القراءة الماركسية لثورة أكتوبر الإشتراكية (9

فؤاد النمري
2020 / 1 / 1

القراءة الماركسية لثورة أكتوبر الإشتراكية (9)

الحرب التي خاضتها دولة دكتاتورية البروليتاريا، الإتحاد السوفياتي، جرت تحت عنوان "الحرب الوطنية" بمعنى أن مختلف الطبقات في المجتمع السوفياتي، العمال والفلاحون والبورجوازية الوضيعة، شاركت في الدفاع عن سيادة الوطن . الإمبراطوريتان الإمبرياليتان الفرنسية والبريطانية واجهتا النازية بحرب وطنية أيضاً غير أن فرنسا استسلمت للنازي بعد حرب دامت خمسة أسابيع وبريطانيا انهزمت في أول مواجهة في دنكارك ولم تعد تواجه على الإطلاق . فكيف للإتحاد السوفياتي أن يواجه وحيدا جيوش النازية (180 فرقة) ضمت بالإضافة إلى جيوش ألمانيا جيوش ثلاث عشرة دولة أوروبية أخرى ويسجل خلال حروب طاحنة في خمس سنوات انتصارات كبرى في معركة موسكو 41 وستالينغراد 42 وكورسك 43 ووارسو 45 وبرلين 45 ثم براغ 45 وينتقل بعدئذٍ لتحطيم اليابان خلال الأسابيع لبثلاثة الأخيرة من أوغست 45 !!؟
ما كان الإتحاد السوفياتي ليقوم بتحطيم النازية والفاشية في أوروبا والإمبريالية العسكرية في اليابان لو لم يكن دولة اشتراكية تمثلت بدكتاتورية البروليتاريا، فكان حكم التاريخ القاطع أن الدول الرأسمالية الكبرى الثلاث ما كانت لتحتفظ ببقائها بغير توفير القوى السوفياتية الجبارة لأمنها وسلامتها .

القراءة الماركسية لثورة أكتوبر الإشتراكية تفيض بنا إلى مشهد آخر للإتحاد السوفياتي لم يكن متوقعاً على الإطلاق . الإتحاد السوفياتي وقد تحمل كل تلك الخسائر التي تفوق كل الحسابات وحوًل إقتصاده إلى إقتصاد حرب وجند 16 مليون رجلاً في الجيش حمل الآلاف منهم رتبة المارشال والجنرال، لم يعد يحمل السمات الرئيسة من سمات الإشتراكية باستثناء قيادة الحزب الشيوعي والتي باتت بلا حزب حيث فقد الحزب كوادره الطليعية في المواجهات الأولى للعدوان النازي الغادر وانغمست عامة كوادره في الأنشطة الحربية غير الشيوعية بدءاً من العام 39 وحتى العام 52 .
القراءة تقول أيضاً أن أحداً في الإتحاد السوفياتي وفي الحزب الشيوعي لم يدرك المشهد السوفياتي الجديد وانعكاساته غير القائد اللينيني الفذ يوسف ستالين . ستالين هو من دعا لأول مرة في تاريخ الحزب الشيوعي السوفياتي لعقد ندوة في العام 51 من المتخصصين تبحث في مقاربة المشهد السوفياتي الجديد تحت عنوان " المسائل الإقتصادية للإشتراكية في الإتحاد السوفياتي " . في تلك الندوة التي حضرها قادة الحزب وأخصائيون في الإقتصاد غير حزبيين وجد ستالين أن أحداً من الحضور لا يدرك حقيقة أزمة النظام الإجتماعي " الإشتراكية " في الإتحاد السوفياتي وهو ما انعكس في كتابه الذي لخص مداولات الندوة وحمل اسمها .

