الثورة في الشعر الفلسطيني المعاصر

هشام عبد الرحمن
2019 / 12 / 8

فلسطين جرحنا النازف وشوقنا الأبدي تهفو لها الأرواح وتنبض بحبها القلوب، وكم رسم الشعراء أشواقهم أبيات من نور عزفوها على بحر الحنين لأجل فلسطين، فامتلأ الفضاء بأناشيد الثورة وأغاني العودة والحنين، تنافس الشعراء في الكتابة لفلسطين فأجادوا وأبدعوا، فمنذ بداية القضية الفلسطينية مع انتهاء السلطنة العثمانية وبداية الانتداب على فلسطين أخذت الأقلام تكتب شوقا لفلسطين واستمرت إلى يومنا الحاضر.
لقد أثرت القضية الفلسطينية الشعر الفلسطيني المعاصر بفيض غزير جداً من القضايا والموضوعات الجديدة. ولعلي لا أخالف الصواب بقولي: إن ديوان الشعر الفلسطيني المعاصر يمثل دائرة واسعة من دوائر الرصد والمتابعة لأبعاد القضية الفلسطينية وملابساتها وأحداثها وتطوراتها وتسلسلها التاريخي والزمني، منذ أن وطئت أقدام الإنجليز أرض فلسطين حتى اليوم، ورصداً متكاملاً لجميع الظروف والملابسات وألوان المعاناة التي مر بها الإنسان الفلسطيني قبل النكبة وبعدها، داخل الوطن المحتل وخارجه، سياسياً واجتماعياً واقتصادياً ونضالياً. وبحق، فقد استطاع الشعر الفلسطيني المعاصر أن يكون من نفسه مصدراً أساسياً من مصادر دراسة القضية الفلسطينية. هذا الفيض الزاخر من القضايا والموضوعات الجديدة، التي نمت وتطورت مع نمو وتطور أحداث القضية،
وقد نالت القضية الفلسطينية وأحداثها المريرة على نصيب وفير من كتابات الشعراء الفلسطينيين، فسجل كل منهم وقائع وحقائق مختلفة، إذ نجحت هذه الأشعار بتلخيص الحالة الفلسطينية والذاكرة الجماعية الشعبية، وبالرغم من أنها كُتِبت منذ عقود طويلة، إلا أنها استطاعت أن توثق أحداث الماضي والحاضر والمستقبل
من أشهر الأناشيد الثورية التي حفظها الناس وتناقلوها جيلًا بعد جيل حتى يومنا هذا، وتم إعادة إنشادها وتلحينها أكثر من مرة ولأكثر من فنان فلسطيني نظرًا لأنها تحمل قصة الأبطال الثلاثة محمد جمجوم، وفؤاد حجازي، وعطا الزير .
ومع بدء الثورة الفلسطينية عام 1965 وما تخللها من محطات متباينة بين السلم والحرب، كانت الأغنية الثورية رديفًا للبندقية، فالكلمة توازي طلقة، واللحن بمثابة تظاهرة، لا تُلهب المشاعر وحسب، وإنما تُحرك القرار باتجاه مُقاومة المحتل ومحاولة إجلائه.
بعد انطلاقة الثورة الفلسطينية في عام 1965 بات الشعراء يتغنون بالثورة ويستلهمون النصر بعد كل معركة يُجابهون بها المحتل، يواكبون الفعل المقاوم فكلماتهم تكون رديفًا للبندقية وألحانهم سبيلًا لإثراء الحماسة وتغذية الثورة، ومنها «باسم الله باسم الفتح باسم الثورة الشعبية»، التي كتب كلماتها الشاعر صلاح الدين الحسيني (أبو الصادق)، ومثّلت الشارة الخاصة بإذاعة العاصفة، قبل أن يُوحد الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات فصائل العمل المقاوم في إطار واحد، هو إطار الكفاح الموحد المسلح، ويقول مطلع النشيد:
باسم الله باسم الفتح باسم الثورة الشعبية باسم الدم باسم الجرح اللي بينزف حرية باسمك باسمك يا فلسطين أعلناها للملايين عاصفة عاصفة عاصفة
