، تنبع من راهنيتها ومن قدرتها على تحليل الأحداث والوقائع الدولية، أو التي من المفترض أن لها انعكاسات دولية، إن في الحاضر أو المستقبل، وذلك عبر الرجوع إلى المفاهيم والأطر المرجعية والنظريات التي تؤطر المعرفة المنهجية في هذا الحقل من العلوم الاجتماعية التي تنبني أساسا على الوصف والتحليل والاستقراء والاستنتاج والتنبؤ بما يسمح بالمساهمة في التراكم المعرفي المنهجي، دون ادعاء القدرة على معرفة الحقيقة أو تجنب الخطأ بشكل مطلق.

ومن هذا المنطلق، تكتسي دراسة النزاعات المسلحة غير الدولية أهميتها في حقل القانون الدولي والعلاقات الدولية المعاصرة، إذ لا شك في أن راهنيتها تفرض نفسها ليس على الباحثين والمهتمين فحسب، بل على الرأي العام ووسائل الإعلام، بالنظر إلى الانتشار المهول لهذه النزاعات منذ الأيام الأولى لحقبة ما بعد الحرب الباردة إلى اليوم، كما أن وقع هذه النزاعات على المستويات المحلية والوطنية والإقليمية والدولية يجعلها محط اهتمام خاص من لدن الرأي العام والإعلام والباحثين وصناع القرار المحلي والوطني والإقليمي والدولي بالنظر إلى آثارها الإنسانية والقانونية والسياسية والاجتماعية والثقافية، وتداعياتها على الأبنية الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية للمجتمعات المحلية والوطنية، وعلى الأمن والسلم الإقليمي والدولي

وترجع أهم أسباب اختيار الموضوع حسب راي الباحث خالد الوردي كون الموضوع من صميم حقل الدراسات القانونية والسياسية بشكل عام، والقانون الدولي والعلاقات الدولية بشكل خاص - تزايد الاهتمام الأكاديمي والسياسي بموضوع إدارة النزاعات وتسويتها إن على المستوى المحلي أو الوطني أو الإقليمي أو الدولي. راهنية الموضوع، حيث تعتبر النزاعات المسلحة غير الدولية أكبر التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تواجه العالم اليوم. الاعتقاد بأن النظام الدولي الناشئ عن نهاية الحرب الباردة لا يزال في حالة سيولة، وبأن العالم لا زال في طور البحث عن نظام دولي ربما يتجه إلى تعدد الأقطاب بالنظر إلى بروز أدوار بعض الفاعلين الدوليين والإقليميين "المتمردين" على "النظام العالمي الجديد". أهمية الموضوع بالنسبة إلى الباحث بحكم الخلفية الثقافية، خاصة وأن معظم النزاعات المسلحة غير الدولية لما بعد الحرب الباردة همت دولا عربية وإسلامية، وأن جل ضحاياها من العسكريين والمتمردين والمدنيين والأعيان العسكرية والمدنية والثقافية من دول عربية وإسلامية. اهتمام الباحث بحقل القانون الدولي الإنساني الذي أضحى يحظى بأهمية أكاديمية متزايدة في السنوات الأخيرة. المساهمة، قدر المستطاع، في التعريف بالقانون الدولي الإنساني ونشره نزولا عند التوصيات العديدة الصادرة عن الفعاليات الوطنية والدولية، الحكومية وغير الحكومية، المهتمة بالموضوع، خاصة على مستوى الدول العربية والإسلامية التي يعاني فيها هذا القانون من حالة "سوء الفهم". الإدلاء بوجهة نظر الباحث في موضوع التدخل الدولي العسكري "لأغراض إنسانية"، ومدى توافق هذا التدخل مع اعتبارات السيادة وعدم التدخل من جهة، وكفالة احترام القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان من جهة أخرى.

و تتمحور إشكالية الدراسة حول مدى احترام واستجابة إدارة النزاعات المسلحة غير الدولية لما بعد الحرب الباردة لمبادئ ومعايير القانون الدولي العام وخاصة قانون الميثاق بشكل عام، والقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني بشكل خاص، أم أن هذه الإدارة تظل مرتهنة، أولا وأخيرا، للرهانات الجيوستراتيجية للقوى الإقليمية والدولية التي لديها من القدرات ما يمكنها من إدارة هذه النزاعات بما يخدم مصالحها القومية ومصالح حلفائها، وبما يعزز مكانتها في تراتبية نظام دولي وأنظمة إقليمية تنحو إلى التغير، وأن الاعتبارات الإنسانية لا تعدو أن تكون مطية لتحقيق تلك الرهانات.

