تصورات اجتماعية حول تظاهرات الشباب

محمد لفته محل
2019 / 12 / 28

_في هذه المرحلة من الثورة يحتاج الحراك الى قيادة "كاريزمية"(حسب معنى فيبر) وذلك لانعدام وجود مؤسسات راسخة، واذا وجدت فهي بلا شرعية ثورية. ولجدة العمل الثوري في العراق الحديث. يضاف لذلك من طبيعة السلوك الجمعي هو الابتكار والتأسيس لتقاليد جديدة.
تعريف السلوك الجمعي: ذلك الحقل من علم النفس الاجتماعي الي يعني بدراسة الظواهر التي هي ما بين السلوك الجماعي المنظم عل أساس القواعد والتقاليد من طرف، وما بين السلوك الفردي من طرف آخر.
واكد "بلومر" ان السلوك الجمعي هو الذي يظهر تلقائياً والذي هو ليس نتاج التقاليد او الفهم المشترك الموجود مسبقاً وسلفاً. وان الباحث في هذا الموضوع ينبغي فهم الاسلوب الذي يظهر بواسطته نظام اجتماعي جديد، لان ظهور نظام اجتماعي جديد يعني ظهور ضروب جديدة من السلوك الجمعي. والسلوك الجمعي يمكن مقارنته ومعارضته بالسلوك المؤسسي لان السلوك الجمعي ينمي قواعد لم تصور ولم توجد في المجتمع الاكبر، قد تعارض او تغير القواعد المرعية في المجتمع. (الكعبي، 1973: 94، 144)
واذا اردنا فهم التظاهرات وفق السلوك الجمعي الذي يتميز بالخروج على التقاليد المألوفة. فإننا سنجد سلوكيات جديدة ظهرت في ثورة الشباب مثل: المساواة بين الاعمار وشبه المساواة بين الجنسين، تدخل عامة الناس بالشأن السياسي لإصلاحه خارج سلطة الاحزاب، استعادة المقدس من الرموز التقليدية الى الشعب، الايثار والتعاون والاخوة خارج العلاقات القرابية والدينية، الاحتفالات الجماعية خارج المناسبات الاجتماعية، تبعية البالغين للشباب، دعم العشائر للثورة، سقوط فكرة الدولة الأبوية والتمرد عليها من خلال ادارة الشباب للساحات العامة والتحكم بفتح واغلاق الطرق والمؤسسات بأمر الشعب، نقل للسلوكيات الطقسية الدينية الى مجال دنيوي (مواكب، لطميات) في المقابل فان هذه المواكب تضفي بعدا دينياً للثورة اي على شأن سياسي مثل تسمية جبل احد، واعتبار الضحايا شهداء. لأول مرة يشيع الشهداء في ساحات التظاهرات محمولين على دراجة "التكتك"، استخدام الجدار كوسيلة تعبير ثوري، تولي سائقي التكتك الاسعاف بدل السيارات الطبية، استخدام العلم والكمامات والخوذ كرموز للثورة، عمليات التبرع التي قام بها تجار وموظفين واطباء بالمال او بالخبرة او المساعدة. الترويج للمنتوج العراقي. مع ذلك تمت عملية نقل لسلوكيات اجتماعية مألوفة لكن بتوظيف جديد مثل الأخوة والتعاون التي نقلت من العشيرة والطائفة الى الثورة. وهذا كله تعبير عن مخاض تغير اجتماعي سيتبلور في المستقبل.
