النظام السياسي الفلسطيني : ازمة الانقسام والاصلاح

هشام عبد الرحمن
2019 / 12 / 16

تعدّ قضية إصلاح النظام السياسي محط اهتمام المفكرين والباحثين والقوى السياسية على حدّ سواء، ومن الملاحظ أن موضوع الإصلاح يتعاظم يوماً بعد يوم، وهناك علاقة طردية بين ازدياد أهميته والسير نحو المستقبل.
ويتضمن الإصلاح معاني ومضامين كثيرة ومتشابكة تدخل جميعها في إطار تصحيح الأوضاع والظروف السياسية, والاجتماعية, والاقتصادية, والثقافية, والإدارية, والقضائية, والتربوية لمجتمع ما . و الإصلاح السياسي هو التغيير المحدود الذي يشتمل على تحسينات تدريجية تقوم بها القيادة السياسية سواء من الناحية السياسية أو الاقتصادية أو الثقافية أو الاجتماعية، وقد يكون الإصلاح في بنية دوائر الدولة وهيكلية مؤسساتها .
. وقد أصبح موضوع الإصلاح السياسي والإداري في فلسطين مطلباً داخلياً أصيلاً، أولته الظروف التاريخية والموضوعية التي مر بها الشعب الفلسطيني, وقضيته المعاصرة ,,
حيث بادر العديد من المثقفين والأكاديميين عملية المطالبة بالإصلاح بأشكالها المختلفة وصورها المتعددة وتناولها البعض بالعرض والتحليل، والقراءة الفاحصة المتمعنة والنظرة النقدية الثاقبة على أمل إيجاد بيئة مجتمعية صالحة وعادلة. وعلى أمل خلق نظام سياسي حيوي وفاعل، قادر على استيعاب الضغوط الخارجية وتقنين كل التناقضات الداخلية ..
وكما نعلم ان الحركة الوطنية الفلسطينية في أزمة. فالدولة الفلسطينية المستقلّة التي كانت هدف هذه الحركة منذ أكثر من ثلاثين عاماً قد تبدو بعيدة المنال على المستوى المنظور, تكمن إشكالية النظام السياسي الفلسطيني في كونه وليداً ناشئاً ويعيش مرحلة عدم اكتمال الخصائص والملامح. وقد برزت هذه المظاهر بجلاء بعد عودة كوادر وقيادات م.ت.ف. إلى الداخل بعد سنوات من العيش حياة الاغتراب والشتات. وقد أخذ هؤلاء على عاتقهم مسؤولية ترتيب أوضاع البيت الفلسطيني الداخلية من خلال محاولة بناء علاقة بين السلطة من جهة, والشعب الفلسطيني بمختلف فئاته وأطيافه السياسية وتنظيماته من جهة أخرى. كما أن السلطة حاولت بناء نظام سياسي قادر على توفير بيئة قانونية ودستورية صحيحة لملء الفراغ الذي تركه الاحتلال على الصعيدين الإداري والقانوني في ظل غياب الدولة السيادية والكيانية المستقلة.
وقد قام النظام السياسي الفلسطيني بعد أوسلو على أساس تحالف بين شرائح النخبة السياسية والأجهزة الأمنية والبنى الاجتماعية التقليدية، فركز على شبكة من علاقات الولاء والارتباطات الشخصية والمصالحية. كما أن غياب المرجعيات القانونية وسيطرة الفصيل الواحد على السلطة، وتهميش السلطتين التشريعية والقضائية أدت إلى إضعاف النظام السياسي الفلسطيني، وعزز ذلك شُح الموارد الذاتية والاعتماد بشكل كبير على المساعدات الخارجية، مما اثر سلباً على الشرعية الفلسطينية واستقلالية قرارها الوطني
إن القضية الفلسطينية تمر الآن في أسوأ مرحلتها منذ نكبة فلسطين، وهذا لم يكن قدرًا ولا نتيجة المؤامرات والأخطار الخارجية فحسب، بل تتحمل القيادة السياسية الفلسطينية أولًا، وطرفا الانقسام الفلسطيني ثانيًا، وبقية القوى والنخب السياسية ثالثًا، المسؤولية عمّا وصلنا إليه وعن الأخطاء والخطايا والتنازلات والأوهام وحالة الانتظار وتقديس البقاء الفردى أو الحزبي ...
فالانقسام الفلسطينيّ الكبير، في جوهره، هو صراعٌ بين نمطيْن متضاديْن من أنماط التنظيم السياسيّ-الاجتماعيّ الحديث، يملك كل نمطٍ منهما وسائله ومنطقه الخاص في تعبئة المجتمع نحو الداخل أو الخارج.
مؤسسات الحكم في رام الله أي منظّمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية، ضعيفتان ومنقسمتان وراكدتان ومختلّتان وظيفياً. ففي الضفّة الغربية، تمارس حكومة السلطة الفلسطينية التي تسيطر عليها حركة فتح سيادةً محدودة
وفي غزّة، تبسط حركة حماس سيطرتها على جيب معزول أكبر حجماً يخضع لحصار إسرائيلي، تتشارك فيه بعض الاطراف منذ 12 سنة. ولا تبدو أيّ جهة من الجهتَين قادرة بمفردها على تغيير هذه الظروف المتعسّرة.
