الكذابات والكذابون على منصة اليوتوب أو الكذب المرضي

عزيز باكوش
2020 / 1 / 3

في سيكولوجية الكذب، يمكن الارتكان إلى نوعين من هذه الممارسة السلوكية لبني البشر . النوع الأول يكون إما بتزييف الحقائق جزئيا أو كليا ، أو خلق روايات وأحداث جديدة، بنية الخداع لتحقيق هدف معين قد يكون ترويج منتوج أو تحقيق رغبة للاستقواء أو الانتقام . وقد يكون الهدف ماديا نفسيا واجتماعيا . وهو يختلف عن الصدق تماما ، وهو في كل الأحوال فعل اخلاقي محرم في جميع الأديان ومعاقب عليه في جميع التشريعات والقوانين الوضعية .
والكذب للوهلة الأولى يبدو لدى عامة الناس أمرا بسيطا ، ولكن إذا تطور وتكرر وأصبح لازمة سلوكية ،مندمجة ومتفاعلة من مكونات شخصيته ، يمكن نعته بالكذب المرضي. وقد يقترن الكذب المرضي في حالات كثيرة ، بعدد من الأفعال التي ينتج عنها جرائم واحداث مأساوية مثل الغش والنصب والسرقة . وقد يقترن الكذب ايضا ببعض المهن أو الأدوار مثل الدبلوماسية أو الحروب النفسية والخرجات الإعلامية بهدف تصفية حسابات ذات طابع سياسي او اقتصادي في الغالب ، وهذا ربما هو مربط الفرس .
ويعتبر الكذب على الناس، ومع أنه أقل أنواع الكذب خطرا في تمثلات الكثيرين سلوكا أخلاقيا شنيعا ، ويتنافي مع حقيقة المواطن المؤمن السوي والطبيعي ثقافة وتربية ، و حسب المرجعية الدينية ، فمن اتصف بالكذب على الناس ، كان أبعدهم عن الهداية وأقربهم للغواية.
وليس سهلا أن يكذب الإنسان ، لكن إذا كان لا بد من ذلك ، فعليه أن يتوفر على مجموعة خصائص ومواصفات مهارية وقدرات ذهنية تتمثل في تفكير جيد واستجابة فورية ، وذاكرة قوية ومنطق متطور وخيال واسع وتبريرات جاهزة تتماشى مع السوق ، فضلا عن امتلاك قدرات نفسية وطاقة انفعالية متواترة تستجيب لكل الاحتمالات ، الجلب الاستقطاب تحويل الابتسامة الى ذهول والذهول إلى ابتسامة في الأوقات الحرجة تبعا للحالة النفسية للمتلقي الافتراضي ، فتراه يتحكم بمشاعره الكاذبة، و يكون صارما في إظهار تعابير وجهه المتسمة بالورع ،وتأكيد تصرفاته وتكييفها ذهنيا حسب الوضع الذي يخلقه عندما يكذب. فيصير الكذب حقيقة لدى المتلقي .. لكن ليس أي متلقي ؟؟؟

