الميجور جنرال قاسم سليماني..أكثر من مجرد اغتيال

أمين المهدي سليم
2020 / 1 / 5

من البديهي أن عملية اغتيال حولت السفاح الشرقي سليماني رجل المجازر وقاتل الأطفال والمدنيين إلى أشلاء لم يمكن التعرف على صاحبها سوى من خاتم مميز في أصابعه، ليست لعملية من هذا النوع ارتباط بظرف طاريء مثل الحشود قبل أيام قليلة أمام السفارات الغربية، ولا بقتل مقاول أمريكي نتيجة قصف قاعدة أمريكية، ضمن سلسلة تحرشات دبرتها إيران على أرض العراق، كل هذا مجرد تكأة لتمرير فعل سياسي؛ فهذه عملية تسبقها بنية تحتية كاملة للمعلومات واستعراض مطول لطرق وأدوات التنفيذ وحساب ردود الفعل وحجمها وخطط الرد عليها. وأعتقد أن اغتيال سليماني ومعه أبو مهدي المهندس قائد الحشد الشعبي هو رسالة عنيفة من أميركا لإيران، وأهم جانب إيجابي فيها هو فرحة الشعب العراقي. وسبقها بيوم واحد عبارة من دونالد ترامب :"أنا أهدد ولا أنذر"، وبعد العملية صرح البنتاجون :"اغتيال سليماني هو بداية"، من المنطقي أن يتردد أن ترامب له أهدافا انتخابية من العملية وتوقيتها، ولكن هذا لايتناقض مع وجود أهداف سياسية تكتيكية تفرضها خطة استراتيجية.
وفي اعتقادي أنه منذ خروج ترامب من الاتفاق النووي مع إيران قرر ادخال تعديلات على استراتيجية التوازن في الشرق الأوسط التى وضعها أوباما، وإن كنت أعتقد أيضا أنها مجرد تحسينات وعجز عن الخروج منها، وفحوى هذه الاستراتيجية أن كل ماتكلفته أميركا من دماء وأموال لتطوير العالم العربي فشل فشلا ذريعا، لأن نظم الاستبداد العربية هدمت كل المباني والمؤسسات والعناصر الوسيطة التى تكفل تحولا ممكنا إلى أنظمة مدنية، وكل محاولة لإنهاء هذه الأنظمة تنتهي إلى حروب أهلية مخططة مسبقا ولها بنية تحتية متكاملة، وهذا يتفق مع مقولة فرنسية شائعة :"في العالم العربي وفي المسافة بين أنظمة الطغيان وبين الحرب الأهلية لايوجد شيء".
وبالتالي كي تحافظ أميركا على الاستقرار وعلى مصالح الغرب في الشرق الأوسط عليها بصنع توازن بين 3 قوى غير عربية موثوق فيها وهدفها الاستقرار والتنمية على حساب الثقب الأسود العربي الإسلامي التعس وهى تركيا وإسرائيل وإيران، ولذلك ساند إيران باعتراف دولي بلوره الاتفاق النووي، ولكن إيران طلبا لتوسيع النفوذ على حساب تركيا وإسرائيل إنزلقت لأسباب أيديولوجية إلى مساندة أنظمة عربية متخلفة وهمجية وفاسدة بدلا من اضعافها، وهذا هو هدف الاستراتيجية كما تفعل تركيا وإسرائيل، ولم تقف هنا على حدود المسموح بل سعت لتكريس وجودها عبر هذه الأنظمة للاستقرار على ضفاف المتوسط والبحر الأحمر حيث تحولت هى نفسها إلى عامل عدم استقرار، وبدأت بجانب علاقاتها العلنية مع حيوان سوريا (بصوت ترامب) وإرهابي لبنان حسن نصر الله وحشود ميليشيات المجرمين في العراق، والحوثيين في اليمن، بدأت في تأسيس علاقات سرية هدامة عبر نظام المافيا العسكرية الحاكمة لمصر، وبالمناسبة زار سليماني القاهرة سرا وبتدبير من متعهد الإرهاب المشترك بين دمشق والقاهرة المجرم علي المملوك (وربما أكثر من مرة) لتنسيق توصيل السلاح إلى حماس بمقابل من "الرز" لجنرالات المافيا، كما أن آلية التنسيق مع إيران قديمة عبر توأمهم الإرهابي بشار الأسد. وقامت إسرائيل مرارا بضرب قوافل السلاح في منطقة تمتد من احدود مصر مع السودان وحتى رفح والحدود المصرية الإسرائيلية.
اغتيال الشخصية العسكرية الإيرانية الأولى المسؤولة عن توسيع النفوذ على حساب الأقطار العربية الإسلامية ماقبل الدولة وما قبل الإنسانية وما قبل القانون والأخلاق، هو رسالة تحجيم وتوضيب وإعادة صياغة للأهداف أكثر منها إعلان حرب، وإذا لم تفهم إيران الرسالة ستصبح هى نفسها منطقة نفوذ، وستجيب الأيام القادمة على هذا السؤال.