الإنهمام بالذات

هيثم بن محمد شطورو
2019 / 12 / 31

ربما، مرضها هو الإفراط في الانهمام بالنفس، حتى أن أمها في عديد المرات كانت تهاجمها بنبرة معاتبة قائلة:
ـ مشكلتك هي الجدية المبالغ فيها..
قادتها تلك الجدية إلى عيادة طبيب نفسي. قاعة الانـتـظار بعيدة كل البعد عن أجواء الاسترخاء المطلوبة في مثل موقـفها. الغرفة ذات لون عسلي تـزين جدرانها بعض اللوحات. حصان أبيض جميل تحيطه أشجار الصنوبر والعشب الأخضر وفتاة برداء احمر تلامس وجهه بكفها. استغرقت حينا في هذه اللوحة، ولكن نظرات المرضى الآخرين آلمتها كثيرا، حتى أنها إنـزعجت من كونها قد أطلقت على نفسها وصف المريضة من خلال وصفهم بـ"المرضى الآخرين". "الآخرين" لها وبالتالي اللذين تـشاركهم نفس الصفة.
فكرت للحظة أن ما أتى بها إلى هذه القاعة، والذي بدا شيئا خاصا بها لوحدها، غدا شيئا عاما في الالتـقاء بالأعين المحدقة والمنـتـظرة بدورها دخولها إلى غرفة الطبيب النفسي. " كيف يُعقل ذلك؟ هل ما هو أنا ليس في الحقيقة أنا؟ وكيف أكون شبيهة لأحد؟"، وحدقت بدورها في الوجوه بنظرة بائسة لم تـتبين معالمها.
وما أن عادت السكرتيرة إلى مكتبها، حتى قامت متوجهة إليها لتعقد موعدا عند الطبيب، ولكنها فجأة حولت وجهتها ناحية الباب مخلفة ورائها نظرات متسائلة وألسنة، ربما، تصفها بالجنون.
أدركت أن مرضها هو الانهمام بالذات. مرض المدينة. مرض بورجوازي لعين. أدركت انه ليس من أنا متـفرد لوحده. ليس من فردية شبه إلاهية. حتى ما يخالجها من مشاعر ومن آلام نفسية، بل البدنية، وإن تبدو آلامي فقط إلا أنها آلام إنسانية عامة..
" أنا لست عايدة، وحتى هذا الاسم فأنه ليس اسمي أنا فقط..أنا مثل البقية..أوه أنا مثل بقية الناس..هذا ما يؤلم في الموضوع، ولكن رفض هذه الحقيقة ينتج جميع الأمراض الإنسانية.."..
كانت كلماتها التي تـتمايل كمعزوفة حزينة في عقلها وهي على مشارف الدخول إلى الطبيب النفسي نفسيا، هي:
" إني أتحطم. أنهار، أحترق، أذوب في نفسي.. جسدي يأكلني.. من أين تضطرم هذه النار يا دكتور؟"
الآن بعد الخروج من عيادة الدكتور الذي لم ترى وجهه، كانت الكلمات التي تـتـناطح في ذهنها تـقول:
" يا ناس حبوا الناس...". شغلت الأغنية في هاتفها عبر اليوتوب. إنها تغني مع أغنية " ايلي شويري" في الشارع بصوت مرتـفع عـذب وشعرها الرقيق يـتـطاير في الآفاق.. يا ناس حبوا الناس، الله موصي بالحب، الحب فرح الناس، يا ويلو اللي ما بيحب.. وتملكها الصفاء كسماء زرقاء مشرقة دافئة..
الذي بدأ ينهار ليس جسدها وإنما الكآبة. كآبة الانهمام بالذات المتألهة..