أما البعد الخارجي لهذه الازمة ان التحولات الإقليمية والدولية كانت أكبر من قدرة النظام الفلسطيني على التكيف معها مما جعل النظام الفلسطيني متغيرا تابعا يرتهن مستقبله وإستمراره بالإرتباط بأحد هذه المحاور الإقليمية والدولية ، مما افقده هويته الفلسطينية.
هذا النموذج للنظام السياسي الفلسطيني الحالي في أمسّ الحاجة إلى إصلاح وتجديد مؤسسي من خلال الفصل الكامل بين جميع السلطات: الوطنية التمثيلية عن الإدارية الخدماتية، أي فصل مؤسسات م.ت.ف عن السلطة الفلسطينية، مع ضرورة الاتفاق بين كافه القوى والفصائل الفلسطينيه على برنامج سياسي شامل يضمن عملية الاصلاح الداخلي وترتيب البيت الفلسطيني وفق معيار المصلحه الوطنيه وليست المصلحة الفصائليه او الحزبيه وبناء المؤسسات التي انتمائها لكل الوطن وليس لهذا الفصيل او ذاك على ضوء ما حصل من انقسام .
.. لا شك في أن إصلاح وتجديد النظام السياسي الفلسطيني ضرورة وطنية ملحة، في إصلاحه وتجديده قوة للفلسطينيين. وإنجاز هذه المهمة يتطلب “نفضة” فكرية سياسية تنظيمية إدارية في جميع أطرافه، تبدأ بالسلطة وتمتد للآخرين دون استثناء. و لا يمكن إصلاح نظام سياسي أو استنهاض حالة وطنية بأدوات ونخب فاسدة أو عاجزة ، ومدخل الإصلاح هو بانهاء الانقسام وتحقيق المصالحة الوطنية الحقيقية ، والذين يُعيقون الوحدة الوطنية والمصالحة نخب وقيادات فاسدة تسللت لمواقع القرار وفي المفاصل الحيوية في النظام السياسي ، والنتيجة المنطقية أن نبدأ بمحاربة الفساد والفاسدين ، أو أن يكون محاربة الفساد على رأس أي عمل جاد لاستنهاض الحالة الوطنية .ويبدو أن لا مفر أمام دعاة الإصلاح الحقيقي من توحيد أنفسهم في إطار حركة ديمقراطية جديدة.
يتوجب انهاء هذا الخلاف والانقسام الفلسطيني و توحيد الوطن بكل ما يعني التوحيد من كلمه وبوقف كل الحملات المغرضه وتغيير لهجة الخطاب الفلسطيني لتصب في قناة الوحده الوطنيه الفلسطينية .. فالنظام السياسى ليس مجرد بناء مؤسساتى اصم مجرد، النظام السياسى يوفر إطارا حاضنا لجميع القوى السياسيه لتعبر وتشارك عن رأيها وتساهم في عملية صنع القرار والسياسه العامه. والنظام السياسى يوفر أيضا إطار الشرعية السياسية الملزمه لجميع القوى السياسيه او للحزب او القوة التي تحكم . وآليه بناء النظام السياسى الانتخابات مما يضمن مبدأ تداول السلطه للجميع. ومن خلال النظام السياسى صياغة البرنامج السياسى الذى يحكم عمل السلطه لكن من خلال الشرعيه او المشروع الوطنى الملزم.
مع ضرورة توحيد الاستراتيجيات والأهداف الفلسطينية، إصلاح وتطوير وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية في مختلف المجالات ، بناء على مبدأ الشراكة بعيداً عن المحاصصة السياسية والوظيفية ، باعتبارها المرجعية وصاحبة الولاية السياسية والقانونية ، وتمثل الشعب الفلسطيني أينما وجد, وضرورة الإصلاح الداخلي للفصائل الفلسطينية بتمكين الفئات الشبابية من الهيئات القيادية، والمشاركة في صنع القرار.
أهمية توحيد الخطاب السياسي الفلسطيني على أساس برنامج الإجماع الوطني الفلسطيني والشرعية العربية وقرارات الشرعية الدولية, والعمل على زيادة المشاركة الجماهيرية في مواجهة الاحتلال من كافة فئات الشعب الفلسطيني ..
ان عنوان التغيير واساس الإصلاح يكمن في اجراء الانتخابات لكل مؤسسات السلطة بشكل دوري وبانتظام لضمان ممارسة الديمقراطية، وتكريس التعددية ، والتداول السلمي للسلطة، وتفعيل فصل السلطات بما يمكن من تشجيع النقد والمحاسبة والمساءلة والرقابة. وفي النهاية نقول نحن بحاجة الى نظام سياسي يحد من هيمنة الاحزاب السياسية على النظام السياسي ويلبي مطالب الشعب الفلسطيني .