قبيلة اسمها المغرب

خالد الصلعي
2019 / 12 / 10

يمكن اعتبار المجتمع السياسي المغربي مجتمعا قبليا بامتياز ، وذلك على ضوء مرتكزات سوسيولوجية وبيوسياسية ، وهو أحيانا ينحدر الى ما بقي من ترسبات قبلية ما قبل كولونيالية ، حيث يتحول رئيس حزب ، كي لا أقول زعيم أو قائد ، الى شيخ يهدد ويتوعد ، يسن ويوزع الطعام واللباس حسب تراتبيات مجتمع القبيلة .
ربما من خلال خطاب السيد عزيز اخنوش الذي توعد وهدد فيه المغاربة يمكن ان نقف على حقيقة الرجل وخلفياته الثقافية والسياسية . فالرجل بعيد كل البعد عن روح العصر ، بكل ما تحبل به من صراعات سياسية تصل في حدتها الى محاولة عزل الرئيس الأمريكي ، وفي أخرى الى استنهاض عراقة حضارة اثيوبيا ، ويتوسطهما تلك المصالحة الأفقية والعمودية السودانية القائمة بعد الثورة الأخيرة . فما بين النماذج السابقة نجدنا خارج سياق التحولات السياسية العالمية . لكن للأسف نعثر على أنفسنا داخل انظمة تشبهنا او يحاول بعض سياسيينا ان يجرونا اليها عنوة ، كالنظام المصري او السعودي .
ويمعنى آخر اما ، الى نظام عسكري قح دون رتوشات ولا تعديلات او أقنعة ، أو ، الى نظام قبلي ، بكل ما تحمله كلمة قبلية من معنى . حيث التعصب الى التقاليد المغلقة ، وان كانت طارئة ، فكل بنية نظام تعمد الى صناعة تقليدها الخاص بها ، تماما كما صنع تشاوسيسكو ومعمر القذافي وصدام حسين وبينوتشي وعبد الناصر . فيغدو التغيير المنشود خارج الاطار الذي سيجه النظام مروقا وعصيانا ، معارضة وانشقاقا ، يوجب المحق والسحق ، حتى وان لم يتبن الطرف الآخر ذلك . فالتعصب للقبيلة يفرض على الشيخ -شيخ القبيلة- أن يطرد من جغرافيتها كل من يعارض توجهاتها المسطرة من قبل أسلافه .ولا معنى للقفزات الحضارية الكبرى ، كالحداثة او ما بعد الحداثة او العولمة والانفتاح . فتلك آليات يوظفها الشيخ حسب هواه ، وليس حسب أنساقها التاريخية والمجالية .
ذلك أن بنية القبيلة كما يراها أخنوش ثابتة ثبوت آلهة اليونان أيام العصر الأثيني والاسبرطي . وهي مقدسة ، كما كان حال تشاوسيسكو والقذافي ، وأي اقتراب منها هو تحطيم لصنم آلهة شيخ القبيلة . نوع من المكيافيلية المبتذلة التي لن تعثر عليها الا في تطبيقات اعتى الديكتاتوريات .
أخنوش يخاطب المجتمع بلغة الأحياء الشعبية العتيقة "الى مامربيشي نربيك " ، هكذا تصيح الجارة في طفل صغير خرج لسانه عن اللياقة واللباقة ، او يصيح جار في وجه شاب انحرف بسلوكه . بل المقزز في الأمر ان يؤلب السيد اخنوش المغاربة ضد بعضهم خارج مؤسسات الدولة ، وبذلك ينفي بنية النظرية السياسية العصرية عن النظام المغربي كما هي مضمنة في دستور مغرب 2011 ، عير آليتين ، ألية نفي كون المغرب دولة مؤسسات ، حيث يمكن للأمن والقضاء ان يقوما بدورهما في حال الاخلال بالنظام العام وخرق نظم الحريات العامة ، كحرية التعبير . وآلية زرع الفوضى في المجتمع ، أي اعادة مفهوم السيبة الى بنية المجتمع بدعوة المغاربة الى معاقبة بعضهم البعض دون الاعتماد على منظومة الأجهزة المتعدةة للدولة . وهي دعوة صريحة الى الفوضى والفتنة .
ان غياب الفعل السياسي المنظم والمؤطر ضمن سياق وعي محفز وبناء وفق اسراتيجية شمولية . لن يفرز لنا غير أشباه اخنوش ، الرجل الذي ادانته مجموعة من المؤسسات وعلى رأسها مؤسسة رسمية كالمجلس الأعلى للحسابات ، وخروقات شتى كاستغلاله الوضع العالمي لتقلبات أسعار المحروقات واستفادته من 17 مليار ، وتبديده لأكثر من 50 مليار المقررة لبرنامج المغرب الأخضر ، والارار بالمنتوجات الفلاحية واحتكاره للصيد البحري والرفع بطريقة دراماتيكية لأسعار السمك بالمغرب .
الرجل من هذا المنظور يبدو وكأنه فعلا الحاكم الفعلي للمغرب ، فهو شيخ قبيلتها الذي لا يسأل عما يفعل ، ولا يمسه حساب او عقاب ، بل ان مجرد النظر اليه قد يعتبر جريمة ، فما بالك اذا انتقدته ؟
هكذا ينبطح السيد اخنوش الى اهم أسس البحوث الكولونيالية التي تأسس عليها الاستعمار الفرنسي للمغرب ، اذ كان الباحثون الأنثروبولوجيون والسوسيولوجيون يراقبون اوضاعه من الجارة الجزائر ، ويبثون بعضهم داخل قبائله ، وكان اول ما انتبهوا اليه هو ذلك الحقد القبلي بين مختلف القبائل ، وغزو بعضهم للبعض ، وتحالف البعض ضد الآخر . فاستغل الاستعمار هاته الوضعية التمزقية القائمة على أحقاد نفسية تنتصر للعصبية القبلية ولشيخ القبيلة ضدا على الآخرين وان كانوا متوجين ملوكا .
فالحقد المتبادل كان من أهم الركائز التي استغلها المستعمر الفرنسي لتأليب هذا ضد ذاك ، واستعمار البلاد واستنزاف خيراته للآن .
فخارج مقاربة حديثة وعصرية لما يموج وروج في المغرب ، لايمكن الادعاء اننا نعيش عصرنا ، ويكفي أن تقوم شخصية بمواصفات عزيز أخنوش وتدلي بمثل ذاك الخطاب لندرك أننا خارج عصر الذكاء الاصطناعي ، وخارج المأسسة التكنولوجية ، وبعيدا جدا عن الوعي السياسي الهادئ والمرن .