القراءة الماركسية لثورة أكتوبر الإشتراكية (6)

فؤاد النمري
2019 / 12 / 17

القراءة الماركسية لثورة أكتوبر الإشتراكية (6)

ما المستقر الذي استقر إليه ستالين وتشيرتشل وروزفلت وماوتسي تونغ وتشان كايتشك وجواهر لال نهرو وأحمد سوكارنو وجمال عبد الناصر وجوزيف بروز تيتو وكوامي نكروما وهوتشي منه وغيرهم من القادة للقوى الكبرى التي انتهت بها الحرب العالمية الثانية ؟
هرباً من الدخول في هذه المتاهة الصعبة يدعي الساسة والباحثون المفلسون الصغار أن المستقر الذي استقر إليه جميع هؤلاء القادة العظام هو المستقر الأمريكي الرأسمالي السائد اليوم .
لو تسامحنا مع هؤلاء الساسة المفلسين وغضضنا الطرف عن حصار الجيوش النازية لجيوش أميركا وبريطانيا وفرنسا في شمال شرق فرنسا وقد تهددها الفناء التام في 5 يناير 45 لولا إنقاذها من قبل الجيوش السوفياتية ؛ أو أن أكثر ما جمعت الجيوش الغربية في مواجهة العدو النازي (700 ألف جنديا) بقيت مقيمة بعيداً عن برلين وأوكلت فتح برلين للجيوش السوفياتية (ثلاثة ملايين جندياً)، ولو بادرت هي إلى اقتحام برلين لأبيدت تماماً قبل أن تتقدم أمتاراً قليلة فيها ؛ أو تجاهلنا أن الولايات المتحدة ما كانت لتنتصر على اليابان رغم قنابلها الذرية لولا المساعدة السوفياتية ؛ أو غضضنا الطرف أيضاً عن رد ستالين بازدراء على تشكيل حلف شمال الأطلسي ؛ لكن لا يجوز لنا بعد كل ذلك أن نتجاهل إعلان إدارة نكسون الإفلاس عام 71 وأنها لم تعد قادرة على توفير الغطاء اللازم لنقودها ولذلك تخلت عن العنوان الأول لسيادتها فتركت غطاء نقودها للدول الخمسة في الجي فايف (G 5) . ومن لا يحب أن يتذكر ذلك نذكّره بهزيمة الولايات المتحدة في فيتنام وقد أرسلت كل قواها العسكرية (450 ألف جنيديا) إلى الحرب على فيتنام وهرب بالتالي قائدها العام بالهليكوبتر من على ظهر السفارة الأميركية في سايجون في 29 ابريل 75 .
الحمقى فقط هم الذين يستدلون على صحة ونجاح النظام الرأسمالي بما هو علة انهياره . الولايات المتحدة تنفق سنويا 16 ترليون دولاراً على إنتاج الخدمات . فهل مثل هذه المبالغ الطائلة هي فعلاً قيمة قوى العمل (Labour Power) المبذول لإنتاج هذا الكم من الخدمات ؟ الحقيقة المعترف بها على الإطلاق هي أن قوى العمل ليست هي المعاير الصحيح لقيمة الخدمة . ولما كان النظام الرأسمالي يقوم حصراً على المتاجرة بقوى العمل أي شراء ساعات العمل بـ (س) من النقود ويبيعها بـ (س + ص) من النقود و(ص) هو فضل القيمة فذلك يعني بالضرورة أن الإتجار بإنتاج الخدمات ليس تجارة رأسمالية .
ثم ما الذي ابتدعته الولايات المتحدة لتكون مستقراً لمختلف القوى في العالم بعد أن انهزمت مدحورة ذليلة ومفلسة في فيتنام !؟ في مواجهة انهيار نظامها الرأسمالي مع بداية سبعينيات القرن الماضي لم تجد بدّاً من دعوة أول مؤتمر للخمسة الكبار (G 5) في رامبوييه في باريس في 16 نوفمبر 75 لتعلن تضامنها في الحفاظ على أسعار صرف عملاتها في أسواق الصرف . ذلك يعني أن تلك الدول الخمسة المسيطرة على التجارة العالمية آنذاك قررت، إثر نكوص المعسكر الإشتراكي، أن القيمة الرأسمالية (Value) قد غدت في أوراق النقد وليس في البضاعة كما هو الحال في النظام الرأسمالي . كان ذلك اعتراف خجول بانهيار النظام الرأسمالي الذي يقوم حصراً على إنتاج البضاعة .
طبعاً إعلان رامبوييه تعلق بمبادلة النقد بالنقد بأسواق الصرف وهو إعلان خبيث استهدف نهب الدول الأخرى التي تضطر لاستخدام عملات تلك الدول الخمسة في تجارتها الدولية، وليس مبادلة النقد بالبضاعة كما يحكم قانون النقد الدولي . بالرغم من إعلان رامبوييه الذي نحا لتثبيت قيمة عملات الدول الرأسمالية الخمسة الكبرى إلا أن عملات هذه الدول فقدت من قيمتها ما بين 1975 و 2012 ما يساوي 97% من قيمتها فالدولار الأمريكي بات في العام 2012 يستبدل بالبضاعة بقيمة 3 سنتات فقط من دولار 1970 الأمر الذي يعني أن الدولار الأمريكي بات يحمل 1/33 من قوة العمل التي كان يحملها الدولار القديم . باتت الولايات المتحدة لا تحمل نفسها وهو الحكم بانهيار النظام الرأسمالي .

