موجات الحراك الشعبي في الشوارع العربية

كاظم الموسوي
2019 / 12 / 24

بدأت الموجة الأولى من الحراك الشعبي نهاية عام 2010 في تونس وانتشرت شرارته الى مصر وليبيا واليمن وسورية والبحرين.. كل حسب ظروفه وعوامله وأهدافه، بعد انتظار ومقارنات بين ما حصل في مناطق مجاورة للوطن العربي أو بعيدة عنه. نجحت المجموعات التي قادت الحراك في تونس ومصر من تحقيق تغيير، في اجبار الرئيس المصري محمد حسني مبارك على التنحي (2011/02/11) وعلى هروب الرئيس التونسي زين العابدين بن علي ( 2011/01/14) من بلده. وتعثرت قي البلدان الاخرى، لظروف كل بلد وتميزه عن غيره، الا أن التدخلات الخارجية بشتى صنوفها لعبت دورها في كل الأوضاع ودرجات اختلافها.
حرق المواطن التونسي محمد بوعزيزي نفسه، يوم 17كانون الاول/ ديسمبر 2010 فنقل ناره الى الشوارع العربية، في المدن التونسية وبعدها في غير مدينة وعاصمة. أطلق على هذه الموجة إعلاميا بالربيع العربي، مقارنة بما حل في أوروبا من ربيع ملون وتسميات متعددة. والابرز في الموجة الأولى وقوف القوات المسلحة موقفا أشبه بالمحايد أو نصف المؤيد للحراك في اغلبها، وهو الأمر الذي فرض نفسه على الرئيسين، التونسي والمصري اولا، وفتح الطريق أمام التغيير، والاتفاق بين القوى السياسية في البلدين على قرارات انتخابات ودستور ووجوه جديدة وقديمة من المعارضة السابقة والجديدة التي شاركت في الحراكات والانتخابات، ثانيا. ووضع أسس عملية سياسية لاول مرة تعلن رفض الديكتاتورية والإستبداد المتسلط قبل دم البوعزيزي وخالد سعيد. فكان حراك25 كانون الثاني/ يناير2011 في مصر متواصلا مع غيره في تحقيق اهم مطلب شعبي، الا أن ما حصل لم يكمل المشوار. وكانت المترادفات في الساحات الأخرى قد تعرض الى انتكاسات واضحة من تدخلات خارجية، كما حصل في دور الناتو في ليبيا وتدخل دول خليجية في اليمن والبحرين وسوريا وغيرها.
خلال الفترة من 2011 الى 2019 مرت الشوارع العربية في فترة انشغالات داخلية وعمليات اندهاش من تموج التحولات الحاصلة في البلدان العربية التي اتصفت أبرزها في الجمهوريات، بتغير أو تراجع اندفاعاتها واهدافها، كما حصل غضب واحتجاج في بعض الملكيات العربية إلا أنه لم يأخذ مداه، إذ تمكنت السلطات من التغلب عليه بأساليب مختلفة تتفاوت بين القمع المفرط والاغراءات المخادعة.
الموجة الثانية تحركت أواخر عام 2018 وتصاعدت بقوة في بداية عام 2019 في السودان والجزائر ونجحت في إسقاط رئيسي السلطات فيهما، عمر البشير وعبد العزيز بوتفليقة. والابرز فيها هو إدارة ممثلين من القوات المسلحة ومشاركتهم في الحراك الشعبي ودعمهم له أو الإعلان عن ذلك. وفعلا انجز الحراك في السودان هدفه الرئيس عبر مؤسسة القوات المسلحة، والضباط الذين سموا أنفسهم بالمجلس العسكري، وهم الذين أقدموا على الانقلاب على رئيسهم وقائدهم العسكري، واعتقاله (11نيسان/ ابريل) ومحاولة فرض رغباتهم على توجهات الحراك المدني واحتوائه. إلا أن القيادات المدنية (تجمع المهنيين وقوى اعلان الحرية والتغيير وحلفاؤها) وادارتها نجحت في تحجيم "قرار" العسكر وانصياعهم لتقاسم السلطات واتخاذ خطوات عملية اوصلت الموجة الاحتجاجية إلى تحقيق أهداف سياسية ناضلت من اجلها، منذ بدايات الإضرابات والتظاهر من أواخر عام (2018) واستمرارها وانتشارها جغرافيا، خارج العاصمة والمدن الكبيرة، واتساع التضامن الدولي معها. ومع مشاركة عسكر البشير في إدارة التغيير السياسي فان خطرهم "العسكري" لم ينته واقعيا ونظريا، ولكن انتباه قوى إعلان الحرية والتغيير له والتضامن الدولي قد يردعانه عمليا.
