القراءة الماركسية لثورة أكتوبر الإشتراكية (4)

فؤاد النمري
2019 / 12 / 7

القراءة الماركسية لثورة أكتوبر الإشتراكية (4)

نحن لا نفتئت على البورجوازية الوضيعة عندما ندينها بالحقد والكراهية للشيوعية والشيوعيين أكثر بكثير من حقد وكراهية الرأسماليين والإمبرياليين . لقد آلت السيادة في العوالم الثلاث بعد الحرب للبورجوازية الوضيعة مجاناً ودون أدنى وجه حق طالما أنها ليست شريكاً أصيلاً في الإنتاج مثل الرأسماليين أو العمال . فليس إلا ضرباً من ضروب الوقاحة الفاضحة أن تنكر البورجوازية الوضيعة حقيقة أن نهاية ستالين كانت إغتيالاً بالسم على أيدي رفاقه في قيادة الحزب مما ترتب على ذلك إلغاء الخطة الخمسية في سبتمبر ايلول 53 وهو ما جسد الإنقلاب التام على الإشتراكية . ينكرون كل هذا ليدعوا أن انهيار الإشتراكية كان لعيب فيها . لكنهم لم يقولوا كيف أن الإشتراكية السوفياتية المعيبة كانت قادرة على حمايتهم من الغول النازي وقد تملكهم الخرع فهربوا من مواجهته !!

نستذكر كل هذا لنؤكد أن الاتحاد السوفياتي لم يعد اشتراكيا بعد اغتيال ستالين والخروج من النهج اللينيني . ففي يونيو حزيران 57 إجتمع المكتب السياسي لينظر في مشروع خروشتشوف "إصلاح الأراضي البكر والبور" ولما رأى المكتب السياسي أن المشروع المقترح لا يستند إلى دراسة علمية بل يعارض السياسة المعتمدة في الحزب، تم الإقتراح بإعفاء خروشتشوف من أمانة الحزب ورئاسة مجلس الوزراء وقد حظي الإقتراح بموافقة سبعة اعضاء من مجموع تسعة. كان على خروشتشوف أن يتنحى من وظيفتيه بموجب القوانين المرعية إلا أن المارشال جوكوف حرضه على تجاهل القرار ودبر جوكوف انقلاباً عسكريا أطاح بأعضاء المكتب السياسي – في العام 54 كان المارشال جوكوف مرذولاً في بيته بعد اعترافه في المحكمة بالسرقة حين تسلم خروشوف الرئاسة استعاده وزيراً للدفاع وعضواً مرشحاً في المكتب السياسي لكن بعد الإنقلاب العسكري ببضعة شهور وترفيعه لعضوية المكتب السياسي طرده خروشتشوف من الكتب السياسي ومن الحزب خشية من تدبير أنقلاب على خروشتشوف هذ المرة وهو الإنقلاب الذي تأخر حتى العام 64
منذ العام 53 لم يفلت خروشتشوف من قبضة العسكر وقد اعترف بذلك في مذكراته فبناء على طلب العسكر قرر مؤتمر الحزب العام الثاني والعشرون في العام 61 إلغاء دولة دكتاتورية البروليتاريا واستبدالها ب "دولة الشعب كله" وسخر بغباء لا مثيل له من الصراع الطبقي مستهزئاً .. " هل علينا أن نتصارع لنسرّ الأعداء !!؟ " وزاد على ذلك فقال بالإستقلال المالي لمختلف مؤسسات الإنتاج وشرعية المرابحة في دورة الإنتاج . وهكذا لم يبقَ من الإشتراكية السوفياتية سوى الإسم .