من مفارقات البعض الذي ينادي بالدولة المدنية واقتلاع الاحزاب الدينية. ان هذا البعض يطالب من المرجعية الشيعية بالتدخل ويصب جأم غضبه على عدم صراحتها! وكأننا في دولة ولاية الفقيه!. وهذا الطلب طبعا يعمل بالضد من الدولة المدنية ويصب في صالح الاحزاب الدينية. وهذا ما دعى المرجعية ان تذكرهم انها ليست ولاية الفقيه. ثم ماذا يعني تصور ان الحل كله بيد جهة واحدة هي المرجعية غير نوع من الاتكالية على البطل او المنقذ الذي نبحث عنه في المرجعية! ثم هل حقاً ان المرجعية بيدها كل الحل؟ الم تفتي بحرمة اطلاق العيارات النارية في الهواء؟ فماذا كان الرد الشعبي غير المزيد من الضحايا في شتى المناسبات السعيدة والحزينة! الم تفتي المرجعية بحرمة الفساد، والفساد يزداد ويتضخم ويمارسه المتدين وغير المتدين! الم تفتي بتحديد مبلغ معقول للدية، والعشائر تتبارى في التنافس على زيادة مبلغ الدية!. ثم يقول البعض ان المرجعية تستطيع كنس الطبقة السياسية بفتوى واحدة مثل فتوى الجهاد الكفائي! والكل يعلم ان هذه الميليشيات موجودة قبل الفتوى بل حتى ان بعضها موجود قبل ان يتولى السيستاني قيادة المرجعية، مثل فيلق بدر. فهذا التصور يضرب اساس الدولة المدنية ويضرب المرجعية بتحميلها المسؤولية وحدها! ويضرب فكرة مسؤولية الشعب في تغيير وضعه السياسي، ويدعم بقاء الوضع على حاله بانتظار المنقذ الذي لن يأتي.
هناك ملامح مشكلة تبدو على المتظاهرين ظهرت قبلها في الثورات العربية وهي المثابرة على اسقاط الانظمة القائمة فقط، او جعل سقوط النظام غاية بذاتها، بدون التفكير بالمرحلة الانتقالية او البديل، فما معنى ان يترك المتظاهرين لهذه النخبة الفاسدة حق اختيار رئيس وزراء بدون ان يرشحوا رئيس وزراء من صفوفهم ثم يخرجوا ضده، وهم من سمحوا لهذه النخبة باختياره!. وان غياب الاليات الديمقراطية داخل حركات الاحتجاج التي تكفل تقسيم العمل تنظيميا من جهة وتكفل اظهار صوتها ومطالبها للمجتمع والعالم الخارجي لهي مشكلة جسيمة وخلل خطير يؤشر الى اخطاء تحسب على هذه التظاهرات. وهذا ما يعطي للطبقة الحاكمة فرصة البقاء واللعب على انقسام الاحتجاجات والسيطرة عليها تدريجيا.
بدأت تنتشر اشاعات بين بعض الذين لم يزور التحرير ان هناك عاهرات في الخيم او المطعم التركي بأسعار رخيصة، ثم انتشر فيديو قديم ذو مضمون جنسي عن سائق تكتك بقصد التسقيط للتظاهرات. ومعروف للكثير من وراء ذلك من الذين يحترفون السمسرة (الكواده) ويعتاشون منها من الاتاوات التي تؤخذ شهرياً من النوادي الليلية والمساجات وابتزاز الأطباء والمقاولين وغيرهم، وهم ذاتهم من يتحدث بالشرف ويتهم العلمانيون والمدنيون باللااخلاقية! وكما يقول المثل "عيب المعيوب وط.. منكوب"

انطباعات إناسية عن ساحة التحرير:
_عند ركوبي الباص (كيا) صباحا (2019/10/25) للذهاب لشارع المتنبي سمعت الركاب يتناقشون حول المظاهرات وقبل اسبوع كان الموظفون قلقين من عدم استلام راتبهم قبل 25، بينما بعض الناس راح يخزن الوقود او الطعام تحسبا لغلق الطرق، ويطرحون السؤال حول جدوى المظاهرات "المظاهرات تجيب نتيجة؟" او "تسوي شي، هاي المظاهرات؟" وطول الطريق الشوارع سالكة والسيارات قليلة، بينما "همرات" وشاحنات الجيش والقوات الامنية منتشرة تلبس العلم العراق على صدرها كشريط مائل (يمتد من اعلى الكتف الايسر الى الخصر الايمن) وحتى شارع المتنبي شحيح بباعة الكتب. واثناء تقليبي للكتب المتكدسة مر شخص قائلا: "طلعو للمظاهرات، لو بس تقرون كتب."
