في ارتداد الجمهورية الإسلامية الإيرانية

هيثم بن محمد شطورو
2020 / 1 / 6

إن ما يثير الانـتباه في عملية اغتيال الجنرال في الحرس الثوري الإيراني "قاسم سليماني"، ومن معه، هو عدم صدور إدانة دولية له، برغم كونها عملية قد ضربت جميع الأعراف الدبلوماسية، باعتبار القتيل كان في زيارة شبه رسمية لدولة العراق، وباعتباره لم يدخل متسللا في عملية سرية إلى الأراضي العراقية، وإنما نزل بالطائرة في مطار بغداد، وتم استقباله من قيادات مؤسسة تابعة للدولة العراقية وهي ما يسمى "الحشد الشعبي".
يعني العملية العسكرية التي قصف فيها سلاح الجو الأمريكي قاسم سليماني ومن معه في مطار بغداد، اثر نزوله من الطائرة، تُعد عملية إجرامية بحتة، خارج كل اعتبار دبلوماسي أو عرف دولي بل هي عملية قصفت معها جميع الاعتبارات الدبلوماسية، والتي من أهمها الاتـفاقيات الأمنية مع الدولة العراقية. فالتواجد الأمريكي من الناحية الشكلية على الأقـل هو وفـق تراتيب مع الدولة العراقية ذات السيادة ولو من الناحية الشكلية فقط. لقد قصف الرئيس الأمريكي "ترامب" كل الاعتبارات الشكلية تلك،بمثل ما انه اتخذ الأمر بالقصف دون طلب الموافـقة من الكونغرس الأمريكي، بل دون حتى مجرد الإعلام المسبق. انه إذن قد ضرب حتى الاعتبارات السياسية والقانونية الداخلية التي اعتبرها شكلية، أو بالأحرى اعتبرها أمورا معيقة ولا قيمة لها أمام السيد الذي يملك القوة ويمكنه استعمالها بلا أي رادع..
وفعلا، فـقد بلغ الرئيس الأمريكي ترامب رسالته هذه بكل وضوح. وارتعبت جميع الدول بما فيها روسيا والصين اللتان لم يصدر عنهما أي موقف يدين العملية، بل هرعت بعض الدول إلى إيران تطلب منها التهدئة باعتبار أن هذا الكاوباي الأمريكي المتعجرف لا يمكنهم إدانته، وكأن النظام الإيراني ليس بدوره مرتعبا، من حجم هذه العنترية الامحدودة والغير معتبرة لأي رادع.
فالصورة التي أعطاها "ترامب"، انه يفعل ما يريد، ولا تعيقه مسائل البحث عن أي شكل من أشكال الشرعية، فالشرعية هي شرعية القوة، ودليل ذلك أن جميع دول العالم دفنت رأسها في صندوقها كالسلحفاة.. وهذا هو الخطير في عملية اغتيال "قاسم سليماني" ومن معه. إنها عملية تـشرع لمنطق القوة خارج كل رادع قيمي، ولكن في نفس الوقت فهي عملية تـفـند جميع التبريرات التي كان يتم تحضيرها وصنعها لخلق نوع ما من الشرعية في استعمال القوة.. إنها القوة عارية بمثل ما هي، وجميع الدول مصدومة منها لكونها ظهرت عارية تماما من أي تلبيس تبريري شرعوي..
إن عملية القصف الجوي الأمريكي، التي استهدفت الجنرال الإيراني "قاسم سليماني"، تـنحدر في نفس سياق القصف الذي استهدف "البغدادي" رئيس تنظيم "داعش"، و"الزرقاوي" رئيس تنظيم القاعدة في العراق، و "اسامة بن لادن" رئيس تنظيم القاعدة في افغانستان. والمعنى أن منطق العملية يتضمن بشكل واضح اعتبار الجنرال "سليماني" إرهابي، ودولته أي الدولة الإيرانية إرهابية، وإعلان عن الحرب على إيران باعتبارها دولة إرهابية. أكد "ترامب" ذلك مؤخرا بالتصريح أن لدى الولايات المتحدة 250 هدف إيراني بما فيها مواقع تاريخية وجملة هذه الأهداف تمثل عناصر قوة للدولة الإيرانية، وانه سيقوم بضربها بقوة وبسرعة في حال وجود تهديدات إيرانية للمصالح الأمريكية.
