أرباح اليوتوبورز بالملايين بين الحقيقة والخيال بين الإشهار الكاذب والطعم الجاذب

عزيز باكوش
2019 / 12 / 12

أرباح اليوتوبورز بالملايين بين الحقيقة والخيال
بين الإشهار الكاذب والطعم الجاذب

في سابقة ، وفي كلام من القلب ، وفي جلسة صراحة ، أعلنت إحدى اليوتوبورزات المغربيات في مقدمة شريط فيديو نشرته في قناتها على اليوتوب أنها تربح 3 ملايين ونصف كل شهر من اليوتوب " وأضافت الشابة المتحجبة والابتسامة تغطي وجهها ، في الشريط الذي يمتد لحوالي 25 دقيقة بعد أن أفاضت وحشتها وتعلقها للبنات ، أن صاف أرباحها الشهرية على اليوتوب من خلال ما تقدمه من وصفات تجميلية تخص الرشاقة والصحة الإنجابية وجمالية البشرة ومقادير ووصفات طبيعية وأخرى قيد التجريب تتجاوز 3 ملايين ونصف شهريا ... وباقتضاب شديد فإن المال المكتسب والمعلن عنه في مقدمة الفيديو هل هو حقيقي أم مجرد تصريح كاذب وإشهار مغالط بشكل لا لبس فيه؟ .
الفيديو الذي تتصدره صورة للسيدة وهي تحمل بيدها اليمنى أوراقا نقدية من فئة الدولار عرف حوالي 300ألف مشاهدة منذ الساعات الأولى لبثه . وبصرف النظر عن جاذبية العنوان وبدون الدخول في مضمون الشريط إلى نهايته ، وعلى الرغم من التسليم باعتبار الشريط مجرد طعم على مستوى عال من الذكاء ، أو أن العنوان مجرد كمين لاصطياد الزبائن الغفل ، وأصحاب الرغبات الجارفة ومعهم النقرات واللايكات والجمجمات والتعاليق ، تلك الفئة التي لا تقاوم رغبتها أمام مثل هذه الوصلات الدعائية الكاسحة التي تسيل لعابهم حينما يشاهدون مثل هذه العناوين ، وتشجعهم على ركوب موجة النشر وإحداث صفحات على قناة اليوتوب ، والشروع على الفور في إنجاز الوصفات والتخطيط للمقادير ، وجني الأرباح وتحقيق الأحلام المالية بعد تفعيل القناة . فإن حماية المستهلك والتصدي لهكذا أشكال التغليط والإغراء المبالغ فيه أمر على مستوى عال من الأهمية اليوم وليس غدا ، وبناء على ذلك فإن الأمر يدعو إلى التحقيق والتأكد من طبيعة ما يجري ويدور داخل هذه القوقعة اليوتوبية بعيدا عن نظرية المنع ومنهجية التكميم والحظر التي يبرع فيها بلدنا أكثر من غيره ، علما أن الحرية والبراءة هي الأصل .
فإلى أي مدى تعتبر الأرباح المصرح بها من قبل اليوتوبوريون المغاربة حقيقية ؟ وهل يمكن تصنيف التصريحات بالأرباح الخيالية ضمن جرائم الأموال أو التملص الضريبي أو مداخيل غير مصرح بها ولا تخضع لمراقبة الدولة ؟ وإذا كان العكس هل إشهار المداخيل الوهمية كذبة إشهارية وعملية نصب واحتيال و مجرد وشاية كاذبة تستلزم الحساب والعقاب ؟
هنا تحديدا ، لابد من الإشارة هنا إلى مقترح قانون حول الإشهار الكاذب سبق أن تقدم به الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية ، ومن بين ما يهدف إليه ، منع الإشهار الكاذب عبر وسائل الإعلام المرئية والمكتوبة والمسموعة في الأماكن العمومية وفي الشارع العام وربما أمام أبواب المنازل. يتضمن مقترح القانون السالف الذكر ، عقوبات بخصوص جنحة الإشهار الكاذب بحيث تصبح الجنحة قائمة بمجرد نشرها وتوزيعها والتقاطها في المغرب، وتعاقب الجنح المرتكبة ضدا على هذا القانون طبقا لمقتضيات القانون الجنائي المتعلقة بالنصب والاحتيال والوشاية الكاذبة " وقد تناهى إلى سمعنا نحن المكتوين بنيران نشر المحتويات وتطويرها بما يفيد نبل الثقافة وأخلاقيات المهنة أن لجن القطاعات الإنتاجية بمجلس النواب ،قد باشرت مناقشة شكله ومضمونه لكن تغيب عنا التفاصيل الصادرة إثره .