لم يجد ستالين ما يساعده على استئناف النهج اللينيني في الثورة الإشتراكية سوى الإعتماد على قواه المعنوية التي لم يكتسب مثلها قائد آخر من شعبه عبر التاريخ . فكان أن دعا لعقد المؤتمر العام للحزب بعد غياب أربعة عشر عاماً واقترح على المؤتمر أطروحتين جوهريتين، أولاها وهي الخطة الخمسية الخامسة وتقضي بالتحول من الصناعات الثقيلة الموظفة عامة في خدمة الحرب إلى الصناعات الخفيفة التي تعنى برفاه الشعب، والأطروحة الأخرى قضت بالإستغناء عن قيادة الحزب المتقادمة وانتخاب قيادة جديدة تتميز بالحميّة الشيوعية .
القراءة الدقيقة لتلك المحطة تقتضينا الإشارة إلى أن ستالين كان قد تهيّب من أن يكشف عمق الأزمة التي تواجه الثورة الإشتراكية وهو ما سمح لأعضاء مؤتمر الحزب الموافقة على الخطة الخمسية ورفض الإستغناء عن قيادة الحزب . إذاك عبر ستالين عن أخطار حقيقية تحيق بالثورة بالقيادة القديمة وهو ما جعل المؤتمر يضاعف عدد أعضاء القيادة وينتخب 12 عضواً إضافياً مثل عدد القدماء كيلا يُستغنى عنهم .
ما بات مؤكداً هو أن ثلاثة من الأعضاء القدامى في المكتب السياسي وهم بيريا ومالنكوف وخروشتشوف قاموا باغتيال ستالين بالسم أثناء العشاء في 28 فبراير 53 وقد تأكد لهم أن ستالين كان في سبيله للإستغناء عنهم . وهناك من يرجّح أن من دس السم في شراب ستالين وهو بيريا وقد بدأت الشبهات تحوم حول اشتراكه في مؤامرة الأطباء اليهود على حياة قادة الحزب والدولة فعمد على أن يتغدى بستالين قبل أن يتعشى ستالين به .
لفظ ستالين أنفاسه الأخيرة مساء 5 مارس آذار 53 وصباح اليوم التالي عقد أعضاء المكتب السياسي القدامى اجتماعاً قرروا فيه إبطال انتخاب الأعضاء الجدد في المكتب السياسي . يبدو أن مثل ذلك القرار المخالف للقانون ولأولى قواعد الحزب ما كان ليأخذ طريق النفاذ بغير هيمنة القوى العسكرية .
برحيل ستالين فقد الحزب الشيوعي قلعته الحصينة الكبرى وانكشف منظمة مفككة اعتراها التقادم بعد أن لحق به في الحرب خسائر لا تعوّض . مقابل الحزب المفكك الذي يقوده ثلة من المتآمرين وقف الجيش بكامل عافيته وتراتبه الحديدي، فكان من الطبيعي أن تؤول كل السلطة بعد ستالين للجيش . وطبعاً الجيش هو طليعة الطبقة البورجوازية الوضيعة المسلحة وهي بالتالي ضد الإشتراكية أو العدو الرئيسي للإشتراكية كما أكد لينين في العام 22 في كتابه " الضريبة النوعية " .
قيادة الجيش المتمكنة من العلوم العسكرية سرعان ما تعرفت على مكامن القوة في العدو . فبعد إلغاء عضوية إثني عشر عضواً جديداً في المكتب السياسي طلبت من قيادة الحزب جمع اللجنة المركزية للحزب لتقرر إلغاء الخطة الخمسية من أجل تجنيد كامل قوى الإنتاج تقريباً في إنتاج الأسلحة وهو ما كان بتواطئ تام من نيكيتا خروشتشوف في سبتمبر ايلول 53 رغم أن قراراً بهذا المستوى ليس من صلاحية اللجنة المركزية أو أي جهة سوفياتية أخرى .
ولما ظل شبح ستالين يلاحق الخونة الجناة دبّج العسكر خطاباً يطعن بشخص ستالين وطلبوا من خروشتشوف أن يلقيه في المؤتمر العشرين للحزب . لم يجرؤ خروشتشوف على كشف الخطاب لأعضاء المكتب السياسي ولذلك ألقاه خارج المؤتمر في اجتماع استثنائي خاص .
