القراءة الماركسية لثورة أكتوبر الإشتراكية (7)

فؤاد النمري
2019 / 12 / 23

القراءة الماركسية لثورة أكتوبر الإشتراكية (7)
ثمة شطط يشتطه عالم اليوم بافتراضه أن نهايات الحرب العالمية الثانية استدعت فيما استدعت انهيار المعسكر الإشتراكي وانبعاث المعسكر الرأسمالي من جديد !!
وقائع الحرب العالمية الثانية لا تسمح بافتراض مثل هذا الإفتراض بالغ الشطط .
التاريخ يقول أن النازية في ألمانيا كانت من إنتاج الإمبريالية الأنجلوفرنسية التي فرضت على ألمانيا المهزومة شروطاً همجية بموجب معاهدة فرساي 1919 منعت قوى الإنتاج المتطورة في ألمانيا من مزاولة إنتاجها الرأسمالي وهو ما خضعت له جمهورية فيمار (weimar) 1919 – 1933 بقيادة حزب المرتد كاوتسكي كيلا يصل الشيوعيون إلى السلطة حتى وصل سعر رغيف الخبز في ألمانيا في العام 1924 إلى أكثر من عشرين ألف مارك . سياسة الحزب الإشتراكي الديموقراطي الخؤون ساعدت هتلر للوصول إلى رأس السلطة في ألمانيا في العام 1933 فكان أن ألغى هتلر الحياة الديموقراطية واستمر خضوعاً لشروط فرساي فوظف كل قدرات ألمانيا الإنتاجية في إنتاج الأسلحة وليس البضاعة . خلال خمس سنوات فقط غدت ألمانيا معسكراً حربياً لا تجاريه الإمبراطوريتان الإمبرياليتان البريطانية والفرنسية اللتان عوّلتا على ألمانيا النازية كما في اتفاقية ميونخ 1938 تحطيم عدوهما المصيري الإتحاد السوفياتي .

ثمة جديد في موضوع الحرب العالمية الثانية لم يأتِ عليه منظرو العلوم السياسية والمحللون الاستراتيجيون وهو أن الحرب لم تكن حرباً إمبريالية استدعاها التطور اللامتكافئ بين الدول الرأسمالية، فألمانيا الهتلرية لم تكن دولة رأسمالية وهتلر كان يعني ما يقول عن عدائه للنظام الرأسمالي والإتحاد السوفياتي كان بالطبع النقيض المكافئ للنظام الرأسمالي .
الحرب العالمية الثانية كانت مواجهة مصيرية قاتلة بين مشروعين عالميين .. المشروع التاريخي وهو مشروع الثورة الإشتراكية العالمية الذي أخذ على عاتقه نقل العالم من النظام الرأسمالي إلى الحياة الشيوعية والمشروع النازي الكولونيالي الطارئ الذي أعلن مشروع "الرايخ الثالث لألف عام" وأن تحل برلين محل روما القديمة في استعباد العالم ونهبه لصالح الجنس الآري لألف عام . وهكذا فإن السياسات الرأسمالية الإمبريالية لم تكن حاضرة لدى أي من طرفي الحرب، الإتحاد السوفياتي وألمانيا النازية . وما يستوجب التأكيد عليه في هذا السياق هو أن النظام الرأسمالي الإمبريالي وبحكم طبيعته هو أكثر عجزاً في صناعة الحرب من النظام الإشتراكي أو النظام النازي . ولذلك جرت لخمس سنوات حرب طاحنة بين الإتحاد السوفياتي الإشتراكي وألمانيا النازية بعيداً عن الدول الرأسمالية العظمى الثلاث التي لم تلوِ حراكاً في تلك الحرب الطاحنة .. حاربت فرنسا خمسة أسابيع واستسلمت لهتلر، وانهزمت بريطانيا في أول مواجهة مع ألمانيا في دنكيرك (Dunkirk) وكان أكبر جيش شكلته بريطانيا العظمى في حرب العلمين 120 ألف جنديا مجلوبين من مستعمرات بريطانيا في القارات الخمس، ولأربع سنوات غامرة عجزت الولايات المتحدة عن مواجهة اليابان .
كانت الحرب العظمى بين عملاقين في صناعة الحرب وكان تروتسكي قد غرر بهتلر إذ كتب تكراراً قبل مقتله يصف الإتحاد السوفياتي بمارد ساقاه من فخار ولن يصمد في مواجهة ألمانيا النازية لأكثر من ثلاثة شهور . لقد برهن الاتحاد السوفياتي على أن النظام الإشتراكي يستطيع أن يصنع حرباً تتفوق كثيراً على صناعة النازية حتى بعد توظيفها لكل الموارد المادية والبشرية للقارة الأوروبية .

