لا ينطقون مع النَّفَس الأخير إلا كلمة «أمى»

نوال السعداوي
2019 / 12 / 16

مفارقة تاريخية مازلنا ندفع ثمنها الباهظ حتى الآن، رغم أن المرأة هى التى اكتشفت الحروف منذ سبعة آلف سنة، وعلمت اللغة للبشر، لم نسمع عن «لغة الأب» بل هى «لغة الأم»، التى يتعلمها الإنسان منذ الولادة، وفى لحظة الموت لا ينطق فى أغلب الحالات إلا بها، ومع ذلك حرمت النساء من الكتابة والإبداع الفكرى على مدى القرون. شهدت بعملى الطبى الكثير من الموتى، من مختلف الأجناس والمذاهب، لا ينطقون مع النفس الأخير إلا كلمة «أمى»، وأنا أيضا إن حلت بى كارثة، لا أنادى إلا «أمى»، رغم أننى فقدتها فى مقتبل حياتى، وأدرك تماما أنها لن تعود بالنداء، أو بأى شىء آخر. لكنه الاطمئنان النفسى، ولو وهمًا.

تعود بى الذكرى إلى «أمى»، أشد ما تكون، حينما أعاصر التقدم الذى أحرزته النساء فى كل العالم. نظمت النساء فى كل البلاد، مسيرات بالشوارع يهتفن بسقوط النظام الرأسمالى الأبوى العنصرى، القائم على القوة والعنف بالدولة والعائلة، والضرب والتأديب للأمهات والزوجات. والقتل باسم الرجولة والشرف والأخلاق، كانت أمى «زينب شكرى» تريد مواصلة دراستها لتصبح باحثة بمجال الطب وتكتشف علاجا لمرض السرطان الذى قتل أمها، لكن الأب أخرجها من المدرسة بالضرب، وتم تزويجها لأبى، وهى فى الخامسة عشرة، لتلد تسعة أطفال، ثم تموت بالسرطان وهى فى ريعان شبابها.

ثبت طبيا أن الحزن يحدث خللًا بخلايا الجسم، مما يؤدى لأورام سرطانية حميدة أو خبيثة، حسب درجة الحزن، إن كان مؤقتا بريئا، أو مزمنا خبيثا، كان أبى زوجا فاضلا يعامل أمى باحترام وحب، لم يتعلق حزن أمى بزوجها أو إحباطها فى حياتها الخاصة، بل إحباطها فى حياتها العامة، لم تحقق أمى شيئا من طموحاتها الفكرية والعلمية، وكانت تنصحنى دائما بعدم إهمال طموحى الفكرى والأدبى لأجل أى رجل، وإن كان إمبراطور الصين.

يظهر وجه أمى أمامى بعد ستين عاما من موتها، وأنا أشهد وجوه النساء الخارجات للشوارع فى بلاد العالم، يشوحن بأيديهن فى وجه الظلم والقهر والهوان، يهتفن فى نفس واحد: يسقط العنف والتحرش بالنساء، تسقط الرجولة الزائفة، تسقط الأنوثة الذليلة، تسقط تعرية أجسامنا للسوق والأرباح، تسقط تغطية رؤوسنا باسم الدين والأخلاق، تسقط الازدواجية والتفرقة بين البشر، تسقط عبودية القرن الواحد والعشرين. تختنق أصوات النساء بالدموع، يخرج هتافهن مبحوحًا بعمق الألم ومرارة القهر، من قلب الجروح النازفة رغم الزمن، على مدى سبعة آلاف سنة تراكمت الأحزان، لم تلتئم جروح الأمهات والزوجات والبنات، ما إن يلتئم الجرح حتى ينزف من جديد، ما إن تتحرر البنت من سجن الأب حتى تدخل سجن الزوجية، ما إن تتحرر من خدمة الزوج والأطفال والأحفاد حتى يهلكها التعب والمرض والإحباط.

أكثر ما يهلك المرأة هو الحزن على ضياع عمرها فى الخدمة والطاعة دون جزاء، إلا القهر أو الغدر والخيانة، من الأحبة والأقرباء قبل الغرباء والأعداء، تحزن المرأة على فقدان نفسها واسمها وطموحها العقلى، يقولون لها: ليس لك طموح خارج الجسد، ليس لك حياة خارج الزواج، ليس لك ذات مستقلة يمكنك تحقيقها خارج بيتك وزوجك وأطفالك، يتهمون المرأة الطموح فكريًا بالانحراف النفسى والأخلاقى، تدافع المرأة عن نفسها، وإن كانت كاتبة أو طبيبة أو وزيرة، بالإعلان عن طاعتها الكاملة لزوجها، وتلبية رغباته وأهوائه، بما فيها فنون العشق بالفراش، وطبخ المسقعة والكوسة، رأينا بالصحف صورة الوزيرة المصرية الأولى مرتدية فوطة المطبخ تقدم الطعام لزوجها، وأظهرت أشهر محامية مصرية الزهو بمسح حذاء زوجها، وصرحت إعلامية معروفة بأن لزوجها حق تأديبها بالضرب دون إحداث عاهة مستديمة، وبالفضاء الإلكترونى رفعت مجموعة نساء شعار «زوجى هو زوجك» لتشجيع الرجال على الخيانات الزوجية.

شهدنا أضخم المظاهرات النسائية، بالفلبين وكوريا وأفغانستان وبولندا والأرجنتين وأوروبا وأمريكا، وفى إسبانيا وأيسلندا، نظمت النساء إضرابًا عن العمل بالبيوت «يوم واحد»، الذى أدى لتوقف جميع دواليب العمل والحركة بالدولة، بما فيها الطائرات والقطارات، ولزم الرجال البيوت يرضعون الأطفال ويطبخون، رفعت النساء الشعار «إن توقفت النساء عن العمل يتوقف كل شىء».

تربط النساء الواعيات بين العنف الزوجى وعنف الأنظمة السياسية، بين الاستبداد الخاص والاستبداد العام، بين الفساد فى الأسرة والفساد فى الدولة.

كان الفضل لاحتجاج النساء وتمردهن على النظام العالمى، الإدراك كيف أن هذا النظام العالمى يهدر المليارات من الدولارات للقتل وسفك الدماء، بينما يترك الغالبية من سكان الأرض يعانون من الفقر والمرض. ولهذا شاهدنا مظاهرات النساء على مستوى العالم ترفع شعار «الاستثمار فى الصحة وليس الاستثمار فى الأسلحة».