بين اهانة الملك وحرية التعبير والاحترام كقيمة انسانية

خالد الصلعي
2019 / 12 / 21


تعرف علوم السياسة عبادة الشخصية بالتملق المفرط لرأس الدولة . وهي عادة انسانية قديمة ، لكن طاقة التحرر لدى الانسان عرفت انفجارا كبيرا مع القرن الثامن عشر الى الآن ، ولم تعد عبادة الشخصية باعتبارها مقدسة الا في بلدتن قليلة ، للأسف من بينها المغرب .
واذا كانت مصطلح المواطنة ومفهومه اللغوي البحث يفيد المفاعلة ، أي التفاعل والانفعال والفعل ، فان من حق أي مواطن أن يتوجه بخطابه الى الملك . خاصة اذا كان ملكا ذا سلطة تنفيذية وتقريرية ، فالقيد الدستوري يفيد بربط المسؤولية بالمحاسبة ، وأي تحريف لهذه المضامين يعتبر خروجا عن روح الدستور وعن سياق الدولة المدنية ، ويزج به في غياهب الدولة البوليسية الاستبدادية المقيتة .
ان تأليه الحاكم هو بمثابة اعتبار الحاكم ابن لله ، أو وصي على ملك الله ، بمعنى آخر هو ظل الله في الأرض حسب رواية أبي هريرة . ومع ان جدلا كبيرا قام حول هذا المروي ، حيث هناك غئة تضعفه ، وهناك اخرى تفسره وتوضحه ، فان فئة ثالثة تاخذه في شكلانيته وسطحيته . وقد قامت حروب كبيرة سواء على الصعيد الفكري او المادي ضد هذا المبدأ المبتذل ، الذي نتج عنه ما يسمى بصكوك الغفران والحرمان واللعنة كعقاب الهي ، وتقديم القرابين لابن الله وتحويل العبادة لشخصه .
يمكن اعتبار تهمة اهانة شخص الملك ارتدادا الى عصور ما قبل التاريخ ، او الى عصر ما قبل الثورة الفرنسية ، او ان شئت الى علاقة البراهمي بالشودري في الثقافة الهندوسية ، أو علاقة التنويريين بالجوييم ، حسب كتاب أحجار على رقعة الشطرنج .
وهذا ما يتنافى مع روح العصر حسب الفهم الهيجيلي لهذا المصطلح ، ويخرج بنا من مسار الدولة الديمقراطية وان عن استحياء الى مسار الدولة الاستبدادية المحضة . بل انه يدخلنا في نقاشات محرجة عن طبيعة الملكية بالمغرب ، وكيف يمكن استخلاص طغيانها وهيمنتها من عدم مساءلتها وانتقادها ، وكيف لملكف أن يكون غير مساءل عن تكليفه الذي يتأثر به ملايين المواطنين ، وعن الفعل وتوابعه وردود الفعل . اننا هنا سندخل في معترك سياسي وقانوني وديني ولغوي ابستيمي لا مخرج للنظام وأعوانه منه الا بالقمع وانتهاك الحقوق .
على ضوء الدستور المغربي
الاهانة في عمومها مذمومة ومرفوضة ، سواء أخلاقيا/دينيا ، أو انسانيا . والعقوبة على الاهانة ترتبط تناسبيا بالشخص المهان ، أكثر منها بالشخص المهين . وبذلك يمكن للمترفع والراقي ان يتجاوز عنها ، كما يمكن للرخيص أن يحول كلاما عاديا الى اهانة . واذا كنا جميعنا معرضين للاهانة ، خاصة في مجتمع كالمجتمع المغربي ، فان هذا يدعو الباحثين والمهتمين بالشأن العام ، وباخلاق المجتمع الى البحث عن سياقات الاهانة ، وأسباب الاهانة ، ودوافعها من الناحية السيكولوجية ،الاجتماعية . ذلك أن الاهانة لا تصدر كنبت فطري من اللاشيئ ، وان كانت في مجتمع يشبه المجتمع المغربي قد تنبت فعلا من اللاشيئ ، بفعل تراكم مجموعة من النواقص والعقد ، فتصبح الاهانة تعويضا نفسيا عن فقدان حاجات وأشياء كثيرة .
لكن اهانة الملك تبقى اهانة وجب النظر اليها واخضاعها للبحوث السياسية والقانونية والاجتماعية والنفسية . والا فان اطلاق التهم من جهة ما ضد أشخاص ما يضعنا أمام تساؤلات عديدة . خاصة اذا كان للتراكم حظه من دعم الدراسة ، لاستقراء اوجه الخلل في تفعيل المتابعة القانوية ، وان صوريا ، خارج أي ضوابط موضوعية وعلمية . كتعميم قانون المتابعة على الجميع ، تفعيلا لمقولة دستورية ، المغاربة سواء امام القانون ، وهو ما لانجد له أي معنى في الواقع القانوني المعاش ، وعلى مجموعة من الصعد ، وليس فقط فيما تعلق بتهمة اهانة الملك ....