تحولت هذه الكلمات التي ترنم بها الشاعر الفلسطيني «محمد حسيب القاضي» في السبعينيات إلى نشيد ملحمي يُردده الصغير والكبير؛ كونه يُحرّض الثوار على الاستمرار في التضحية والعطاء من ناحية، ويستنهض الهمم ويقوي العزائم من ناحية أخرى من أجل دحر الاحتلال والنصر والتحرير. لم تخل مناسبة وطنية في ذلك الوقت وحتى في الانتفاضة الأولى من الصدح بالقصيدة التي يقول مطلعها:
يا جماهير الأرض المحتلة ثورتنا انطلقت، قيدي من دمك الشعلة لا إرهاب ولا معتقلات بتضعف عزيمتنا بدمنا وكفاحنا بتزيد وتقوى ثورتنا
وعندما نتحدث عن الشعر المقاوم والقضية الفلسطينية لا بد التعريج على محمود درويش
الذى أخذت أشعاره نهجاً جديداً ومنعطفاً متحدياً لحياة الذل والخنوع داعياً إلى النهوض إلى الرفض، فسجنه الكيان الغاصب لأنه يريد فلسطينيين مدجنين مستسلمين.. ولكن كلمات محمود وصلت إلى شعبه الذي بدأ يفهم كيفية التعامل مع عصابات القتلة فظهرت الجماعات الفدائية وقامت بعمليات شجاعة فسجن عام 1965 للمرة الثانية بتهمة التحريض ثم سجن مرة ثالثة عندما ألقى قصيدة "نشيد الرجال" في الجامعة عام 1966 ولم يكد يستنشق نسمات البعد عن التحقيقات حتى سجن للمرة الرابعة بسبب كتاباته النثرية وأشعاره التي أخذت تهز المجتمع الصهيوني العنصري.. وبعد عدوان حزيران 1967 على سورية والأردن ومصر خرجت قصائده من فلسطين المحتلة لتطبع في لبنان وتقرأ في أرجاء الوطن العربي ..في عام 1969 أعيد للسجن للمرة الخامسة بتهمة أن أشعاره هي المحرض على نسف الفدائيين بيوتاً للصهاينة في مدينة حيفا.. وفي حرب تشرين التحريرية عام 1973، انتشرت أشعاره الغنائية:‏
مرفوع الهامة أمشي‏
في كفي قبضة زيتون‏
وعلى كتفي نعشي‏
وأنا أمشي‏
ولا ننسي الشاعر الصحفي معين بسيسو وهو من الشعراء الذين مارسوا السياسة ايضا وجعلها وسيلة للنضال ضد المحتل تماما مثل الشعر. من مؤلفاته “فلسطين في القلب” و”الاشجار تموت واقفة” و”القصيدة” ثم “وحينما تمطر الاحجار والمعركة”.
ولم تقتصر تجربة بسيسو على الشعر فقد خاض الكتابة المسرحية ايضا وطوعها لفكرة الثورة ايضا فكتب “ثورة الزنج” و”محاكمة كتاب كليلة ودمنة” ثم “مأساة غيفارا والصخرة” وغيرها من الاعمال.
كما كانت كتاباته في مجال الصحافة ثائرة ايضا وله حضور في المشهد الشعري ليس العربي فحسب بل العالمي.
إن كان موشيه ديان وصف قصيدة فدوى طوقان بأنها تساوي ألف مقاتل، فإن أغاني وأناشيد الثورة التي تربينا عليها وصدحت بها الحناجر وهي تدري، أو لا تدري بأنها للشاعر محمد حسيب القاضي، كانت ولازالت في كل كلمة من قصائده حمم ونار تؤجج مشاعر الإنسان العربي عامة والفلسطيني على وجه الخصوص، فكم من كلمة كانت بفعل المدفع، وكم من حرف كان في القلب أوقع, كتب أغانيه للثورة والدولة وجمع هذه الأغاني بديوان أسماه "نشيد للبندقية والرجل"
أطلقت أعيرتي.. ألقيت قنبلتي
فجرت أحزمتي... فلتذكروا.. فلتذكروا
أخي لِتَرم دمي على العدو رصاصا
من يدي وفمي
واحمل جراحي فجرا عاصف اللهب
فثورتي أمي وهذا الشعب أبي
ان الاشعار التي تم غناؤها في الانتفاضة الاولى عام 1987 كُتِبَت قبل انطلاق الانتفاضة بعام ما يشير الى توقع الشاعر لما سيلجأ له الشعب الفلسطيني من ادوات النضال امام عدو مركبٍ يتلون و يتغير منذ القرن التاسع عشر، و اشار ابو خالد الى ان الشعب الفلسطيني قدم 13 الف شهيد منذ عام 1948 و بالنظر الى قضية النسبة و التناسب مع الشعب الجزائري الشقيق يكون شعبنا قد قدم اكثر من مليون شهيد.
