في ذكري انطلاقة الثورة: فتح الي أين ؟

هشام عبد الرحمن
2019 / 12 / 23

يحتفل الشعب الفلسطيني في هذه الأيام بذكرى انطلاقة الثورة .. تلك المناسبة العزيزة على قلوب كل احرار فلسطين بل وقلوب كل احرار العالم أجمع , لقد جاءت الانطلاقة صرخة مدوية في جو الكآبة العربي، وفي ظل أنظمة منكسرة وحكومات عاجزة , هذا هو قدر "فتح " ان تنطلق في ذلك التوقيت ، كترجمة لحقائق الصيرورة التاريخية تعبيراً حقيقياً لارادة الشعب الفلسطيني ، ومن هذا الدور انسجمت "فتح" مع نفسها ومع شعبها , فكانت المبادرة فكرة حملها أولئك الشباب الذين ذاقوا مذلة اللجوء وبرد البُعد عن الوطن , نعم فكرة تحولت الي خطوط عمل وخطوات فعل بهمة الرواد الاوائل للثورة بهدف ان يكون لشعبنا المشرد وجود على خارطة العالم قبل ان يجرفه تيار الظلم والقهر والاحلال الصهيوني الغاشم .

ان بدايات حركة فتح جاءت معبرة عن حقيقة الواقع , وعن الحاجة الماسة للتعبير المستقل عن هوية الشعب الفلسطيني , فقد نشا تيار بين مجموعة من الشباب الفلسطيني في القاهرة يدعو الي جمع أكبر عدد من القيادات والكوادر الفلسطينية ودفعها لتشكيل اطار محدد يقود الشعب الفلسطيني , وقد ظهرت عدة محاولات في هدا السياق لكنها وصلت الي طريق مسدود

وكان هناك تيار أخر ثمتله مجموعة اخرى تري ان هناك ضرورة لاعلان حكومة فلسطينية في المنفي تقوم على انقاض حكومة عموم فلسطين , لكنها اصدمت بالرفض العربي الرسمي وملاحقة الاجهزة الامنية لها .

اما التيار الثالث فكان بؤمن بان الواقع العربي لا يسمح بمجرد فكرة وجود تنظيم فلسطيني مسلح

, لذا فليس أمام الفلسطيني من خيار سوي العمل تحت الارض واعتماد السرية المطلقة في التنظيم الي ان يستطيع ان يفرض وجوده على ارض الواقع ويعترف به .

وقد نشأت اطر عديدة في معظم مواقع الشتات عبرت عن هذا الفهم , وهكذا كان الظرف الموضوعى لولادة فتح واعلان انطلاقتها , هده الانطلاقة التي شكلت رؤية وطنية صادقة وايمان راسخ لتحرير فلسطين ، و قدرة فائقة على التصميم في بناء المجد وصناعة التاريخ .

ان هده الذكري تعيد الي الاذهان شموخ فتح وعنفوانها في مزبج من تياراتها الفكرية المختلفة ,

وسط مدرسة المحبة وقانون المحبة , و لغة التسامح الذى حكمت العلاقات الداخلية للحركة في القواعد والخنادق وفي السجون وفي كل مكان , نعم على فتح ان تعيد انتاج ثقافتها السياسية وتفعيل العمل بالمسلكية الثورية وتحقيق التجديد في الاطر والهياكل بشكل دوري منتظم و بانتخابات حقيقية وجادة تضمن تدفق الدم في اوردتها واعطاء الفرص للجميع على قدم المساواة من اجل ان يأخد الكل دوره في المسيرة النضالية للحركة . مع ضمان ممارسة النقد والنقد الذاتي ضمن الإطار العام للحركة بهدف إثراء الجهد الجماعي لفتح , هده الفلسفة التي غابت عن سماء فتح فادت الي تصدع البناء والهياكل واتساع رقعة الاجتهادات والصراعات وتفتت قوة فتح في ظل العديد من محاولات سلبها دورها الطليعي او تذويبها تمهيدأ للقضاء عليها .

من المهم ان نشير الي اهمية إعادة النظر في ثقافة الاختلاف والاختصام بعيداً عن شخصنة الخلافات لان "فتح" هي قائدة التغيير الإيجابي الحقيقي في حياة شعبنا المناضل هي الان اكثر حاجة للتغيير واعادة الهيكلة ولملمة الصفوف لاعادة الهيبة والريادة لها .. ومن اللافت أيضاً، ان هذه الحركة لم تطرح وثائقها السياسية للنقاش العام داخل مؤتمراتها الحركية المتعاقبة ، كأن المؤتمرات الحركية مجرد مناسبة انتخابية، أو داخلية، علما أن سياسات هذه الحركة لا تخصّها وحدها، كونها الحركة التي تحدد الخيارات السياسية للفلسطينيين، منذ نصف قرن ..

