القراءة الماركسية لثورة أكتوبر الإشتراكية (8)

فؤاد النمري
2019 / 12 / 29

ليس للبورجوازية الوضيعة (Betty Bourgeoisie) نصيب في تقسيم العمل الإجتماعي عبر التاريخ فكان أن تطفلت في خدمة الإنتاج . طبعاً المتطفلون هم دائماً أتباعٌ وليسوا سادة ؛ غير أننا ولسخرية الأقدار نرى البورجوازية الوضيعة اليوم تمسك بصولجان السلطة في كافة دول العالم . بدأ ذلك في الإتحاد السوفياتي في خمسينيات القرن الماضي حيث كان انقلاب الجيش على الحزب الشيوعي وإلغاء مختلف مقرراته في مؤتمره العام التاسع عشر، وانتهى في الولايات المتحدة في الربع الرابع من القرن العشرين حيث استولت البورجوازية الوضيعة على 80% من مجمل الإنتاج . السؤال الفيصلي الذي يفرض نفسه في مثل هذا المقام هو كيف يتيسر للبورجوازية الوضيعة أن تحكم العالم وهي التي لا تنتج بل تخدم الإنتاج !؟
لا يمكن تفكيك مثل هذا اللغز الصعب الذي لا يتسق مع طبائع الأشياء إلا بتوافر شرطين ليسا متساوقين تماماً . الأول وهو الإنهيار التام للنظام الرأسمالي قبل سبعينيات القرن الماضي، والثاني عدم الإنتصار التام لمشروع لينين في الثورة الإشتراكية العالمية . مع توافر هذين الشرطين غير المتساوقين يخلو كرسي السلطة ممن يستحقه ليخطفه من لا يستحقه وهو هنا البورجوازية الوضيعة . وها هي البورجوازية الوضيعة تشغل كرسي السلطة في العالم كله وهي لا تستحقه بالطبع بموجب قانون علم الإقتصاد السياسي .
يمكن الإعتراض على هذه القراءة التاريخية للنصف الثاني من القرن العشرين من خلال مدخل واحد وحيد لا غير وهو البرهان القاطع المانع بأن النظام الرأسمالي لم ينهر وما زال يعمل ولو حتى في بلد واحد أوحد .

في نهاية الحرب العالمية الثانية إنفتح الأفق عريضاً لانتصار مشروع لينين الحاسم وانتقال العالم إلى الثورة الإشتراكية وعبورها إلى الشيوعية . كانت الأنظمة الرأسمالية في العالم تمثل فضلات التاريخ في سبيلها للإنقراض بفعل جبروت الثورة الإشتراكية العالمية الطاغي . لكن لماذا لم يتم ذلك وفقاً لمقتضيات نهاية الحرب !؟
ذلك ما يقتضينا العودة إلى قراءة التاريخ بكل تفاصيله ما بين نهاية الحرب 1945 ونهاية الثورة الإشتراكية 1953 .
قبل أسابيع قليلة من نهاية الحرب رحل لأسف البشرية جمعاء الرئيس الأميركي المتميز فرانكلن روزفلت صديق الشعوب في أميركا وفي العالم، وخلفه نائبه النقيض مجرم الحرب هاري ترومان . كان ترومان يمثل النقيض المباشر لروزفلت إذ كان قد فرضه كنائب للرئيس غلاة الرأسماليين أثرياء الحرب . مثل ذلك المجرم لم يكن على استعداد لأن يحرق السكان الآمنين في هيروشيما وناغازاكي بالقنابل الذرية فقط دون مقتضيات حربية، بل أن يحرق العالم أيضاً كيلا يتقدم إلى الأفق الإشتراكي المفتوح آنذاك . بلغت به الدناءة حداً يفوق أدنى حدود التهذيب الإنساني، فحال انتهاء القوات السوفياتية من تأمين انتصار الولايات المتحدة على اليابان - وبدونها ما كانت لتنتصر - طالب ترومان الإتحاد السوفياتي بإلحاح شديد إعادة كل السفن والشاحنات المؤجرة في الحال وأحرقت معظمها حال تجاوزها الحدود السوفياتية . في العام 47 اعتمد ترومان مشروع مارشال لمقاومة الشيوعية في غرب أوروبا وأنفقت أميركا على ذلك 12.5 مليار دولار وهو ما يساوي اليوم حوالي 300 مليار - ما يجدر ذكره في هذا الصدد هو أن الرئيس روزفلت كان قد وعد ستالين في مؤتمر يالطا فبراير 45 بقرض مالي يصل إلى 10 مليارات دولار لقاء مساعدة الإتحاد السوفياتي للولايات المتحدة في الحرب على اليابان إلا أن ترومان وبعد قيام الإتحاد السوفياتي بدور رئيسي في هزيمة اليابان حول القرض الموعود للإتحاد السوفياتي إلى العمل على مقاومة الشيوعية في غرب أوروبا . وفي العام 47 شكل ترومان وكالة المخابرات الأميركية (CIA) للتجسس ومقاومة الشيوعية . وفي العام 49 أقام ترومان حلف شمال الأطلسي لمقاومة الشيوعية أيضاً . كان من الطبيعي أن تبرز تبعاً لتلك السياسات الفاشية الخرقاء في مقاومة الشيوعية المكارثية (McCarthyism) التي تخطت حدود التعقل في ملاحقة أهل الفكر في أمريكا من فنانين ومثقفين وكتاب وزج آلاف منهم في السجون وطرد من وظائفهم عشرات الآلاف وبهوس مجنون تم إعدام الزوجين روزنبورغ .
السياسات الفاشية الحمقاء في محاربة الشيوعية التي أسس لها ترومان في نهاية الأربعينيات بعد رحيل روزفلت واعتمدتها الإدارات الأميركية المتعاقبة سرعان ما أدت إلى انهيار النظام الرأسمالي قبل بداية السبعينيات . عوائد النظام الرأسمالي الوفيرة بعد الحرب تكرست لمقاومة الشيوعية وليس لتطوير النظام الرأسمالي حتى الوصول إلى مرحلة الإمبريالية . وبناء عليه يمكننا القول أن الرأسمالية في أميركا لم تتطور نحو الإمبريالية بسبب تورطها في مقاومة الشيوعية .
ليس لأحد بعد كل هذا أن يزعم بأن الرأسمالية الأميركية أيضاً لم تلقَ حتفها على يد ثورة أكتوبر الشيوعية . في العام 71 لم يجد نكسون ما يغطي الدولار من الذهب أو الإنتاج البضاعي فكان أن اضطر للخروج من معاهدة بريتون وود (Bretton woods) التي تستوجب غطاء النقد بالذهب . وفي عامي 72 و 73 إضطرت إدارة نكسون لأن تعلن رسمياً تخفيض قيمة الدولار ثلاث مرات دون أن تفلح في تثبيت قيمته في أسواق الصرف الأمر الذي كان يعني دون أدنى لبس أو مداورة إلى أن نظام الإنتاج في أميركا لم يعد ينتج فائض القيمة ولذلك فقط لم يعد نظاماً رأسماليا مما اضطر الولايات المتحدة لأن تستنجد بمنظمة الكبار الخمسة (G 5) لأن تتكفل بتثبيت سعر صرف الدولار في أسواق المال عن طريق المضاربة ليس غير .
ونعيد التأكيد هنا على أن تفقد أميركا كل غطاء لنقدها من الدولار في العام 71 فذلك يعني دون أدنى شك أن نظام الإنتاج فيها لم يعد نظاماً رأسماليا ينتج فائض القيمة، وكل إدعاء غير هذا إنما هو الإفلات من المحاكمة والتنصل من المسؤولية في معرض الإستهانة بمستقبل البشرية .