توجهت راجلاً لساحة التحرير وبجنبنا تمر سيارات الكيا تنقل المتظاهرين يحملون الاعلام اليدوية او الملفوفة حول العنق مثل الكوفية. قبل الوصول للساحة سمعت دوي يأتي من الساحة، وتفاجئت بعدم وجود تفتيش عند دخولي الساحة. وجدت المتظاهرين بالآلاف حول الساحة معظمهم يلبس كمامة طبية او يلفون العلم بدلها او يلفون الملابس كبديل آخر، هناك من يحمل الحقائب خلفف ظهره ويحمل وردة، والبعض منهم يحمل قناني ببسي بلاستيكية مثقوبة من السدادة يعصرون الببسي على وجوه المتظاهرين الذين تعرضو لغاز القنابل المسيلة للدموع. وهناك بعض افراد الامن بين المتظاهرين يحملون ايضا قناني ببسي، ورايات للعلم العراقي او للطائفة الشيعية (مكتوب عليها "ياحسين"، او "ياعباس"، او "يارقية"). والكثير يحمل هاتفه يصور او يلتقط صور شخصية او للمتظاهرين، والبعض يحمل سماعات مكبرة بالشاحن يشغل موسيقى "الطريق الى الفردوس" (احدهم شغل خطبة المرجعية) والبعض الآخر يرفع صور ضحايا المظاهرة السابقة، بينما شباب كثير يعتلي البناية المجاورة للجسر (المطعم التركي قبل ان يسمى جبل احد) بالمئات يصورون ويهتفون. ودراجات التكتك ودراجات الحمل الى جنب سيارات الاسعاف تجوب بين المتظاهرين لنقل الجرحى للمستشفيات.
"بالروح بالدم نفديك ياعراق"، "نموت عشرة، نموت مية، اني قافل عالقضية"، "حرامية حرامية، كلهم شلع قلع حرامية"، "هيهات منا الذلة"، "سلمية، سلمية". هذه الهتافات التي سمعتها. اما الشعارات المكتوبة: "الرحمة لشهداء العراق"، "نازل اخذ حقي"
عند توجهي للجسر حتى هب المتظاهرين فجأة يركضون وخلفهم دخان يتصاعد من قنبلة مسيلة للدموع بينما ركض صوبها عدة شباب حملوها وقذفوها بعيداً او باتجاه القوات الامنية فلاقى هذا السلوك الشجاع تصفيق البقية، او يردد المتظاهرين "علي وياك علي"، بينما هب اصحاب قناني الببسي يبخون الببسي في وجوه المختنقين او من تسيل دموعهم،(ذقت شخصيا حٌرقت الجفون والبلعوم الذي يضيق التنفس) مكررين عبارة: "لاتحك عينك، ولاتغسلها بالمي، دير بالك". وعندما يركض المتظاهرين هربا من الغاز يصيح البض غالبا: "لاتركضون" او "لاتشرد" او "لاتدنك راسك، لاتخاف منهم". بعدها صفرت اذني من قنبلة صوتية القيت امامي كانت عبارة عن وميض نار خاطفة مع صوت قوي جدا، كانت تلقى على من يقترب من الحاجز الامني.
بدأ المتظاهرون رغم كل القنابل الملقاة على رؤوسهم يجبرون القوات الامنية على التراجع، بينما المتظاهرون يتمترسون على جوانب الجسر ويتقدمون اكثر وذلك بدأ من الساعة الواحدة ظهرا. واستمر التراجع وتقدم المتظاهرين والقنابل تزداد سقوطا عليهم، وتزداد الجرحى سقوطا (شاهدت شخص ظرب من الخلف بقمة راسه بشيء سمعت منه فقط الصفير سقط على وجهه وشهق، وعندما حمله المتظاهرون كان هناك بقعة دم من رأس ومتظاهر قريب عليه ملقى ايضا على الارض)، بينما اغلب المتظاهرين يقفون في الساحة متفرجين على مايحدث على الجسر فقط مكتفين بالهتاف. وهذا ما اثار متظاهرين الجسر الذين ينادي بعضهم:"تعالو اصعدوا، لو نصعد سوية نعبر للخضراء" او ينادي البعض من يعتلي العمارة "تعالو انزلو، لو بس تصورون؟" حتى ان احد الاشخاص كان يدعوا المتظاهرين للصعود وهو بلا قميص قائلا بحرقة: "تره الموت واحد، والله الموت واحد". استخدم المتظاهرين الحجارة التي ينقلونها بأسطل (مفردها سطل) من اسفل الجسر ليرمونها على القوات الامنية او يرمون النعالات صوبهم عبر الجدار الخرساني. وبين الحين والاخر تهب ركضة من المتظاهرين صوب الجسر او تأتي مجموعة تحمل علم عراقي كبير بالعرض. واثناء ذلك يوصي المتظاهرين بعضهم البعض "ارفع راسك" خوفا من سقوط القنابل عليه مباشرة. وصل الشباب عند الجدار الخرساني ولم يستطيعوا ان يجتازوه. لكن البعض اعتلاه، ورأيت شاب يرفع بيد العلم العراقي بينما يرفع يده الاخرى مشيرا علامة النصر باصبعيه. وفي هذه الاحداث كانت الشتائم تطلق مثل: "انعل ابو عادل زوية" "جبناء اكبر جبناء" (يقصد الوات الامنية) وسمعت شخص يقول بغضب: "ذولة الا واحد يفوت عليهم بسلاح" وقد رددها اكثر من شخص وجميهم ليسو من الشباب. وسمعت ايضا قناعات لدى المتظاهرين عن هروب بعض الساسة لخارج العراق "نصهم سافرو بره". وسمعت آخر يقول: "فدوى للعراق الما فادني بشي". وهناك لقطة اعجبتني لمتظاهر يبلغ نظيره: "ياولد العلم جواك" فرفعه من الارض ووضعه على سياج الجسر.