في الجزائر، منذ اندلاع الحراك الشعبي وتصاعده في 22 شباط/ فبراير، أخذ دور القائد العسكري الفريق قايد احمد صالح، بروزا أوسع في إدارة التغيير، والتعبير عنه في خطبه المتتالية، قابله ضعف دور ما عرف بالعهدة السابقة في حاشية الرئاسة ومنها أجهزة الأمن والمخابرات العسكرية، مع استمرار الحراك الشعبي وتوسعه إجتماعيا، بالتوازي والاتساع. وتوالي الإجراءات بعد استقالة الرئيس واعتقال ومحاكمة بعض رموز عهدته.
تمكنت أحزاب وقيادات الحراك في السودان من الاتفاق والتوصل إلى حلول مرضية لأوساط واسعة من قوى الحراك وتشكيل مجالس وحكومة وخطوات مرحلية للتغير والانتقال من حكم العسكر والحزب الواحد إلى حكم وطني تعددي وتحقيق تطلعات الحراك، رغم وجود ضغوط وتوجهات متناقضة. بينما ظل الحراك في الجزائر يسير في دائرة اختيارات العسكر ورفض الشارع لها. ففرضت انتخابات رئاسية ووعود بالتغيير المطلوب وتطلعات الشعب. برغم الفوارق الواضحة بين البلدين، حيث دفع الشعب في السودان دما واقدمت القوات العسكرية على مجزرة لم يحقق بها بعد. بينما ظل الحراك في الجزائر سلميا دون إراقة دماء لحد الان، مستفيدا من دروس العشرية السوداء التي راح ضحيتها مئات الآلاف من المواطنين.
والموجة الثالثة اندلعت في شهر تشرين الاول/ اكتوبر 2019 في لبنان والعراق.. اندلعت في العاصمتين لهذين البلدين، بغداد (مطلع تشرين الاول/ اكتوبر) وبيروت (17 تشرين اول/ اكتوبر)، اولا، وانتشرت جغرافيا على مساحة واسعة. في لبنان شملت أغلب مدنه أما في العراق فتوسع الحراك في المدن الوسطى والجنوبية التي تعتبر قاعدة الحكومة الشعبية، أو المحسوبة عليها وفق التقسيمات المذهبية التي رسمتها الإدارة الأمريكية وقوى الإحتلال الأخرى. والابرز في الحراك في البلدين المشاركة الشعبية الواسعة ورفع العلم الوطني والدعوة إلى إلغاء القوانين التي قسمت الشعب طائفيا ومذهبيا واثنيا. والانطلاق في الحراك بداية في مطالبه الاقتصادية والاجتماعية ومن ثم تطورت سياسيا اثر محاولات السلطات تبهيتها وحصر فعالياتها. وركزت مطالب الحراك في التغيير السياسي، بإنهاء دور الطبقة السياسية وأحزابها المتنفذة ونبذ المحاصصة ومحاكمة حيتان الفساد وانتخاب قوى جديدة لإدارة البلاد وحكم العباد، وتغيير الدستور وانتخابات جديدة على ضوء قانون جديد للانتخابات والمفوضية المسؤولة عنها.
تميزت كل موجات الحراك الشعبي عموما منذ بداياتها بسمات غالبة لها، أبرزها المشاركة الواسعة لأجيال الشباب ومن كلا الجنسين، وعفوية الاندلاع واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي بشكل واسع في التجميع والتحرك والتوافق على الشعارات والأماكن التي يتم فيها الحراك، وغياب القيادة المركزية أو الكاريزما الواضحة، واعتماد أسلوب السلمية في الحراكات والاحتجاجات في بداياتها واستمرارها قبل التدخلات الخارجية عليها وحرف شعاراتها واهدافها ونتائجها أيضا، أو الذهاب فيها إلى ما لم يخدم الأهداف الأساسية لها ودفعها الى منعرجات مضادة ومصادرتها دون الالتفات أو حساب الأثمان التي دفعتها، أو قدمتها في سبيل نجاح اهداف الحراك الشعبي ومتطلباته. وبالتأكيد قدمت الحراكات الشعبية تجربة جديدة ودروسا ينبغي وعيها من أجل التغيير المستقبل.