وفي توضيحه للمقترح، قال الفريق الاستقلالي أن الإشهار بوسائله المتعددة وإغراءاته المتنوعة قد يحمل في طياته نوعا من التدليس والتحايل على المستهلك في غياب معايير موضوعية وقواعد قانونية تفرض احترام هذه المعايير ، وعقوبات زجرية يخضع لها كل مخالف لهذه القواعد خاصة عندما يخرج هذا النوع من الإشهار عن إطار التعريف بالمنتوج وبمواصفاته وأثمنته الحقيقية بقصد مخادعة المستهلك أو جلبه بطريقة كاذبة وتدليسية " كما تنص بنود المقترح على مباشرة المتابعة القضائية بعد البحث والتحري ضد الأشخاص سواء كانوا أشخاصا ذاتيين أو معنويين . علما أن القانون يعطي الصلاحيات للوكيل العام للملك بالتدخل تلقائيا لوقف كل إشهار كاذب في حينه أو فور التأكد من حدوثه . مقترح الفريق الاستقلالي يؤكد كذلك على ضرورة متابعة الأطراف المعنية بالعملية الاشهارية الكاذبة ومساءلتها قضائيا مع فرض ذعيرة مالية . وذلك في أفق تحصين الإشهار التجاري للحد من الإساءة إلى أهدافه النبيلة المتوخاة منه حتى يكون بالفعل في خدمة المستهلك.
ومع تسليمنا أن قنوات التواصل الاجتماعي في جوهرها وخاصة قناة اليوتوب YOUTUBE هي منصات لجني الأرباح ، وليس مقرات لأفعال الخير ، أو خيريات تأوي المشردين وعابري السبيل . وأن الإشهار علم وفن وله ضوابط وأخلاقيات ، وحتى يقوم الإشهار بالدور الكبير المنوط به في تنشيط الدورة الاقتصادية العامة والرفع من مستوى التنافسية الشريفة حماية للمستهلك من كل اشكال التغليط والتدليس " سن المشرع قوانين وأقر مراسيم ، وهذا ما دفع العديد من الدول لسن قوانين تنظم بمقتضاها هذه العملية حفاظا على مصالح المستهلك وأخلاقيات المهنة .
وحيث إن الأموال المكتسبة تودع بأبناك كاشفة، وحسابات يسهل رصدها ومراقبتها من قبل الدولة ، فكيف يمكن التعاطي معها من وجهة قانون المالية بالبلد ؟وإلى أي حد يمكن اعتبار تصريح اليوتوبورز مجرد إشهار كاذب يحمل معطيات أو يقدم بيانات يكون من شأنها التضليل والتمويه ؟
اليوم مهما كانت حمولة الترسانة القانونية والجنائية للبلد، يبدو أنها لا تستطيع منع الإشهار الكاذب الذي باث يؤثث بشكل متنام مختلف الحقول والأوساط الإعلامية ذات الطابع الفوضوي الموسوم بالحرية الشخصية . لذلك لا يحتاج الملاحظ او الباحث إلى كبير عناء كي يعرف أنواع الكذب وأشكال تسويقه ونوعية الفئات المستهدفة من غاراته ذات المفعول المركز والهدف المحدد والنتائج البالغة التحقق على أرض الواقع . لاسيما وأن مختلف مواقع التواصل الاجتماعي وقنوات البث الإلكترونية ذات الطابع الخصوصي تزخر بالإشهار الكاذب ، كبضاعة مسجلة قابلة للترويج على أبعد نطاق . وفيما يبدو المتلقي الفاقد للبوصلة مجرد آلة للاستقبال ، تسمو الرداءة وتستأسد سلعة الكذب المستشهر أو الإشهار الكاذب ليصبع عملة متداولة لها زبناؤها ومناصروها وحلفاؤها الدائمون في سوق تداول محموم تحكمه المردودية بالعملة الصعبة ، خارج تغطية سلطات البلد أو تحت مراقبتها المشلولة .
والسؤال ما ذا هيأت الدولة اليوم وما نجاعة القوانين المنشورة في الجريدة الرسمية أمس وغدا أمام هذا الزحف الهادر من الأكاذيب المنمقة بعبير الحرية، والإشهارات الكاذبة المضمخة بمشاعر التبادل والتقاسم البشري الكوكبي الذي يشحذ سماوات الله المفتوحة آناء الليل وأطراف النهار ؟