بقيت من الساعة 11ص الى 6م، فمع الغروب انهكت قواي وقررت ترك الميدان، الذي ظل يتوافد عليه المتظاهرين اثناء خروجي. وللتنويه انا لم اكن متظاهرا انما راصدا فقط دون ان اخفي اعجابي بهؤلاء المتظاهرين وحقهم المشروع بالإصلاح.
التحليل الاجتماعي للمظاهرات:
ان ينخرط عامة الناس في الانشغال بالحديث عن المظاهرات وطرح السؤال عن جدواها بعدما كان اليأس المسبق يأتي جوابا مسبق على اي محاولة تغيير للنظام السياسي، فهذا يعني ان هذه المظاهرات حركت الرأي العام بل وزحزحت قناعاته النمطية المسبقة. فالسؤال عن جدواها من عدمها بحد ذاته اعطاها شرعية اجتماعية.
هناك نقطة مهمة وهي رفع المتظاهرين للرايات المذهبية في الوقت الذي احرق المتظاهرين بعض مقرات الاحزاب الاسلامية ونقد المرجعية ورفض تدخل الصدر على وسائل التواصل. فهذا يعني انه عملية سحب الشرعية المقدسة من السلطة الى المتظاهرين. اي بما ان الحكومة ادعت الشرعية بالاستناد الى قداسة المذهب والمرجعية لتبرير وجودها، سحب المتظاهرين هذه الشرعية المقدسة ورفعتها ضدها بالشعارات والرايات لتفسير وجودها، بتعبير آخر ان نقل "الحسين" من الحكومة الى الشعب، يجعل الحكومة في موقع النقيض (يزيد). وفي نفس الوقت فإن هذه المظاهرات ضربت فكرة المحاصصة السياسية، فاذا كان الشيعة يتظاهرون ضد حكومة تمثلهم طائفيا، فأن فكرة تمثيل المكونات سياسيا بحد ذاتها بدون حقوق، فكرة تحتاج لمراجعة لانها مغلوطة.
النقطة الاخيرة، ان هذه المظاهرات رغم اختلافها عن سابقتها (2015) فانها استفادت من اخطائها، فرفضها القيادة الحزبية، وعدم الاكتفاء بالهتاف، والاحتكاك بالقوات الامنية اعطاها زخما اجتماعيا.
اخيرا يقال الامور بخواتيمها. وهذه المظاهرات لايمكن تقييمها بالكامل الا بعد تمامها، كي يتسنى لنا تحليل الحدث كاملا. ويمكن اقول انها تعاني من نقاط ضعف هي تشتتها وعدم وجود مجتمع مدني منظم داخلها، وعدم (وهذا هو الاهم) تشخيصها للمشكلة الاساس للأزمة العراقية وهي الاحزاب والميليشيات الظل المتحكمة بالحكومة غير رسميا ورسميا.
في اليوم التالي وصلت الساعة 4م للباب الشرقي (2019/10/26)، وبعض هتافات المتظاهرين تحت الجسر وعند مدخل الشارع بعض القوات الامنية توزع الماء في كراتين صغيرة تضعها بين اقدامها، واثناء الطريق سواق التكتك ينادون المتظاهرين الوافدين "للتحرير بلاش" يوصلونهم مجاناً، مررت بشخص يوزع لفات فلافل مجانا من دراجته وآخرين يوزعون الكمامات مجانا. بدأ التجمهر من المرآب (كرج) وكانت هناك اربع خيم كبيرة على جانبي النصب (التحرير) بالتساوي. مكتوب على احداها لافته "عشيرة البهادل". وكثير من المتظاهرين متجمعين في الفروع المحيطة بالتحرير تجنبا من القنابل الغازية، بينما الشباب المتفرج يعتلي البناية المجاورة ويهتف بين الحين والاخر او يطلق العاب نارية. ورائحة الغاز تشبعة بالميدان.