فهل معنى الصمت الدولي عن إدانة العملية العسكرية الأمريكية الأخيرة التي استهدفت "قاسم سليماني"، بكون هذه الدول تماهت مع التصنيف الأمريكي للنظام الإيراني بكونه نظاما إرهابيا، وان كان بشكل مضمر؟
يعني أن النفوذ الإيراني في سوريا والعراق واليمن ولبنان، يشكل عامل تهديد لمصالح كل من الصين وروسيا الدولتان اللتان قامتا بمناورات عسكرية أخيرة مع إيران، والدولتان اللتان تربطهما علاقات اقتصادية مع إيران، هما بدورهما ليسا في موقف الارتياح أو انعدام الصراع الخفي مع النظام الإيراني المتطلع إلى نفوذ أكبر من حجمه في النهاية ويمثل عنصرا معيقا لمصالحهما في المنطقة. إذا كان هذا الأمر كذلك وخاصة فيما يتعلق بالحل الذي تريدانه في سوريا والذي يتطلب انزياحا إيرانيا عن سوريا، بمثل ما يقابله من انزياح إيراني عن العراق وفق منطق مصالحهما في العراق ووفق منطق تبادل مواقع النفوذ في العالم مع الولايات المتحدة.
نفس الأمر يبدو واضحا بالنسبة لألمانيا وفرنسا، فهما كأكبر دولتين في الاتحاد الأوربي، فان نظرتهما الأوربية تـتساوق مع منطق الانسجام مع النفوذ الأمريكي حتى وان بدا الأمر فيه بعض التوتر الخفيف أو الانـتـقاص من دور أوربا لصالح الولايات المتحدة، إلا أن ما يجمع أوربا بالولايات المتحدة على كل الأصعدة يفوق كل إمكانية لنظرة مستـقلة تعمل وفق المصلحة الأوربية البحتة التي يعرفون أنها تتساوق مع التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، وان أي مصالح أخرى إن تعارضت مع هذا الخيار الاستراتيجي هي مصالح وقتية تجعلها تخسر قواعد مصالحها الدائمة. أي أن أوربا كذلك هي في خط تحجيم التطلعات الإيرانية في احتلال الدول العربية، بل أكثر من ذلك وهو اعتبار نظام الجمهورية الإسلامية بكل ما فيه هو نظام إرهابي بامتياز، خاصة وانه دعم هذه النظرة بقمعه الوحشي للمظاهرات ضد السلطة في إيران..
إذن، فعدم الإدانة الدولية للقصف الأمريكي، يتعدى في كونه صدمة أمام العجرفة الترامبوية ، إلى كونه تساوقا ضمنيا مع الضربة وأهدافها وكلماتها في المعجم السياسي بكونها ضربة ضد الإرهاب الإيراني، والجنرال "قاسم سليماني" من الحرس الثوري الإيراني الذي هو في أصله ميليشيا الخميني التي قامت بعمليات تصفية وإرهاب ضد كل معارضي الخميني في الداخل، و هذا الجنرال باعتباره رئيس ما يُسمى "فيلق القدس" الذي هو الجهاز العسكري في تنفيذ برامج إيران في النفوذ على العراق أساسا وسوريا، هو فيلق إرهابي بامتياز لما قام به من فضاعات تجاه العراقيين سواء من حيث تـفريخ ميليشيات إرهابية تابعة للأحزاب الإسلامية، أو من حيث إشعاله لحرب طائـفية بين السنة والشيعة، أو من حيث خلق مراكز نـفوذ متعددة تضمن المصالح الإيرانية بواسطة الإرهاب، ومن بينها قتل عديد الضباط في الجيش العراقي السابق انتـقاما لما قاموا به في الحرب الإيرانية العراقية، أو قـتل عديد العلماء والمثـقـفين العراقيين.. بل إن بعض التحاليل تؤكد أن "داعش" في بدايتها هي صناعة إيرانية بمثل ما هي صناعة أمريكية..وعلى كل، فان الواضح من بين كل السطور التي يمكن أن تكتب، هو وجود توافق دولي على تحجيم دور إيران، أو إزاحة نفوذها في المنطقة، بل ربما الهدف هو الإطاحة بنظام الملالي في إيران..