كل ذلك لم يجعل إدارة الإنقلاب سهلة على قيادة الجيش فكان أن اجتمع المكتب السياسي للحزب في يونيو حزيران 57 للنظر في مشروع خروشتشوف " إصلاح الأراضي البكر والبور " وكان الهدف الحقيقي للمشروع هو تسمين طبقة الفلاحين خلافاً للنهج الإشتراكي القاضي بتذويب ومحو طبقة الفلاحين مما دعا المكتب السياسي إلى سحب الثقة من خروشتشوف وكان عليه أن يخلي مواقعه في الحزب وفي الدولة . إذاك تدخل الجيش لحماية رجلهم في الحزب خروشتشوف ورتب المارشال جوكوف انقلاباً عسكرياً أطاح بالمكتب السياسي للحزب وجرى تعيين مكتب آخر موال للجيش .
المكتب الجديد الموالي للجيش قرر في المؤتمر الإستثنائي الحادي والعشرون للحزب في العام 59 فصل الثورة الإشتراكية عن ثورة التحرر الوطني ووصل بهم الأمر إلى استنكار ثورة التحرر الوطني الأمر الذي استقبلته دوائر الإمبريالية بفرح وحميّة بالغين وسهل عليها القيام بالعديد من الإنقلابات العسكرية الرجعية في الدول المستقلة حديثاً وانتهى ذلك بالفشل التام لثورة التحرر الوطني في العالم كله .
في العام 1961 اتخذ المؤتمر العام لما ظل يسمي نفسه "الحزب الشيوعي السوفياتي" قراراً حلّ بموجبه "دولة دكتاتورية البروليتاريا" ليستبدلها بما أسماه "دولة الشعب كله" وهو ما يعني مباشرة وقف الصراع الطبقي ومحو الطبقات وهو فحوى مرحلة الإشتراكية .
زاد نفس المؤتمر على قراره الصريح بإلغاء الإشتراكية قراراً يقول بالإستقلال المالي لمؤسسات الإنتاج وشرعية المرابحة في تداول الإنتاج .
نيكيتا خروتشوف هو مفستوفليس الذي باع نفسه للشيطان . شارك بداية باغتيال ستالين، وقرر في 6 مارس 53 خلافاً للقانون إلغاء إنتخاب 12 عضواً في المكتب السياسي، وفي سبتمبر 53 وقع خلافاً للقانون أيضاً إلغاء الخطة الخمسية، وفي المؤتمر العشرين للحزب عام 56 خطب في محاولة شريرة لتحطيم إيقونة ستالين اللينينية . وفي المؤتمر الإستثنائي للحزب في العام 59 أعلن إدانته لثورة التحرر الوطني العالمية، وفي مؤتمر الحزب الثاني والعشرون عام 61 قرر تفكيك دولة دكتاتورية البروليتاريا واعتماد المرابحة في تبادل المنتجات وهو ما قضى بنهاية الإشراكية .
مفيستوفليس خروشتشوف هو من عمل على تفكيك المشروع اللينيني في الثورة الإشتراكية العالمية ولما كان لا يؤمن بمريم العذراء لتفتدي روحه من الشيطان فكان أن قبض الشيطان على روحه وأطاح به في أكتوبر 64 .
النهاية الهامة جداً والمفصلية التي تأبى البورجوازية الوضيعة ومجندوها من أدعياء الشيوعية الإنتهاء إليها وهي أن البورجوازية الوضيعة التي انقلبت على النهج اللينيني وعلى الإشتراكية البولشفية لم تمتلك ولن تمتلك أي مشروع حيوي بديل ؛ بديلها المطروح منذ الخمسينيات وحتى اليوم هو إنتاج الأسلحة التي لا يحتاجها أحد ؛ الأسلحة ضد الحياة فكيف للبورجوازية الوضيعة الروسية أن تستمر في السلطة !؟ يزعم بعض الخرقاء أن روسيا في سبيلها للتطور الرأسمالي .
يتحول الحديد إلى ذهب ولا تتحول البورجوازية الوضيعة إلى رأسمالية . الطبقات تنهال ولا تُوَرّث .

(يتبع)