أيام إسبانية،رحلة الفتى الجنوبي نور الدين بالطيب الى فردوسه المفقود

نائلة الشقراوي
2020 / 1 / 1

صدر عن دار ضمة للنشر وفي طبعة ثانية كتاب أيام إسبانية للصحفي والشاعر التونسي نور الدين بن الطيب ،الكتاب يدخل تحت إطار أدب الرحلة والكتابة الأدبية عن السفر يسجل فيها الكتاب تفاصيل رحلاتهم وينقلون بعضا من تاريخ وحضارة البلدان التي كانت محطة لأسفارهم .لكن ما الذي يجبر القارئ على متابعة وقراءة تفاصيل رحلة نور الدين بالطيب ليتعرف على اسبانيا وغيرها من المدن في زمن توفر المعلومة و تأثير الصورة وتكنولوجيا الاتصالات ؟أيام إسبانية كتبه شاعر اذن فمع السرد توقع انك ستقرأ بأسلوب مختلف عن اساليب المكتشف أو الصحفي .نور الدين بالطيب المسكون بالأمكنة وروائحها العتيقة الآتي من عمق الصحراء الفاتنة لن يكون ما ينقله عن إسبانيا الحديثة وانما عن الأندلس الساكنة فيه حلما متجددا له علاقة بما عرفه عنها في مراهقته وبما في داخله من أمل في استرداد الأحلام العربية الضائعة في الأندلس التي دخلها من ابوابها المختلفة ،لشبونة ،مدريد برشلونة ، وخيرونة التي لازالت ترحب بالمسافرين بلافتة حروفها عربية. تعددت الأسماء لامرأة واحدة ( تغريك كما لو كانت امرأة فاتنة وعذبة أو قصيدة حب أو موسيقى تحمل روحك الى عوالم من السّحر والجمال) .الكاتب الذي هام بالمكان أتى على تفاصيل تاريخية مهمة لها علاقة بالوجود العربي فكأنه كان يقتفي آثار العرب وحضارتهم التي تركوها هناك ونحن نعلم عنه توجهه العروبي لذلك كان حريصا في سرده على الإشارة لما ظل من تلك الحضارة من مساجد ومعمار و قدم الأسباب النفسية التي تجعل المهاجرين العرب في مرتبة أقل مقارنة بمهاجري أمريكا و الاكوادور وباكستان مستخلصا ان الاسبان لازالو يعانون من عقدة التفوق العربي ،لذلك يعامل المهاجر الافريقي معاملة سيئة وتعتبر اجهزة الدولة أن الهجرة الغير شرعية هي سبب ارتفاع مستوى الجريمة والبطالة والدعارة ( رغم أنّ المؤشّرات الأقتصادية تؤكّد أن المهاجرين هم قوّة أسبانيا)،تحدث الكاتب كثيرا عن مظاهر ازدهار الأندلس ومجدها في فترة حكم العرب لها و عن الحروب والجيوش عن موسى بن نصير ،عن هزيمة قشتالة وفوز بن عباد ،عن سقوط ملوك الطوائف وحكم يوسف ابن تاشفين الذي اعاد بناء الدولة الممتدة نفوذها الى شمال افريقيا .سرد تاريخي ممتع ركز فيه الكاتب على أهم الأحداث التاريخية التي من المفروض انها قد كانت من قبل في خيالاته وفي دروس التاريخ التي تلقاها وفي ما سمعه من حكايا سيده محي الدين .المختلف عند نور الدين بالطيب في سرد رحلته هو تركيزه على ما يتلاءم مع تطلعاته الثقافية والعلمية ورغبة في الغوص بعمق في ثقافة المجتمع الإسباني من فن ورسم وهندسة معمار ،عن متاحف كاتلونيا عن المساجد كما عن كنيسة سانتا ماريا ،اماكن يدخلها الكاتب ليس بوصفه سائحا يتمتع بسحر المكان فقط وانما كعالم وكشاف بوجدان يتمثل الأشياء بطريقة تختلف عن السائد. _لم نجده يحكي عن عادات الاكل مثلا هناك _الكاتب ذهب ليبحث عن نفسه عن سيادة ضائعة عن روحانيات تشده للأندلس فتحدث لنا عن ماهو اقرب إليه و رجع بعدها بسؤال استنكاري يطرحه على نفسه والآخرين مذ غادر مطار غرناطةوهو اذا نحن من صنع تلك الحضارة التي جعلت اسبانيا الآن ثالث قوة اوروبية ،اذا العرب رواد المكان بعظمة معماره وعلمه وتطوره اللاحق ،لما يعجزون عن البناء من جديد ،ولم نقفل الابواب أمام كل مبادر لتفتح له اوروبا ابواب نعيمها فيبني في غير ارضه .؟(عندما غادرت مطار غرناطة كنت أسأل نفسي من صنع التطّور العلمي و الفنّي و الثقافي و الفكري في الأندلس ؟هل فعلا هم العرب أم شعب أخر يشاركنا نفس الأسم ؟
لا أعرف ،وربّما ليس مهمّا أن نعرف فالعرب الذين صنعوا ذلك المجد كانوا شعبا أخر لا صلة لنا به)