صرح ترامب بالقول "أن إيران خسرت كل حروبها وانتصرت في مفاوضاتها". الدهاء الإيراني في السياسة معروف. لكن هذا التصريح يشير بوضوح إلى المضي في الخيار العسكري وان إيران في حقيقـتها ضعيفة عسكريا، ومن المؤكد أن الدراسات التي قامت بها المعاهد الأمريكية لطبيعة النظام السياسي في إيران، إضافة إلى تحديد مجمل عناصر الترسانة العسكرية، أضف إليه الدراسة الأهم وهي لطبيعة القوة العسكرية البشرية، أي الجيش الإيراني الرسمي شبه المستبعد من التأثير والقوة، وان الحرس الثوري هو الذي يمثل القوة العسكرية الإيرانية، وهو جيش عقائدي، ولكن أي عقيدة وأي إيديولوجية، وهل من الممكن لايديولجية ملفقة بين التأويل الديني والأسطوري أن يشكل عنصر قوة حقيقي؟ أليست قوة الجيش في عقيدة وطنية تـتماهى مع دولة معاصرة في مفاهيمها؟ كيف لنظام قروسطي تعشش فيه الأوهام من كل ناحية أن يؤسس لجيش قوي وفق عقيدته أو حتى وفق عقيدة وطنية معاصرة وهو نظام رجعي؟ طبعا ووفق القصور النظري والعلمي الناتج عن التخلف الفكري والثـقافي العلمي للعالم الثالث، فان نخبه الحاكمة أو المشتغلة في الدولة، بل حتى في المعارضة، لا تـنـتبه إلى معطيات القوة الحقيقية التي هي ليست مجرد مراكمة للأسلحة وبناء المختبرات العسكرية أو بعض الصناعات العسكرية لأجل التظاهر بالقوة والادعاء أمام المرآة بأنك المهدي المنتظر، أو الاه النور الذي سيخلص البشرية من ظلماتها..
وبالتالي فان الضربة العسكرية الأمريكية التي استهدفت "قاسم سليماني"، قد استهدفت النظام السياسي الإيراني برمته، وإنها منسجمة بالتمام والكمال مع رؤية وأهداف الدول الكبرى في العالم، أما تلك الكلمات والبغبغات من هنا وهناك، فهي لأجل إحكام تحقيق الهدف بأقـل الخسائر وفي أقصر الآجال. ذاك أن منطق التاريخ في النهاية هو المتحكم في مسيرته العامة. الحقيقة أن الإسلام السياسي كـتـنظيمات وأنظمة حكم متخلفة ومثيرة للفوضى ومعرقلة لمصالح الجميع، أي في النهاية لمسيرة التقدم التاريخي العام، جاء وقت الحسم التاريخي معها. فاللحظة التاريخية تقول وفق تعبير الكاتب "اوسكار وايلد":
" إن ذلك الذي يتجه نحو ماضيه، لا يستحق أن يكون له مستـقبل".
والحقيقة أن النظام الإيراني في ورطة حقيقية الآن. فهو لأجل المحافظة على أنصاره وعلى وجوده مضطر إلى القيام بعمليات تكون في مستوى الرد المطلوب لمقتل الجنرال الذي تم رفعه إلى مرتبة "الحسين بن علي". ولكن في نفس الوقت إن عملية انتـقامية كهذه ستكلف النظام ردا عسكريا قويا وسريعا بمثل ما قال "ترامب" وما أثبته فعليا.. في الحالتين فالنظام الإيراني إضافة إلى تـنامي المعارضة الداخلية له، فهو مهدد بالانهيار.
أضف إلى ذلك، النظام السياسي العراقي المحاصر من الزحف الجماهيري العراقي، فهو كذلك آيل إلى السقوط باعتبار ولائه لإيران ولكن في نفس الوقت لانعدام تجسيده للسيادة العراقية، بل كعنوان لانتهاك السيادة العراقية إضافة إلى مجمل الطعون الأخرى في الفساد والنهب وقزمية الحضور بالنسبة لدولة شعب العراق العظيم المنبعث من رماد حرائـقه دوما..