ظلال المجتمع في رواية -كفر الهوى- تؤهلها للسينما والدراما التلفزيونية بجدارة.

صلاح شعير
2019 / 12 / 30

جاء السرد شيقاً يجعل القارئ لا يمل ولا يتركها جانباً بل يظل يقرأ حتى يكملها حتى النهاية، مما لاشك فيه أن الكاتب يمتلك المهارات والخبرات التي جعلت السرد محكماً مترابطاً لا انفصال فيه حيث تشابكت الأحداث في ضفيرة واحدة لا تفكك فيها.
أما شخوص الرواية فقد رسمت بعناية وأيضا في اختيار الأسماء؛ وكأنّ الاسم ينطبق وملامح الشخصية ودلالتها عليه.

رسم الكاتب صورة كلية لمجريات الأمور في تلك الأزمنة التي مازالت آثارها باقية تصيب المجتمع، فقد أكد أنّ كثيراً من الشباب يفرون من الوطن هرباً من الواقع بالهجرة غير الشرعية، ويفضلون ركوب المخاطر والموت المحدق عن البقاء في الوطن، بلا روح ولا هوية وقد صنفهم إلى ثلاثة أقسام: الفارون من أحكام قضائية، الهاربون من الثأر، الباحثون عن لقمة الخبز.

رسم الكاتب طريقة الهروب بأسلوب سردي جميل، حيث وقع اختياره على بطل قصتنا "غريب" المتخرج في كلية الزراعة الذي سافر إلى هولندا عن طريق السفن الهالكة التي أودت بحياة الكثيرين من خيرة شباب الوطن حيث بيّن كيفية الهروب إلى "ليبيا" ثم إيطاليا ومن هناك إلى "هولندا " ومدى الصعاب والمشاق التي تحملها وصفاً تفصيلياً فقد عانى الشباب معاناة قاسية في سبيل الوصول إلى غايته، وهذا ينطبق على من نجا من الموت حياً دون الهلاك المحتم .

أشاع الكاتب من خلال السرد الشيق الجميل أسلوباً مميزاً في ثناياه خفة الظل التي يتمتع بها كاتبنا الكبير(صلاح شعير) وذلك أثناء وصفه لبعض الشخصيات مثل: العمدة دياب النمر وشفيق الخفير، ومحاولته العزف على آلة نحاسية لجاموسته أثناء حلب زوجته لبنها؛ كذلك شفيقة زوجته البدينة، والنمر الكبير والد دياب النمر حين كان فقيرا ويضع الشيشة في أنف الحمار ليشرب معه أيضًا السجائر المحشوة بالبانجو.

ومن القضايا التي طرحت رجال توظيف الأموال؛ مثل هؤلاء الذين كانوا قد قدموا عائداً كبيراً للمستثمرين؛ ليتهافت الناس عليها وفي النهاية يهربون بتلك الأموال؛ كذلك انغماس الشباب في إدمان الحشيش ونبات البانجو حيث كانوا يصنفونه إلى نوعين، الرخيص والغالي، حتى النساء يعرفونه جيدا كما يعرفون الخضروات، في ظل البطالة نجد أن الشباب قد أدمنوا حبوب الترامادول، وهذا يجعلهما عقولهم في غياب دائم. وكأنّ التغيب الذي أصاب المجتمع جعلهم يبحثون عن أشياء تغيبهم من خلال المخدرات أو الدجل والشعوذة؛ حيث الموروثات القديمة مازالت متغلغلة؛ فهناك من يقومون بالسحر والشعوذة، وكأنهم يمسكون بعصا سحرية يجلبون بها المستحيل.

تتناول الرواية بعض يروج عبر الفضاء الأزرق من شائعات، بهدف تشكيل المجتمع لصالح أفكار محددة، ويتحول ما ينشر من أخبار كاذبة إلى مادة تتلقفها الفضائيات لتستكمل تروج الوهم.
بينما الأحداث الساخنة و الصراع الدموي بين تجار المخدرات، كان على الجانب المقابل قصة للحب النبيل تنمو، بين الحبيبين رجاء الفقي وغريب منذ أن ذهبت رجاء لتقديم أوراقهما في الجامعة، وأثناء الحوارات نشأت القصة وصارت رمزا للوفاء وكيف كان الفضاء الأزرق هو همزة الوصل بين الحبيبين، اللذين توصلا تحت أسماء مستعارة (ابن النيل وبنت النيل ).

تعلّم بطل قصتنا في (هولندا) أساليب تربية الحيوانات الحديثة، عندما أراد أن يقوم ببناء مزرعة حديثة بكل التقنيات العلمية على غرار المزارع الأوربية؛ التي فيها الموسيقى لزيادة إدرار اللبن؛ ولكن المجتمع الساذج حول الأمر إلى مادة للسخرية على مواقع التواصل الاجتماعي، طرحت الرواية بعض أوجه الخلل في اختيار بعض العمد بالقري من طريقة اختيار العمدة دياب النمر الذي يصلح لأي دور سوى لجمع المال من تجارة المخدرات. وذلك عندما وضع تجار المخدرات في دائرة الضوء ليصور لنا كيف يقومون بغسل المال الفاسد في بتوظيفه في مشروعات نظيفة، التي تبدو للعيان أنها أتت بأساليب شرعية.

أثناء الازدحام الشديد من خلال شوارع القاهرة التي تجوب فيها المركبات على كل شاكلة صباح مساء حين تعرض "غريب" بطلنا لحادث أليم ، حيث كثرت الحوادث لأن الشوارع لا تستوعب كم الحافلات وكل راكبي السيارات، نظراً للفوضى العارمة مما أدى لوقوع الحوادث المتكررة.
أبرز الكاتب الجرائم التي ترتكب بسبب فتنة النساء، فبضعهن كلما زاد جمالها زادت زاد القتل، وتعددت مذابح الرجال في صراع من أجل رغبات ماجنة؛ وكأن ذلك يعود بنا إلى أول جريمة حدثت حيث منذ أن قتل قابيل أخاه هابيل. فقد تخلص " سرحان الأعصر من غريمه في فاتن مشوقته، وقتله حرقاً بالنار.

كما أشار الكاتب إلى أنواع النساء الخيرة مثل "حميدة" السيدة الجميلة الفاتنة التي فضلت الفقير على الكثيرين من الأغنياء. و"رجاء الفقي" التي أحبت "غريب" بصدق ووفاء، حتى النهاية رغم علمها بزواجه من أخرى لكنها ظلت على العهد. كما ذكر الكاتب النموذج الثالث للمرأة الأجنبية "مريم" التي أحبت الشاب "غريب " لأصالته وعراقته ونبله هي صفات أهل الشرق وحضارة مصر.

وأوضح أيضا أنواع الرجال كلهم يتصرفون بالخسة والسذاجة والإجرام الذين تعمي أبصارهم المرأة وفتنتها والصراع على المال بكل صورة مخزية إلا (غريب ) الرجل الذي جعله الكاتب بتسميته غريباً لتميزه بالاستواء النفسي المثالي خلقاً وشهامة ونبلاً.
لقد قدم لنا الكاتب رواية رائعة جسدت صورة واقعية وحقيقية للمجتمع، وألقت الضوء على الكثير من القضايا التي تحتاج إلى معالجة، وذلك لحماية الشباب والأمهات و الأسر من أخطار التحلل أو الوقوع بين مطرقة موقع التواصل الاجتماعي والعادات البالية، ومن مميزات الرواية أنها من الأعمال الأدبية التي تصلح للسينما أو الدراما التلفزيونية بجدارة.