اليوم ،والكذابون والكذابات على منصة التواصل الاجتماعي عامة وعلى اليوتوب YOUTUBE على نحو خاص يعدون بالآلاف من كل الأجناس والأعراق . وما يهمنا هنا هي تلك الفئة التي تتحدث لغتنا ، وتأتمر بتعاليم ديننا الإسلامي الحنيف .
يتعلق الأمر بطينة من البشر لا يخجلون ، ولا يرف لهم جفن وهم يلفقون ويزيفون الحقا-ق ويقدمونها ملتبسة المعاني مبعثرة المصادر فاقدة لكل برهان او دليل منطقي ، وهم يزعمون أن فيديوهات الوصفات العلاجية التي ينتجونها في مختبراتهم المشوشة و ينشرونها على الناس مجربة ومحصنة بالقرآن والسنة ، ورغم انقضاء الأجل الذي حددوه للتأكد من صحة تجربة الخلطة ، تجدهم ثابتون قادرون على تفنيد كافة الاتهامات وتكرار التجربة مع إصرارهم بأغلظ الإيمان على أن من أصله قران لا يخدع ابدا ، وان نجاح التجربة شيئ مؤكد لكن مع قليل الشك وكثير من الإيمان ، وفي النهاية، يصدقون كذبتهم، اليوم أصبح منصة اليوتوب على الطريقة العربية مصدرا لأخطر أنواع الكذب المفضوح ، لكن دون رادع ولا وازع.
في سيكولجية الكذب عند الأطفال الصغار، يؤكد الباحثون أنهم يتعلمون من التجربة ثم أن الكذب يمكنهم من تفادي أشكال العقاب المحتملة على أخطائهم وبالتالي تجنب عقوبة ما يقترفونه من تجاوزات سلوكية . وما دامت أكاذيب الطفولة لا تصدق وذلك راجع لافتقارهم إلى مرجعية تقرر منطقية الأحداث . فإن الكذب عند الكبار خاصة اليوتوبيرزيون سلوك متعلم وناضج وعلى مستوى من الوعي الشقي ، سلوك تحدده البيئة ومحفز جبار على الترقي في نسب المشاهدة وحصد ملايين الإعجابات، و ومشاركة المحتوى على نطاق واسع وميل مدمر نحو كسب التعاطف واستقطاب الإضافات ما يشجع على الاستجابة للكذب بالكذب لتكرار الكذب.
وفيما يصرخ أحدهم بمعالجة سرعة القذف عند الرجال في ثلاثة أيام فقط ، لا يجد زميله الملتحي أدنى حرج ، وهو يعلن وصفته السحرية بتقديم علاج صحيح ومجرب لمعالجة مشاكل السحر المأكول والمشروب في يوم واحد.
أما الآخر فقد وجد الوقت والانتباه الكافي لعرض إناء به خليط أعشاب ووصفة يشرح فيها كيفية إخراج السحر المأكول من الجسم ولو بعد 20 سنة بإذن الله..

أما علاج الداء الخبيث الذي اجتهد العلماء ولا زالوا طور الاجتهاد في المختبرات بين الأنابيب وبأحد التقنيات لتفكيك خلاياه ومعرفة نشوئها وتطورها ، فقد أوجد لها دجالو القرن الواحد والعشرين أفضل الطرق وأنجعها ، يقول فقيه غير جليل بقليل من الحكمة وكثير من الجهل المركب، أنه ابتكر بإذن السميع العليم ، وبعد فحص دقيق ومجرد لمعاني القرآن الكريم ، وجد الحل بعيدا عن الأنابيب وحكاية المختبرات وعرق الأطباء ، وأن على المسلم الذي سيضغط على زر الإعجاب ويعلن انضمامه للقناة أن يغنم هذا العطف الإلاهي ويقول وداعا لكل أشكال المرض الخبيث ، فهنا بحول السميع العليم أحد ث الطرق وانجعها وأقواها فعالية على الإطلاق للخلاص من السرطان بكل أنواعه ، بواسطة سورة الفاتحة الشريفة فقط مجرب صحيح"

أما الصلع والثعلبة والفراغات بين الشعر و جميع والبواسير وآلام الركب ووجع المفاصل والروماتزم والتشنجات ... فالنتائج مضمونة في وقت قصير باذن الله
الملفت والغريب العجيب أن الوقت القصير يمر وبسرعة، ولا يتحقق العلاج المنشود ، ومع ذلك ، تجد من يقوم بالدعاية للقناة وللشيخ نفسه، بنفس الوصفة التي لا مفعول لها ولا أثر

من شبه المؤكد أنه لكي يكذب الإنسان يحتاج لقدرات ذهنية (تفكير جيد وذاكرة قوية ومنطق متطور وخيال واسع وتبريرات جاهزة)، وقدرات نفسية وانفعالية، فتراه يتحكم بمشاعره و يكون صارما في إظهار تعابير وجهه وتأكيد تصرفاته وتكييفها حسب الوضع الذي يخلقه عندما يكذب

يقول علماء النفس أن هذه القدرات اللازمة للكذب يجب أن يرافقها استعداد الشخص أخلاقياً وتربوياً للكذب. وبشكل عام فإن الضعيف الذي قدراته محدودة يكون لديه دوافع أكثر للكذب، بعكس القوي والذي يملك الكثير من القدرات تكون دوافعه للكذب أقل، . والكذب صفة لدى غالبية الأطفال، وإن كانت طبيعية في صغار السن نتيجة الغموض القائم في ذهنه وعدم التمييز بين الحقيقة والخيال.
.... يتبع