واذا ما آمنا أن القانون يقر بمبدأ رجعية الأثر ، فانه يمكن فتح نصوص الدستور المغربي نفسه للرد على تفاهة وتهافت تهمة اهانة الملك . فالفقرة الثانية من الفصل السادس منالدستور واضحة في هذا الشأن ، فبالاضافة الى مساواة المواطنين امام القانون ، فان الفقرة تشير بوضوح الى ضرورة "توفير الظروف التي تمكن من تعميم الطابع الفعلي لحرية المواطنات والمواطنين ، والمساواة بينهم ، ومن مشاركتهم في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية " . وهذا ما لانجده متوفرا للغالبية العظمى من المغاربة .
أما الفصل العشرين20 فانه يرقى الى الاعتراف بالحق في الحياة كأول حقوق الانسان ، ولا يمكن هنا الا ان نتساءل بخبث ، اذا كان التعبير عن الرأي جزء بسيط من الحق في الحياة ، بل ومطالبة مباشرة للحق في اختيار نمط جياة محدد داخل بنية اجتماعية واقتصادية بعينها ، فكيف يتهم شخص باهانة مسؤول عن وضعية حياة كارثية ؟؟
كما أن الفصل 25 من الدستور المغربي يحمي حرية الرأي والتعبير بكل أشكالها . وحين يتم التطاول على الملك فان الأمر يتعلق برئيس دولة مسؤول ، وكل مسؤولية كيفما كانت معرضة للنقد والانتقاد ، وأحيانا للاهانة ، وهذا ما نعاينه في أرقى بلدان العالم . فالملك هنا صفة وليس ذاتا ، والا فانه يمكن ان نستعين بصيغة أمير المؤمنين ، ما يضعنا أمام اشكالات اصطلاحية اكثر منها ماهوية ، سوريالية أكثر منها موضوعية وعلمية .
واذا كان الفصل 37 من الدستور يحتم على الجميع ضرورة احترم الدستور والتقيد بالقانون ، فان مسؤولية الملك تبقى أكثر جسامة من مسؤولية منتقديه ، فهو المؤتمن على سلامة وامن وحياة المواطنين ، والدفاع عن كرامتهم ، دون تمييز او محاباة أو استئثار وتفضيل . وتبقى خطب الملك دون استثناء المرجع الأول في هذا الصدد ، اذ ما لبث الملك ان صرح في مختلف خطبه انه المسؤول عن جميع المغاربة وضامن استقرارهم الاجتماعي والمعيشي . وبتخليه عن تعهداته ووعوده فانه يكون مساءلا أمام الضمير الجمعي وأمام التاريخ وأمام الله عن تخاذله وعدم التزامه بتعهداته ووعوده . وللنا في قصص عمر بن الخطاب العديدة دينيا أكبر مرجع ،كما قصص عمر ابن عبد العزيز . أما علي والرسول الكريم فالأمر يضعنا جيمعا في حرج .
أما بالعودة الى دراسة مقارنة مع ما يتحمله رؤساء وحكام العالم الديمقراطي لتوفير الحياة الكريمة والعدالة الاجتماعية لشعوبها ما يجعلنا نطأطئ الرأس ونقول :لاحول ولاقوة الا بالله العلي العظيم .
واذا ما عدنا الى الفصل 46 من السدتور فانا نقرأ "الملك لا تنتهك حرمته ، وللملك واجب الاحترام والتقدير " ، مع اسقاط قدسية الملك المعمول بها في دساتير سابقة ، وهيمراجعة كانت في محلها وفق روح العصر الحقوقية والقانونية . ذلك أن مصطلح القداسة تم محوه من القاموس السياسي اواخر القرن التاسع عشر مع الثورة الفرنسية . وان استمر لدينا تحت وطأة ظروف تاريخية موبوءة الى حدود سنة 2011 .
ان العودة الى رمي المواطنين بتهمة انتهاك شخص الملك ، هو نكوص وارتداد عن نوايا الاصلاح السياسي التي حاول المغاربة القيام بها . لكن السلطة أبت الا أن تعيدنا الى عصر القذافي والسيسي وآل سعود .
حين يقوم الملك بما يفرضه عليه واجب صيانة كرامة المغاربة قاطبة ، فان المغاربة قاطبة سيقفون وراءه . اما وقد أصبح الملك فزاعة وأداة ووسيلة للانقضاض على المتضررين الذين يعجزون عن كتم آهاتهم وعذاباته . فمرحبا بقانون "أنا الدولة والدولة أنا "