إفتضاح المستقر الرأسمالي الأمريكي يعيدنا إلى نهاية الحرب العالمية الثانية أو بداية النصف الثاني من القرن العشرين .
إنتهت الحرب كما كان معلوماً للجميع أن الإتحاد السوفياتي قد غدا ليكون أقوى قوة في الأرض مما سمح لكافة المستعمرات في العالم لأن تحقق استقلالها وتقطع علاقاتها مع مراكز الإمبريالية فلا تعود سوقاً مفتوحاً لفائض الإنتاج فيها ؛ فكان أن أعلنت الأمم المتحدة في العام 72 نهاية الإمبريالية في العالم وبذلك انهار النظام الرأسمالي في العالم على أساسه .
كان التطور الإجتماعي المعلوم يقول بكل بساطة أن الإشتراكية ستكون مستقراً آمنا لكافة قوى العالم المختلفة . كان البلاشفة بقيادة لينين أن أعلنوا ثورتهم الإشتراكية العالمية في مارس آذار 1919 التي كان ماركس وإنجلز قد استشرفاها قبل سبعين عاماً والتي ستنقل العالم إلى الإشتراكية ثم الشيوعية . بدا أن النجاحات الهائلة التي حققها البلاشفة ما بين أكتوبر 1917 و أكتوبر 1952 تؤكد مسيرة البلاشفة في نقل العالم إلى الإشتراكية فالشيوعية خاصةً وقد رأينا ستالين يفرض شروطه على تشيرتشل وروزفلت في يالطا في فبراير 45 وعلى تشيرتشل وترمان في بوتسدام في يوليو 45 .
لماذا يحرص متثاقفو البورجوازية الوضيعة ومعاهد البحث التابعة لهم حرصاً شديداً على طمس وقائع الحرب العالمية الثانية من مثل حقيقة أن الدول الغربية الكبرى الثلاث ظلت تحارب جيش إيطاليا طيلة الحرب العالمية الثانية ولم تبادر إلى فتح الجبهة الغربية إلا بإنزال النورماندي في 6 يونيو 44 بعد أن تحققت هزيمة ألمانيا في معركة كورسك (Kursk) في صيف 43 . بدأ إنزال النورماندي بـ 197 ألف جنديا وأعلى ما وصل إليه هو 700 ألف جندياً لم تحارب الألمان على الإطلاق بل وعندما وقعت في الأسر في جبال الجاردنز (Jardins) شمال شرق فرنسا وتهددتها الإبادة التامة إتصل تشيرتشل بستالين هاتفياً مساء 5 يناير 45 يستعطفه النجدة ولما أجابه ستالين بأن برنامج الحرب لا يسمح بذلك قبل 28 يناير انفجر تشيرتشل باكياً وقال لستالين .. "لك أن تتذكر يا صديق بأنه كان لك أصدقاء في بريطانيا". إذاك جمع ستالين ضباط غرفة العمليات من أجل نجدة الحلفاء ولما لم يوافق الضباط على تقديم النجدة أمر ستالين وهو القائد العام على فتح أكبر جبهة في تاريخ الحروب في 12 يناير وطلب من تشيرتشل الصمود في الأسر لأسبوع آخر . خط النار السوفياتي في تلك الجبهة امتد لطول عرض أوروبا من بحر البلطيق شمالا إلى جبال يوغوسلافيا جنوباً بمشاركة 3 ملايين جندياً وخمسة آلاف دبابة وخمسة آلاف طائرة . لم يتوقف خط النار قبل وصوله لبرلين واحتلالها في 8 مايو 45 محرراً كامل القارة الأوروبية من قوى النازية والفاشية وأحلافهما .

السؤال الحدّي الفيصلي والكاشف الذي يفرض نفسه هنا هو .. لماذا يحرص متثاقفو البورجوازية الوضيعة ومجندوها من المحللين والباحثين الاستراتيجيين على طمس وقائع الحرب العالمية الثانية وتجاهل نتائجها !!؟
ليس أوقح من زعماء الدول الغربية الذين اجتمعوا في بورتسماوث (Portsmouth) البريطانية احتفاء بذكرى إنزال النورماندي في يونيو الأخير 2019 باعتباره "محطة حاسمة" في الحرب العالمية الثانية !! إنزال النورماندي تشكل من قوى هامشية اميركية وبريطانية وفرنسية بتعداد 197ألف جندي في 6 يونيو 44 بعد أن بدت هزيمة ألمانيا النازية محققة على الجبهة السوفياتية بعد معركة الدبابات في كورسك في صيف 43 تلك المعركة التي قصمت العمود الفقري لقوى النازية . إنزال النورماندي لم يدخل أية معارك ضد النازية، ولما وقع في أسر النازية في 25 ديسمبر 44 إحتاج لنجدة الجيوش السوفياتية في 12 يناير 45 .
السؤال الحدي الكاشف هو .. لماذا يجهل حتى عامة الشيوعيين اليوم معارك كبرى قررت مصير الحرب العالمية الثانية مثل معركة كورسك والجبهة الحربية السوفياتية التي بقيت بلا اسم رغم أنها أكبر المعارك في تاريخ الحروب وبدأت في 12 يناير 45 لإنقاذ جيوش النورماندي من الأسر . حتى عامة الشيوعيين يذكرون النورماندي ولا يذكرون حرب 12 يناير السوفياتية .
جيوش النورماندي لم تخسر في مواجهة النازية أكثر من عشرات آلاف الجنود بينما خسرت الجيوش السوفياتية في معركة احتلال برلين وحدها حوالي 400 ألف جندياً !!؟

(يتبع)