صعدت الجسر وعلب (كراتين) الماء على رف الجسر الايسر مع قناني ببسي ولفات متروكة وعلب طعام رز سفري واكياس قمامة ممتلئة بعلب الماء الفارغة. وعند نهاية الجسر القوات الامنية تغلق قطعتان الخرسانية التي اسقطها المتظاهرين، الذين لازالوا يحاولون اختراقها.
عند الساعة 04:55م انسحبت القوات من الفتحة الخرسانية متراجعة للوراء للحاجز الاحتياط. وعلا ضجيج المتظاهرين يدعون البقية لصعود الجسر، ودخل المتظاهرين من فتحة الجدار ووجدوا القوات الامنية وجها لوجه (رايتهم لاول مرة) يلبسون الخوذ السوداء ذات الواقي الزجاجية وبأيديهم المصدات البلاستيكية الشفافة. دار هرج مرج كلامي بين المتظاهرين لم استطع ان افهم منه شيئا، وانقسم المتظاهرون بين مدافع عن القوات الامنية وبين غاضب، وشكل المدافعون درعا بشريا بالايدي امام القوات، والبعض منهم يلتقط سلفي معهم. سمعت احد عناصر الامن يقول للمتظاهرين: "اخاف عليك، والله يضربوكم" (يقصد القوات الخلفية) واضاف: "والله خمس تيام مانايم". راح بعض المتظاهرين يلقي المتاريس من فوق الجسر. والبعض الاخر بدأ هتاف المتظاهرين يعلوا: "اخوان سنة وشيعة، هذا الوطن مانبيعة"، "الجيش ويانا، مو جيش احزاب"، "سلمية، سلمية"، "لاتصير ويه الظالم ياجيش". وانشغل البعض الاخر بزحزحة الصبات الاولى جماعيا وقد نجحوا بعدها باسقاط صبّة ثانية واقفة (05:38م) وكل فترة يهتفون هتافات مثل: "هما هما اجو للموت، مو احنا اجيناهم، هما اللي بدو، علينا واعتدو"، "اليوم نبقى للصبح"، "الليلة حنته باجر يزوجونه"، "منصورة يابغداد" وبين الحين والآخر تشتد المحاورة بين شاب وبين عنصر امي فيفرق بينهما بعض المتظاهرين. واكثر مشهد صدمني هو وجود حبيبان وسط التظاهر على الجسر يحتضنها بجسده حماية لها وقد اوصاه المتظاهرون بكل ود بالابتعاد عن الخطر، بينما راح البعض يصورها غطت وجهها وطلبت منهم عدم تصويرها بينما البعض القليل اطلق عبارات سخيفة، فقالت لهم بشجاعة: "آني عرضكم، وجايه اطالب بحقوقي مثلكم" ثم هتفت مع الهتافات. بدأ الظلام يخيم وانواع الهواتف تتلالأ من البنايات والمتظاهرين على الجسر.
بعد ساعة كانت القوات تتراجع رويدا رويدا امام دفع المتظاهرين، ثم قام مجموعة باختراق صف القوات، عندها انهالت علينا بالماء والقنابل الصوتية بكثافة وقرفص المتظاهرين مغطين رؤوسهم فقامت القوات بالقاء القنابل باتجاهنا مباشرة، وهرعنا نركض فسقطت ارضا وداسني شخص وتعثر بي آخر، وعندما نهضت ارتطم بي شخص مسرع فسطت ارضا واستعنت بالسياج للنهوض، وعندما نهضت دفعني شخص قائلا: "اركض". وحينما وصلت لفتحة الخرسانة متاخرا كان مزدحماً حد الالتصاق، حاولت ان ادخل بينهم فلم استطع قلت: "ياولد سويلي مجال"، واثناء هذه اللحظات اصبت بقنبلة صوتية في ظهري مباشرة، فدخلت من الفتحة بعد ثواني وكان المتظاهرين متجمهرين خلف خرسانات الصد الاولى. ونزلت من الجسر دون ان ادري مابي بسبب الظلام، ثم انتبهت لاصابة في ذراعي بعدها لمست الدم في ظهري، ورأيت حفر جلدية في اسفل ظهري، عندها طلبت الاسعاف، أخذوني لمستوصف قد الطبيب قميصي من الخلف وضمدني واخرج من جرحي الشظايا، ثم ارسلوني لمستشفى "الشيخ زايد" وبعد الضماد خرجت وفي ذاكرتي عشرات الاسرة تمتلئ بالجرحي والمختنقين.