نحن الشيوعيين تعلمنا أول ما تعلمنا في جامعتنا الشيوعية الحظر البات من الركون إلى عبقرية أحدهم بالرغم من أن آباء الشيوعية الأوائل، ماركس وإنجلز ولينين وستالين، قد تميزوا بعبقريات لم تدنُ منها أية عبقريات أخرى، لكن ذلك لم يصل بنا إلى تجاهل المبدأ الجديد الذي أطلقه لينين في افتتاحهه للإجتماع التأسيسي للأممية الشيوعية في 6 مارس آذار 1919 وقد أكد ضمان نجاح الثورة الإشتراكية على صعيد العالم كله .
أن يحتل الإتحاد السوفياتي ويرفع علم لينين المطرقة والمنجل فوق الرايخ الهتلري الثالث بقوى حربية 6.5 مليون جندياُ وأكثر من خمسة آلاف طائرة وخمسة آلاف دبابة بعد أن فقد 9 ملايين جندياً و 106400 طائرة و 83500 دبابة وحوالي 20 مليون من المدنيين يعيدنا كل ذلك لعبقرية المبدأ اللينيني الذي أكد ضمان نجاح الثورة الإشتراكية على صعيد العالم .
بجانب هذه الحقائق الموثقة في نهاية الحرب العالمية الثانية هل يصح التشكيك بمبدأ لينين العبقري الذي أكد ضمان نجاح الثورة الإشتراكية على الصعيد العالمي خاصة عندما نعلم أن مجموع الجيوش التي جندتها الدول الرأسمالية الكبرى الثلاث بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة لم تتجاوز 700 ألف جنديا ملمومين من عشرات الجنسيات من المستعمرات وبأسلحة قديمة ليست بالمستوى المقبول عسكروا بعيداً عن برلين يتفيؤون بالحماية السوفياتية . ذلك ما سمح لونستون تشيرتشل أن يكتب لستالين يقول .. "أنتم العمالقة ونحن لسنا مثلكم " ودعا الرئيس الأميركي المختلف فرانكلن روزفلت لأن يكتب في مفكرته يقول .. "سيبني ستالين وليس تشيرتشل عالماً يسوده السلام والديموقراطية " .
نحن الماركسيين الذين نقرأ التاريخ، كما هو ودون تحيز ، لن نسمح لمختلف الحجج والأقاويل التي تشكك في نجاح الثورة الإشتراكية في العالم إعتماداً على شواهد التاريخ في نهاية الحرب العالمية الثانية والتي ما زالت باعتراف الجميع أنها هي من قرر الجيوسياسة القائمة حتى اليوم في العالم . من شواهد التاريخ في نهاية الحرب العالمية الثانية هو أن الدول الغربية الرأسمالية الكبرى الثلاث لم تكن إلا من فضلات التاريخ التي ينتظرها الإندثار تحت المظلة السوفياتية الجبارة .

الصيحة التي لا توصف إلا بالفجور، لأنها تنطلق من أفواه البورجوازية الوضيعة وهي طبقة هامشية وطفيلية تعيش على حساب قوى الإنتاج في المجتمع ولذلك وصفت بالوضيعة (Betty) ، يعلو صراخها اليوم بالإدعاء أن الثورة الإشتراكية هو ما اندثر وأن النظام الرأسمالي هو من استعاد الحياة بكل عنفوانها .
لتزعم البورجوازية الوضيعة ما تزعم وهي فاجرة في جميع الأحوال بالحد الأدنى حيث هي بطبيعتها ضد النظام الرأسمالي ومع ذلك ترتدي اليوم درع الدفاع عن النظام الرأسمالي !! ما يفضح فجورها بصورة قاطعة حول اندثار الثورة الإشتراكية وإحياء النظام الرأسمالي بعد انتهاء الحرب هو أن النظام الإمبريالي بدأ بالإنهيار في السنة التالية لانتهاء الحرب 1946 وتعالت ثورة التحرر الوطني في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية حتى العام 1972 حين أعلنت الأمم المتحدة نهاية النظام الإمبريالي في العالم وحلت لجنة تصفية الإستعمار التابعة لها .
لسنا بحاجة لمن يخبرنا بأن النظام الرأسمالي في مراكزه لا يستطيع الإستمرار دون تصدير فائض الإنتاج المجسد لفائض القيمة المتراكم إلى الأسواق خارج البلاد وإلا غرق في فائض إنتاجه حتى الموت كما أكد كارل ماركس .
نظام الإنتاج السائد في مراكز الرأسمالية الكلاسيكية لم يعد يسد احتياجات الشعب فيها مما اضطرها إلى الإعتماد على قوى العمل في بلدان شرق آسيا وصناعاتها من مختلف البضائع . إنها لم تعد رأسمالية وما ذلك إلا بسبب جبروت الثورة الإشتراكية السوفياتية في نهاية الحرب .

وهنا يرد علينا مجندو البورجوازية الوضيعة متسائلين .. واين هي ثورتكم الإشتراكية اليوم والتي تزعمون أنها كانت قد فككت مختلف التناقضات في العالم عبر جبروتها الطاغي في الحرب العالمية !!؟ ألم يتفكك الإتحاد السوفياتي إلى خمس عشرة جمهورية متعادية !!؟ ألم تنهزم روسيا الإتحادية وريثة الإتحاد السوفياتي بمختلف قواه الحربية أمام قبائل التشيتشان المحاربة من أجل الإستقلال في التسعينيات !!؟ ألم تقترف روسيا اليوم جرائم يندى لها جبين الإنسانية ضد الشعب السوري في انتفاضته من أجل الحرية والديموقراطية !!؟
نحن أيها السادة مجندو البورجوازية الوضيعة الطفيلية نقر ونعترف كماركسيين يقرؤون التاريخ كما هو ودون تحريف أو تحيّز أن جميع ما تحاججون به لنفي الإشتراكية هو صحيح ودقيق تماماً ؛ لكن اعترافنا بحججكم لا يعفيكم من تعليل مثل هذه النهايات التي انتهت إليها الثورة الإشتراكية العالمية بعد أن تماثلت بجبروت لا عهد للبشرية بمثله في نهاية الحرب التي قررت الجيوسياسة السائدة في العالم حتى اليوم ؛ كيف ولماذا مثل ذلك الجبروت الذي سجله التاريخ رغم تجاهلكم له قد تلاشى وكأنه لم يكن ؟ نحن نعلم تمام العلم أنكم لا تحارون جوابا على مثل هذا السؤال الصعب، ولذلك يتوجب عليكم أن تنتظروا منا مثل هذا التحليل المادي الملموس .

(يتبع)