الشرط الثاني وهو عدم الإنتصار التام لمشروع لينين في الثورة الإشتراكية العالمية .
المعلوم أن الإمبريالية الأنجلوفرنسية حاصرت قوى الإنتاج الكبرى في ألمانيا كيلا تمارس الإنتاج على الطريقة الرأسمالية وتنتج البضائع كما اشترطت معاهدة فرساي 1919 ، وهو ما يسّر لقوى النازية أن تحوّل ألمانيا إلى معسكر حربي لا شبيه له في العالم، ينتج الأسلحة المتطورة ولا شيء غير الأسلحة 1933 – 38 .
في سبتمبر 38 عقد مؤتمر ميونخ سيء الذكر حيث قدمت الإمبريالية الأنجلوفرنسية، ممثلة بالرئيس الإنكليزي تشيمبرلين والرئيس الفرنسي دالادييه، جوائز ترضية لكل من هتلر وموسوليني تأكيداً لانسحاب انجلترا وفرنسا من مواجهة النازية والفاشية مؤملتين توجيه العدوانية النازية نحو الإتحاد السوفياتي عدوهما المصيري .
اتفاقية عدم الإعتداء (مولوتوف – رابنتروب) الموقعة في 23 أوغست 39 بين هتلر وستالين قبل اسبوع واحد فقط من إعلان الحرب العالمية لثانية في الأول من سبتمبر 39 لم تحمِ الإتحاد السوفياتي من عدوانية هتلر وغدره . ففي الساعة الأولى من صباح 22 يونيو حزيران 41 اقتحم الحدود السوفياتية 180 فرقة نازية مجندة من ألمانيا الهتلرية وثلاث عشرة دولة أخرى موالية . طبعاً الدولة السوفياتية لم تكن على استعداد تام لمواجهة مثل ذلك العدوان الكبير الغادر . الدول الغربية الكبرى الثلاث انتظرت استسلام الإتحاد السوفياتي لهتلر قبل انتهاء العام 41 كما كان قد تنبأ تروتسكي وصدقه هتلر .
العقول البورجوازية القاصرة لا يمكن أن تدرك حميّة الشيوعيين وتضحياتهم في الدفاع عن قضيتهم، قضية البروليتاريا، وأن ستالين سيقود حرباً شعواء ضد الأعداء حتى في فلاديفستوك على المحيط الهادي ؛ لا يمكن للإتحاد السوفياتي أن ينهزم حتى لو جند هتلر ثلاثة أضعاف جيوشه أي أكثر من 500 فرقة ولا غرابة فالإتحاد السوفياتي كان قد جند 1000 فرقة وبأسلحة تفوقت على الأسلحة الألمانية كما ونوعا لما يماثل الثلاثة أضعاف في السنة الثانية للحرب .

من المفيد أن يذكر في هذا المقام أن الاتحاد السوفياتي خسر في الحرب 9 ملايين جندياً و 106400 طائرة و 83500 دبابة وزهاء 20 ألفاً من المدنيين بالإضافة إلى حرق وتدمير عشرات الآلاف من المدن والقرى لكن ذلك لم يؤشر إلى نهاية ثورة أكتوبر ونهاية مشروع لينين بل أشار إلى العكس تماماً، أشار إلى أن ثورة أكتوبر البلشفية غير قابلة للهزيمة خلافاً لما يعتقده العامة ومنهم الشيوعيون المفلسون

(يتبع)