بس خلاص

سوزان العبود
2019 / 12 / 27

رن منبهه الخليوي على الساعه السابعة إلا ربع .. ، بالتحديد قبل ربع ساعة من الوقت المحدد لبدءه التحضير ليوم جديد
وقبل أن يغسل وجهه أغلق المنبه وفتح موقع الفيس بوك يطالع الرسائل وآخر الأخبار .
توسعت  عيناه عندما بدأ بقراءة أول بوست ظهر على الصفحة  الزرقاء والخبر يقول :
تناولت صحف مصرية وعربية حالات الإنتحار في مصر والتي بلغت ثلاث حالات في أقل من 48 ساعة، إذ قام شاب  بإلقاء نفسه من برج القاهرة ، ورمى آخر بنفسه تحت عجلات مترو الأنفاق ، بينما ألقى ثالث بنفسه في ترعة الإبراهيمية في أسيوط .
همس قائلاً  لنفسه " في أقل من  48 ساعة "  أخذ ثلاثة أشخاص القرار بأن لا شئ في الحياة يستحق أن يعاش .
عائداً  إلى لا مبالاته تابع تحريك الشاشة لتظهر صورة فنانة مشهورة وقد خلعت حجابها و النص تحت خبر يقول :
تصدرت الفنانة فلانة ، منصات التواصل الاجتماعي بعد ساعات من إعلانها خلع الحجاب ، ليدخل" وسم" بإسمها ضمن القائمة الأعلى تداولاً  على موقع تويتر .
في تلك اللحظة بالذات  طنت في أُذنيه أصوت الطائرات الحربية تقصف قريته الصغيرة ، وتذكر كيف ارتمت أمامه جثث الأطفال الصغار .. ، من أقربائه وأولاد الجيران الذين كانوا يتقافزون فرحين حوله قبل يوم واحد في الشارع ، الأطفال الذين لم يسمع عنهم أحد ولا نالوا  "وسم" ضمن القائمة الأعلى تداولا على مواقع النت .
ما " أتفه هذا الكوكب " كانت العبارة التي همس بها بينه و بين نفسه .. ، تابع إبهامه الحركة على الشاشة ، ليقرأ
البوست المباشر الذي بعده و كان الخبر لايقل سوداوية عن الخبر الأول :
لقي لاجئ سوري حتفه ، اليوم الخميس ، في العاصمة الألمانية ، برلين ، بظروف غامضة ، وقالت مصادر مطلعة إنَّ السلطات الأمنية الألمانية عثرت على جثة اللاجئ ، مَلقية في حديقة مخيم اللاجئين .
وأضافت المصادر أنَّه لم يكن يعاني من أي حالة إكتئاب أو عوارض لميول إنتحارية .
أضحكه الخبر على الرغم أنه مؤلم ، وهو أيضاً اللاجئ القابع في الكامب الهارب من الحرب ، المنتظر منذ سنه ونصف مصيره المجهول ، وابتسم ابتسامة عريضة حتى بانت نواجذه لحظة قرائته جملة " لم يكن يعاني من أي ميول انتحارية " .
تابع  تحريك إبهامه على الشاشة وتوقف عند منشور  لأحد أصدقائه من زملاء المهنة ، وهو فنان عراقي  نشر صورة عمل جميل بالألوان الزيتية  معنون :
" وجه لشاب عراقي قتل اليوم في المظاهرات "
العمل عبارة ملامح متبقية من وجه شاب والأسى يسيطر على الملامح المتبقية منه ورغم إعجابه الشديد بالعمل الفني ، لم يضغط على أي من الخيارات المتواجدة :
لايك ، أحزنني ، أحببته ، أغضبني .
فقط تابع التصفح .. ، لتظهر  أمامه  صورة لثلاث قطع من فاكهة الموز  كل قطعة معلقة على الحائط بلاصق وأسفلها نقطة حمراء تَدل أن العمل مباع ، أما المقال فمعنون :
(العمل الفني "موزة مثبتة على الحائط" بيعت بمبلغ ١٢٠ الف دولار )
بيعت نسختان من عمل فني عبارة عن قطعة موز مثبتة على الحائط بمبلغ 120 ألف دولار ..
ويقول المنظمون  العمل الفني بيع لقاء 120 ألف دولار للنسخة الأولى و الثانية ، فيما تم رفع سعر النسخة الثالثة لنحو 150 ألف دولار .
للحظات نظر إلى أعماله الفنية المعلقة على الحائط والتي هي نتاج الحرب ، الألم ، الفقدان ، واللجوء ، ثم نظر الى الجهة المقابلة لسريره وكانت موزة مستلقية بدلال على الطاولة  ، قشرها وقضمها بهدوء ، و تابع ... ، ليتعثر  بصديق كان يرثي الفنان الشعبي شعبولا متردداً كاتباً :
لا تجوز على الميت الا الرحمة .
المنشور مرفق بصورة لشعبولا بثيابه المزركشة والمتعددة الألوان  والساعات العديدة التي تزين يديه و فيديو لإحدى أغانيه ، فتحها ليسمع الاغنية  التي أبتدأها مقدم مشهور بتقديمه الفنان بالكلمات التالية :
الحاجه الغالية غالية وبيليه دماغه عالية ٠٠ جاله عقد في الكويت خد تاكسي وراح ايطاليا ..
نقدم الفنان الكبير ملك الغناء في مصر والعالم العربي .. شعبولااااااا
بعدها علا تَصفيقٌ حار ، وتقدم شعبولا بصوته الأجش :
حبطل السجاير و أكون إنسان جديد
و من أول يناير خلاص حشيل حديد
هييييييي هييييييي
...
و أقول على الباشا باشا و النَّدل أقولو ياااااه ، و النَّدل أقولو ياااااه ..  وهييييييي
أشعل سيجارة  باليد اليمنى و باليسرى استقر الخليوي يصدح بالأغنية و بلاشعور ، كَالمُخَدَر رفع يديه واقفاً على السرير يحركهما يمنةً ويسرة مع اللحن ، ويهز خصره كلما صَدحَ شعبولا ب هييييي هييييي هييييي
وظل يتلوى راقصاً حتى سقط مغشياً عليه عندما خَتَم شعبولا أغنيته بالجملة الشهيرة التي ينهي فيها بحَزم أغلب أغانيه ، الجملة التي اختصرت أحداث " القرن "  :
" بس خلاص "