نعم كان حريّ بقيادة "فتح" طرح الأسئلة المناسبة بخصوص أين كنا؟ وأين أصبحنا؟ ولماذا لم تنجح هذه الحركة في المهام التي أخذتها على عاتقها - طوال نصف قرن- ولم تستطع حتى الحفاظ على الإنجازات التي حققتها في مرحلة ما، رغم أن الفلسطينيين لم يقصّروا في بذل التضحيات واجتراح البطولات في ظروف صعبة ومعقدة ؟ كان لا بد من العمل الصادق

لإشراك أوسع قطاع من كوادر الحركة في كل مواقعهم , لبلورة أفكار هذه الحركة وتحديد خياراتها، لكونهم أصحاب حق، سيما أن هذه الحركة وخياراتها أثرت وما زالت تؤثر عليهم.لابد من الوفوف بجراة امام الحقائق التي تمر بها قضيتنا وفتح على وجه التحديد . .. لمعالجة كل مواطن الخلل التي ادت الى تراجع الحركة وتشرذمها , بل لابد من العودة للتفكير العقلاني لمعرفة اسباب الانقسامات والتفككات التي عانت منها فتح على مدار التاريخ , فالنظام الاستاسي واللوائح الحركية وهياكل البناء التنظيمي واساليب الحركة وطريقة الانتخاب وادواتها كل ذلك يحتاج لمراجعة جادة عملية وليست عاطفية بهدف الاستفادة من عبر الوقائع والتاريخ وتطويرها كحركة تقود الشعب الفلسطيني بأكمله , فقد مرت على فتح سنوات عديدة لم تراجع فيها ادبياتها تحت حجة انها مقدسة لا يجوز المساس بها ..كل ما حصل وما يحصل للقضية الفلسطينية ولفتح , ينبغي أن يثير مخاوف قيادات هذه الحركة، وكوادرها، والجمهور الغيور على المصلحة الوطنية، إذ ثمة ما زالت مشروعية فلسطينية لحركة سياسية كالتي مثلتها «فتح» في بداياتها، بعد الاستفادة من عِبر ودروس التجربة الماضية، أي أن الفلسطينيين هم أحوج ما يكونون إلى حركة وطنية كهذه، حركة تحمل وتتمثّل حقاً مشروعهم التحرّري الديموقراطي الذي يتأسّس على الحقيقة والعدالة والكرامة والمساواة للجميع؛ باعتباره المشروع النقيض لإسرائيل الاستعمارية والعنصرية والدينية. الفلسطينيون بحاجة إلى تجديد حركتهم الوطنية.

شرعية التغيير في التفكير السياسي لفتح ، أمر محمود، على أن يأتي نتيجة لتفاعل داخلي، وكمحصلة عملية ديمقراطية، وفي سياق الإغناء والتطوير، مع المحافظة على الهدف الأساس، أو الروح التي شكّلت هذه الحركة ، وهي بالنسبة لـ "فتح" تتحدد في تعزيزها هوية الفلسطينيين وكيانيتهم السياسية، واستمرار كفاحهم لتقويض المشروع الصهيوني الاستعماري والعنصري، الذي تمثله "إسرائيل".

أن قوة فتح في وحدتها، ، وأن وحدة فتح، ، هي ضمانة الوحدة الوطنية وتسبقها، ، ولن تتحقق وحدة وطنية حقيقية وفاعلة دون وحدة وتماسك وقوة الحركة ,,, ، من خلال لهيكل التنظيمي المنتخب , وقانون المحبة و التأكيد على ضرورة اعتماد حل كافة الخلافات من خلال الأطر التنظيمية مع مراعاة الأخلاق التنظيمية والحفاظ على الإرث الفتحاوي العظيم .. فوحدة فتح مطلب مقدس يجب ان يحارب الجميع لاجل تحقيقه . فهي ماضي ومستقبل الشعب الفلسطيني كله .

وعليه فإن هده الذكرى تملي علينا مهمة إعادة بناء حركة "فتح" في ساحات الوطن والخارج، وتفعيل كافة الهياكل القيادية للحركة من المستوى القاعدي إلى مستوى اللجنة المركزية، ليأخذ الجميع دوره في الدفاع عن الحركة ودورها الريادي في قيادة الحركة الوطنية، والحفاظ على منجزاتها ومواصلة تراكمها حتى يتحقق لشعبنا إنجاز كامل أهدافه الوطنية , لابد ان نعيد للانطلاقة عنفوانها , ليتجدد الامل ويتجدد العمل ويتجدد الايمان بحتمية النصر .