_انطباعات مكثفة سريعة:
اليوم (2019/11/4) زرت التحرير بعد خروجي منه مصابا قبل جمعتين، وقد تغير الوضع كثيرا جدا، بحيث عجزت عن تسجيل كم الصور الهائل الذي شاهدته، فمن الجانبين خلف النصب الخيام منصوبة وعليها شعارات واسماء عشائر معلقة، يرافقها تقديم الخدمات الطبية والغذائية على طريقة المواكب في طقس الزيارة. والناس يدخلون افواجا ويخرجون افواجا. وحديقة الأمة كذلك تضج بالخيام والناس المتجمعة على شكل حلقات سمر، وعند الساحة الناس متجمهرون وضجيج السماعات صطرني صطر، وثلاث جنازات تشيع بالساحة، واللافتات والتعليقات على الحيطان لاتعد ولاتحصى. صعدت للمطعم التركي وجدته اشبه بمدينة صغيرة حتى سيارات التكتك تجوب بها والفراشات والاغطية على حوافها، وقد تبرع المتظاهرين بتفتيش الداخلين وتنظيم مسارات للدخول او الخروج فقط، وهذا الشي تكرر في الساحة حيث تطوع البعض لتنظيم السير والببعض تطوع لحمل اكياس القمامة، وعندما صعدت الجسر وجدت خيم الطبابة قد نصبت عليه، والمتظاهرين يفرشون فراشاتهم على صبات الجدار العازل في جسر الجمهورية، ثم خرجت من التحرير .واتصور ان فريقا من الانثربولوجين يتوزع على المكان وحده يستطيع تغطية الحدث نسبيا.
_البارحة (2019/12/10) زرت ساحة "الخلاني" الساعة 6م بعد مجزرة السبت الدامي بيوم. وبعض الخرسانات العملاقة (تعادل الواحدة اثنين من الخرسانات المرتفعة) المحيطة بالساحة متساقطة تعطي انطباع الاول لهول ماحدث، اذ يبدو ان الحكومة وضعتها للحؤول دون الوصول للجسر. وبعد اجتياز التفتيش بجانب الخرسانات المتساقطة شممت رائحة بقايا الدخان المنتشرة، وانتبهت لواجهات المحلات المحروقة او المكسرة وانعدام الضوء في الشارع الواصل بين الساحة والجسر بحيث يبدو المنظر كئيبا مخيفاً ما اعطاني انطباعاً بان المكان وكأن حربا جرت فيه بين قوتين. انتابني الخوف من المسير واردت ان اسأل عن درجة امن الطريق، وما ان لمحت بعض المارة حتى تشجعت واتجهت للجسر وكنت التفت لابسط الاصوات حولي في الظلام. عدد المتظاهرين لايتجاوز 200 متناثرين والخيم لاتتعدى العشرة، والجسر وحده من ينعم بالاضاءة، والشباب جنب الطريق تتسامر وتتدفئ حول النار في ببراميل صغيرة، وتضحك كأن شيئا لم يكن. خضعت للتفتيش عند صعودي للجسر، وانتبهت الى وجود اجهزة نادء لدى المتظاهرين، وجدت خيمتان واحدة مفرزة طبية واخرى للمنام وخارجها شخص يوزع الشاي للعامة، وصور الشهداء معلقة على الجسر، انسحبت بعدما سمعت اطلاقات من داخل الجراج المحاذي للجسر واسرعت في خطاي ورجع شابين كذلك عندما سمعوا الصوت، وسارت دراجات تكتك مسرعة باتجاه الجسر ولم اتبين حقيقة ماحدث.
_________________
_د.حاتم الكعبي، السلوك الجمعي، الجزء الاول، ساعدت جامعة بغداد على نشره، الطبعة الاولى، مطبعة الديوانية الحديثة_الديوانية، 1973.