ماذا بين يد لوركا وقصائد ديوان خالد الهداجي في ديوانه مجرد رائحة لا غير

نائلة الشقراوي
2019 / 12 / 11

عن دار زينب للنشر صدر للشاعر خالد الهداجي ديوان مجرد رائحة لا غير كتبها الشاعر من وراء النوافذ والشرفات متقمصا دور الرائي الذي تمتد بصيرته الى ما وراء النوافذ والشرفات .الاهداء كان للأطفال ،للقتلى ولوركا وكل من اغتيل .واذا قرأنا الإهداء من منطلق سيميائية بيار غيرو نقف امام اشارات يلمح بها الشاعر منذ البدء الى أن محتوى قصائده واهدافها سيكون الكشف عن جرائم القتل التي طالت الأبرياء أثناء الثورة وقبلها والحديث عن اشكال الإضطهاد التي نالت من رفاقه والتي لا يملك ازاءها من قوة و مشاعر سوى ما تمناه لوركا في قصيدته اليد المستحيلة .لا يحتاج الشاعر للحديث عن كل ذاك في نصوصه الى تقديم أدلة أو شهودا أو تقارير بل قدم لنا لغته شاهدا ودليلا .اللغة في قصائد الديوان لعبة الكاتب المرنة التي يشكلها كيفما اراد و وفقا لحالاته .اتسعت اللغة كثيرا بالنصوص ولم تضق العبارة بل كانت اللغة هي نقطة البياض التي يزرعها الشاعر في السواد نافذة أو شرفة في أعلى الأماكن يخترق من خلالها خيط الضوء ليرتق به ما تفتق من ذهنه ليحيله شعرا .(كنت أرى المشهد بوضوح كامل ،كنت اعرف كل النوايا ،لأني كنت أطل على هذا من أعلى قمة ،لأني كنت أطل عليهم من شرفة بيتي )خالد هداجي شاعر نثر وهبته القصيدة النثرية الثائرة على السائد في المبنى والمعنى حرية بناء نصه فيكثف من تكرار المفردة الواحدة في نفس القصيدة واحيانا يكرر وحدات كاملة أو شطرات تعمق لدى القارئ شعوره بالفكرة أو الحالة فيتماهى معها ويتناغم مع ايقاعاتها الحزينة أو المتقدة بالضياع والحيرة والعجز.وقد اهدى الشاعر في الجزء الأخير من ديوانه قصائد الى سجناء الاتحاد العام لطلبة تونس وقد أسماها رسائل الجمر فكتب انتظار الى نبيل بلطي ورتابة الى ضمير بن علية وأسئلة صغيرة الى عمر إيلاهي ..رسائل نكتشف من خلالها ان السجناء ليسو سجناء الأماكن المقفلة بحكم القانون فقط وانما هناك سجناء الخارج الذين يحيون وراء قضبان سجن أكبر هي الحياة بنفس عناصرها التي يتحول فيها السجان هناك الى مخبر هنا فيحيا الشاعر سجين الظلام مطلا على الشوارع القذرة من نوافذ تضيق لتتسع فقط لاستيعاب كم أكبر من الضجيج النفسي والعقلي والوجودي لمن أراد كنس الغبار عن الضوء فانتهى محترقا مغتربا تبكيه الأم والحبيبة والوطن.(خارج تلك الأسوار لاشيء يذكر غير ريح شمالية أدمنت شوراعنا لا شيء يذكر سوى أوراق تتساقط يوميا ،نفسها ابتسامات المخبرين واسنانهم الصفراء).
فهل نصنف قصائد الديوان على انها ثورية أو سياسية ؟رغم الإهداء والمضامين الرمزية لبعض النصوص الثائرة فإن الدائرة التي يطوف على مشارفها الشاعر ويترك نقاط تدل على آثره لم تكن ابدا مقفلة حتى ان حدودها تنتفي كما انتفت فكرة سقوط التفاحة وقانون الجاذبية الذي تحول من مكسب علمي الى انتصار حربي ،فالدائرة باتساعها تحولت الى حلبة صراع انساني في مدن تدنسها أحذية الظلم والديكتاتورية بعد أن تخوض حربها التدميرية ضد الانسان وتمنعه عن التحليق كطير خلق ليكون حرا في السماء لكنه يجد نفسه سائرا في ضجر وتعب بطريق لا ينتهي إلا للذبول والدموع (سرنا طويلا في هذا الطريق أنا لم اكن اعرف أن هذا الطريق يخبئ في جرابه الكثير من البكاء ). ويختتم الشاعر ديوانه بالتأكيد على المستحيل فيقول( تلك الفراخ التي انتظرتها الف عام لن تصبح عصافير ولا يماما تلك الفراخ التي تدفن رأسها في الرمل) وهو ما أنهى به لوركا قصيدته (كل شيء مضى وانقضى،
كل مَا تبقى تورد بِلاَ اسم، كوكب مُتَكامل
مَا تبقى شَيءٌ آخر ريح حزينة،بينما تفر الأوراق أَسرابا) فندرك بالأخير أن تلك اليد التي تحقق الخلاص مستحيلة والتغير أو الاصلاح أمنية لا تحقق في وجود لم يدرك الانسان من تناقضاته سوى الجوانب المظلمة .