مفارقات العقول الكبرى ...بحث في العقل الاستخباري

خالد الصلعي
2020 / 1 / 6

لا زال التاريخ يعلمنا ، كما ان الأحداث التي نمر بها ونتابعها تمنحنا مزيدا من دروس الحياة . فاالمتأمل في اغتيال الجنرال قاسم سليماني قد يصاب بالحيرة ، كيف لقائد حير أكبر أجهزة الاستخبارات العالمية لعقود ان يتم اغتياله بتلك البساطة وفي ظروف كانت تفرض عليه الاحتياط كثيرا ؟.
سنبدأ هذه السلسلة بحدث واقعي ، نعمل علىق قراءته من زوايا متعددة مرتبطة جميعها بمنظومة التحليل الاستخباري . وسنعمل في حلقات مقبلة على مقاربة الموضوع من نواحي متعددة بما في ذلك البحث الفلسفي ، فدون الوقوف على ماهية العقل في ذاته ، لن نصل الى تفكيك مكوناته ووظائفه .
تفيد المعلومات أنه قبل اغتيال اقاسم سليماني حطت طائرتان بمطار بغداد ، الأولى قادمة من دمشق والثانية قادمة من بيروت . ولا يستبعد ان تكون الطائرتان كانتا تقلان قاسم سليمان وبعض كوادر حزب الله . ما يضعنا أمام خطأ استخباري كبير نظرا للظروف التي تمر منها المنطقة ، والرهانات الانتخابية الكبرى التي تنتظر كلا من نتانياهو وترامب ، مع العلم ان أهدافهما واحدة فيما خص تقييم دور ايران في المنطقة ، والمطالبة برأس قاسم سليماني ، وقادة حزب الله اللبناني والعراقي ، وقيادة الحشد الشعبي الذي كانت له يدا طولى في القضاء على داعش داخل العراق . وهو ما يطرح سؤالا مهما : كيف اخطأ رجل من وزن قاسم سليمان حساباته ؟ ، خاصة بعد الأحداث التي عرفتها سفارة الولايات المتحدة الأمريكية ببغداد ، وتهديدات مجموعة من الأحزاب العراقية باخراج الأمريكيين من العراق ، باستصدار قانون برلماني يصوت عليه ممثلو الشعب ، وتمنع رئيس الحكومة عن الاستقالة الفعلية ، وهو الشخصية المحسوبة على ايران . وعجز الولايات المتحدة الأمريكية عن تنصيب شخصية موالية لها في نفس المنصب .
كما أن الهجوم على سفارة الولايات المتحدة الأمريكية ، استغله خصوم ترامب من الديمقراطيين ، واتهموه بالترهل والاستخفاف بالمصالح العليا الأمريكية وتعريض الأمن القومي الأمريكي لتهديد الارهابيين حسب زعمهم .
لكن السؤال المطروح ، كيف أخطأ رجل في وزن قاسم سليمان كل هذه الحسابات ، وهو الرجل المشهور بقدرته الفائقة على التخفي رغم وجوده في أرض الميدان في أكثر من مناسبة ؟ . ألم يقدر دقة وحساسية المرحلة ؟ . أم أن غروره دفع به الى الاعتقاد انه شخصية لا تمس ولا تقهر ؟ . كيف لرجل شارك في أكثر من منطقة ، ومنها مناطق خارج الشرق الأوسط حسب مصادراعلامية غربية ، وكان يضرب به المثل في الاقتدار الاستخباري ، وقراءة خرائط التوازنات الدولية والاقليمية القراءة الدقيقة أن يسقط في هذا الفخ والخطأ الفادح ؟ .
فحسب المعطيات والأخبار ، فان الرجل كان خارج جميع اﻻستقطابات السياسية الايرانية ، واستطاع بكاريزمته أن يشكل لنفسه اجماعا ايرانيا ، وصار شخصية وطنية توجب التقدير والاحترام من جميع شرائح المجتمع الايراني ، حتى الطبقات الشعبية كانت تلبس أقمصة ليها صوره .
ورغم تجربته الطويلة وحنكته في ادارة معاركه التي خرج منها جميعا منتصرا منذ ازيد من ثلاثين سنة ، الا أنه في النهاية سقط سقطة ساذجة وغير محسوبة ، لا يسقطها حتى المبتدئين في المجال الاستخباري . فمركزه كقائد ومصمم استراتيجيات ومنفذ ، وواضع تكتيكات عسكرية من طينته ، يصعب ان تصدق أن يسقط في مثل هذا الخطأ البسيط . لكن كما يقال لكل جواد كبوة . غير ان مكانته وتجربته ، ولربما طعم ترامب الذي تراجع عن تهديد ايران بشن حرب ضدها ، اوقعته في فخ عقلية تفوقه في المناورة والخداع الحربي الاستخباري .