وعن المرحلة التي يتحدث عنها الشاعر الغنائي و هي الانتفاضة الاولى يقول انه تعاون مع فرقة جذور التي غنت له اكثر من 40 اغنية في محاولة لسد الفراغ الذي تركته فرقة العاشقين في تلك الاونة.
اول القصائد الغنائية التي كتبها خالد ابو خالد كانت "زغردي يا ام الجدايل" كانت للتعبير عن رحلة النضال المتراكم للشعب الفلسطيني منذ عام 1920 وصولا الى يومنا هذا و مرورا بالنكبة والنكسة و انتفاضة الحجارة.
واذا اردنا ان نستذكر أبرز شعراء الثورة والمقاومة , عبد الرحيم محمود، عبد الكريم الكرمي "أبو سلمى"، إبراهيم طوقان، هارون هاشم رشيد، راشد حسين، ، سميح القاسم، توفيق زياد، سالم جبران، خليل زقطان، ، عصام العباسي، حنا أبو حنا، شكيب جهشان، فدوى طوقان، عز الدين المناصرة، أحمد دحبور، خالد أبو خالد، عصام ترشحاني، عادل أديب آغا، ، الذين نظموا أشعاراً لم تلهب مشاعر من اكتوى بنار الاحتلال فحسب، بل لامست شغف الملايين من التواقين للحرية في العالم والذين أطلق عليهم "شعراء المقاومة"؛ فنجد السجون قد اكتظت بالمقاومين الذين أخذوا يصوغون تجربة جديدة وراء القضبان، ويصنعون بها إرثاً جديداً للمقاومة، ويسطرون أروع ملاحم المواجهة بين "السجان" و"السجين" المقاوم؛ فأخذت كثير من الأشعار بل والأعمال الفنية المقاومة تخرج إلى النور من ظلام السجن، وذلك قبل خروج "المقاوم".
ويجدر ان الشاعر الرفيق محمود الغرباوي وضع اللبنة الأولى لثقافة وأدب المعتقلات، ومن خلال قصائده سجل معاناة الأسرى وبطولاتهم وتحدياتهم، وصوتا حطم حاجز السجن والخوف وسياسة الاستهداف الثقافي التي مارستها إدارة السجون ضد الأسرى عبر سنوات طويلة.
تصدى الغرباوي لسياسة الإفراغ الثقافي والفكري في السجون، عندما أعلنت إدارة السجون الحظر التام على الثقافة الوطنية والإنسانية بل على كل وسيلة ثقافية، فانفجرت كلماته، وأشعاره وطاقاته الإبداعية، لتشكل قصائده وثائق وشهادات سجلت لمراحل تطور الوضع الاعتقالي ودللت على المستوى السياسي والثقافي للمعتقلين الفلسطينيين في كل مرحلة من مراحل اعتقالهم والظروف المحيطة بعملية الصراع.
خذني إلى غزة
خذني
فقد يحتاجني حجر، جرّاح
طفلة فقدت أخاها قرب المدرسة
فأرشدها الجنود إلى طريق المقبرة
لقد أخذ الشعر الفلسطيني منذ البداية التأريخ لقضية بلاده وشعبه سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وفكرياً وعسكرياً، وأصبح مصدراً من مصادر التاريخ السياسي والنضالي والاجتماعي الفلسطيني.
من كل هذا، نصل إلى حقيقة صادقة، هي أن الشعر الفلسطيني المعاصر، او ما نطلق عليه شعر الثورة , على الرغم من كل ظواهر الإضراب السياسي والاجتماعي التي مر بها قد قطع أشواطاً بعيدة في نموه وتطوره وتجديده موضوعياً وفنياً خلال القرن الماضي؛ فقد سايرت القصيدة العربية التطور، ودخلت الحداثة من أوسع أبوابها، وتوغلت فيها توغلاً بعيداً، تاركةً بصمات واضحة في الشعر العربي والعالمي؛ يمكن من خلالها أن نطلق عليه ـ بقوة وحزم ـ اسم الشعر الفلسطيني المعاصر، بظروفه الخاصة وكيانه المفرد ونكهته الفريدة ومذاقه المتميز واتجاهاته المحددة، وخصائصه المتميزة.
ويبقى القول ان الشعر الفلسطيني من أشد الآداب التصاقاً بشخصية شعبه، وأهدافها في التعبير عن همومه تعبيراً حياً، وعن العطاء الذي قدمه الفلسطينيون لوطنهم وقدرتهم على الصمود والمقارنة والبذل والتضحية .