كل عامٍ و مستقبلنا يصنعه المستعمِرون و الطامعون .

يوسف حمك
2019 / 12 / 29

الأعوام و السنون تخون العهود و تمضي بلا وفاءٍ .
الأمنيات تتزاحم على رصيف الانتظار ، و الرغبات تؤجل حبيسةً في غمد الترصد ، فتبقى الأحلام التي في صدارة أولوياتنا قيد الترقب يائسةً بلا ظهيرٍ .

اقتتالٌ صنع المجازر و المذابح ، و حروبٌ أبدعت في تدمير العمران و البنيان .
ملتحون هائجون أفنوا كل شيءٍ بالنيابة عن الله ، و باسمه أجهزوا على مقومات الحياة .

كان العام الحاليُّ واحداً من أشرس الأعوام بطشاً ، و الأعنف قسوةً ، و الأشد كارثةً في شرقنا اللعين .
القتل بوتيرةٍ عاليةٍ ، و منسوب التشرد كان مرتفعاً ، و النزوح كان مكثفاً ، و حجم الدمار كان أوفر حظاً .
اكتظاظ الغل في الصدور قد أبيح استعمال السلاح المحظور لسحل الأجساد و توسيع دائرة الموت و الفناء .
النهب و السلب كان بالعلن لانحدار الأخلاق بدلاً من الصفح .
التمثيل بالجثث كان مبعث الفخر لجلف الطبع بدلاً من الغفران .
الوعيد و التهديد باُلثأر و الانتقام كان سيد الموقف بدلاً من التسامح و العفو .

ضغوطٌ نفسيةٌ على الهاربين - من همجية تجار الدين و عبيد المصالح - الساكنين تحت خيمٍ تكاد لا تحجب عنهم صرصر الشتاء ولا قيظ الصيف و رمضائه .
كارثة الأوبئة و تردي المرافق الصحية ، علاوةً على القلق من الشك بألا يكون الملاذ آمناً .

منازلٌ لم تصمد ، و أبنيةٌ تحولت ركاماً . حكاياتٌ يندى لها الجبين . و قصصٌ لا تمت للإنسانية بصلةٍ .
و من نجا بروحه لا يغيب عن ذهنه آثار الكوارث و الماحقات ، فتداهم الكوابيس حياته خلسةً كلما أحس براحةٍ ، كي تفسد هدوءها .

الجبابرة يتلاعبون بمصيرنا ، و الطغاة يعبثون بأمننا ، و الطامعون يقتسمون مواردنا . و نحن لا ننفع للعير ، و لا نصلح للنفير . طبقاً للمثل القديم .
أما المتحكمون بكل الأصقاع و العباد ، بعدما ضجروا من حروبهم اللاهوتية التي دامت قرناً و ثلث القرن ، فقد أوقفوها ، و كبحوا جماح غرائز كهنتهم الطائفية بغير رجعةٍ .
و هاهم يصبوا زيت مصالحهم على نيران حروبنا المذهبية و الطائفية الغبية العبثية . كي يستفحل لهيبها تأججاً ، و تثير العواطف حميةً ، فتتعاظم حدتها توهجاً .
و لتصبح أوطاننا كرةً مشتعلةً ، تتدحرج بلا وجهةٍ . كمن تتلاعب به الأمواج و هو لا يجيد السباحة .

المستقبل مبهمٌ ، لعجزنا عن الإحاطة به ، و لأننا لسنا من نصنعه . و تبعات الأيام القادمة بحوزة ضمائر ميتةٍ ، و من صنع أيادٍ ليست أمينةً .
فبين الأياد الخبيثة الملطخة بالدم و العار و الضمير الميت من جهةٍ ، و قلة حيلتنا و انعدام وجودنا من جهةٍ ثانيةٍ ، تكمن مأساتنا ، و قصقصة أجنحة أحلامنا .