لا تدعي الدراسة أنها اتبعت منهجا معينا وصارما، فالباحث نفسه لا يدعي إلماما عميقا أو تخصصا في مادة مناهج العلوم الاجتماعية التي لها أدبياتها وأطرها المعرفية والمرجعية الخاصة، لكن يمكن التأكيد على أن الباحث حاول تناول الموضوع من منطلق معرفته المعينة ببعض أصول مناهج وتقنيات الدراسات القانونية والسياسية التي راكمها عبر سنوات دراسته الجامعية. استرشدت الدراسة بما يمكن تسميته بتعدد المقاربات المنهجية، حيث فرضت المقاربة الوصفية التحليلية الاستنتاجية نفسها بالنظر إلى طبيعة الموضوع ومجاله المعرفي الذي يستند إلى وصف الوقائع والأحداث وتحليلها والخروج من ذلك باستنتاجات تخدم فرضيات الدراسة ونتائجها. وبالنظر إلى أن الدراسة تتوزع بين السياسي والقانوني فقد تم الاهتداء بالمقاربة القانونية في التحليل عبر الرجوع إلى المفاهيم القانونية، وظروف وحيثيات صدور النصوص والقرارات، علاوة على تحليلها وتفسيرها. ولا تدعي الدراسة أنها لجأت إلى المقاربة التاريخية، بل إلى مجرد وقائع وأحداث تاريخية بهدف التدليل والتوثيق وإعطاء هوية زمنية للدراسة تعود إلى نهاية الحرب الباردة. أما المقاربة النسقية فقد كانت حاضرة في جل فقرات الدراسة باعتبارها محاولة لفهم تفاعلات النظام الدولي والأنظمة الإقليمية المتفرعة عنه، ففي حين تحاول القوى المهيمنة والمستفيدة من هذا النظام الحفاظ على الأوضاع القائمة وتعزيز سيطرتها المادية والرمزية، تحاول بعض القوى الدولية والإقليمية العمل على تعديل أو تغيير ذلك النظام بما يمكنها من إيجاد موطئ قدم في التراتبية الدولية، ومن تم تعتبر النزاعات المسلحة غير الدولية مجالا من بين مجالات أخرى لممارسة "لعبة الأمم" هذه.

وهذه أهم النتائج التي خلصت إليها الدراسة أولا : تخضع إدارة النزاعات المسلحة غير الدولية لما بعد الحرب الباردة للاعتبارات الجيوستراتيجية أكثر منها للاعتبارات الإنسانية، حتى إن الإنساني أصبح مجرد مطية لبلوغ ما هو جيوستراتيجي.التغيير الجوهري الذي طرأ على مفهوم الأمن الدولي بعد نهاية الحرب الباردة حيث انتقل التركيز من الأمن بين الدول إلى الأمن داخل الدول، وبالتالي إعادة النظر في مفهوم الأمن الدولي بصفة شمولية، إن من حيث التهديدات أو الفاعلين أو أساليب المعالجة والمواجهة.تعد النزاعات المسلحة غير الدولية المعاصرة أكبر وأخطر تهديد للسلم والأمن الدوليين خاصة وأن معظمها يتجه نحو التدويل، وتنخرط فيها قوى إقليمية ودولية تحوز مكانة مرموقة في تراتبية النظام الدولي والأنظمة الإقليمية.لم يجلب النظام الدولي الجديد الناشئ بعد نهاية الحرب الباردة السلم والأمن والديمقراطية والرفاهية التي وعد بها، بل إن العديد من دول الجنوب لا تزال ترزح تحت نير انعدام الأمن والاستبداد والفقر.عودة أجواء الحرب الباردة لتخيم على العلاقات الدولية بما يؤدي إلى مزيد من التوترات الإقليمية والاصطفافات والحروب بالوكالة عبر فاعلين دوليين وفاعلين من غير الدول.أصبح مفهوم الإرهاب أكثر التباسا في ظل تزايد استعمال المفهوم لوسم بعض الجماعات المسلحة المنظمة بعيدا عن الاعتبارات الموضوعية، مما يؤدي إلى نزع كل حماية إنسانية عن أفراد هذه الجماعات، الشيء الذي يفرض تكثيف الجهود الدولية، القانونية والسياسية، لتجاوز هذا الواقع الذي يرخي بظلال قاتمة من الشك، بل وإنكار القانون الدولي الإنساني برمته. في ظل الواقع الراهن الذي يكتنف بعض المفاهيم الأساسية للقانون الدولي والعلاقات الدولية مثل التدخل وعدم التدخل والسيادة والاختصاص الداخلي وحقوق الإنسان والقضاء الجنائي الدولي، تنتفي الحاجة إلى التمييز التقليدي بين النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية ما دام أن الهدف الأسمى للقانون الدولي الإنساني هو حماية ضحايا النزاعات المسلحة. بالرغم من إمكانية انطباق قواعد القانون الدولي الإنساني، خاصة العرفية منها، على معظم، إن لم نقل كل الأوضاع الإنسانية في النزاعات المسلحة غير الدولية، إلا أن بعض التحديات الإنسانية تفرض تطوير قواعد هذا القانون لتستجيب لبعض الأوضاع الخاصة مثل النزوح وحماية الصحفيين والنساء والمحتجزين والبيئة الطبيعية، كما أن التطور الذي يلحق أساليب ووسائل القتال، إن على مستوى السلاح التقليدي أو غير التقليدي، يفرض مثل هذا التطوير.