ما إن أعلن خروشتشوف نهاية الثورة الإشتراكية في مؤتمر الحزب العام الثاني والعشرين حتى دبّ الحماس الشديد في المخابرات الأميركية الموظفة فقط في مقومة الشيوعية فكان أن دبرت في الستينيات عشرات الإنقلابات العسكرية الرجعية في الدول المستقلة حديثا راح ضحيتها مئات ألوف الشيوعيين في أندونيسيا وعشرات آلاف الشيوعيين في العراق . وحيثما قصرت المخابرات الأميركية قامت بالنيابة عنها المخابرات السوفياتية فدبرت إنقلاب بومدين في العام 64 ضد قوى الإشتراكية المتنامية في الجزائر بقيادة بن بلاّ وانقلاب حافظ الأسد في سوريا في العام 70 الذي أعلن عداءه للإشتراكية السوفياتية .
المفارقة المثيرة حقاً هي أن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفياتي أعلنت قرارها بإلغاء الخطة الخمسية الخامسة في سبتمبر 53 بحجة أن تطبيق الخطة من شأنه أن "يوهن" وسائل الدفاع عن الوطن، وهو ما يعني بصريح العبارة، كما شرحت للخلية الحزبية التي كنت أقودها آنذاك، أن الشعوب السوفياتية لم تكن بحاجة للبسكويت والزبدة بقدر حاجتها للمدافع والدبابات ومختلف أسلحة الحرب – كانت كل الأخبار التي وصلتنا عن الحرب هي أن بريطانيا هي التي انتصرت على ألمانيا النازية ولم نكن نعلم أن الدول الغربية الكبرى الثلاث هي التي احتمت بمظلة القوى السوفياتية الجبارة - وبالفعل تحول الإتحاد السوفياتي منذ العام 53 من دولة تصنع الإشتراكية إلى مصنع للأسلحة التي لا يحتاجها بنو الإنسان ؛ المفارقة المثيرة حقاً هي أن يصل الرئيس السوفياتي ليونيد بريجينيف في الأول من أغسطس آب 75 إلى هلسنكي ليستعطف قادة الدول الغربية الرأسمالية الكبرى "لملاقاته في منتصف الطريق كيلا يخسر كلانا" !! وهو ما يعني أن الإتحاد السوفياتي كان على استعداد لاستخدام كل الأسلحة التي تم تصنيعها بديلاً عن الخطة الخمسية الخامسة لحماية النظام الرأسمالي وقد كان في طور الإنهيار !!

العقبة الكبرى التي تواجهها الثورة الشيوعية اليوم هي أن الشيوعيين الخراشفة (أيتام خروشتشوف) تخلوا عن قراءة التاريخ تلك القراءة الماركسية . علم التاريخ الماركسي يؤكد أن محرك التاريخ هو الصراع الطبقي ، مع ذلك ينكر الشيوعيون الخراشفة أن انهيار الثورة الإشتراكية خلال النصف الثاني من القرن العشرين بعد أن امتلكت كل أزِمّة التطور في العالم مع بدايته، ينكرون أن ذلك إنما كان بفعل الصراع الطبقي . هؤلاء الخراشفة ليسوا صمّاً بكماً لا يفقهون، كما قد يُفترض، بل ينكرون الصراع الطبقي وذلك لأنهم هم أنفسهم الذين صارعوا طبقة البروليتاريا وصرعوها عندما ألغوا دولة دكتاتورية البروليتاريا في مؤتمر الحزب "الشيوعي" في العام 61 .
مبكراً في المانفيستو 1848 حذر ماركس وإنجلز من طبقة البورجوازية الوضيعة (Lower Middle Class) التي لا تنفك تدفع بعجلة التطور إلى الخلف . وحذر لينين بقوة من طبقة البورجوازية الوضيعة في كتابه "الضريبة العينية" في العام 1921 كونها العدو الرئيسي للإشتراكية في الدولة السوفياتية .
“ we must expose the error of those who fail to see the petty-bourgeois economic conditions and the petty-bourgeois element as the principal enemy of socialism in our country”
وفي العام 38 أكد ستالين على أنه بمقدار ما يتقدم عبور الإشتراكية بمقدار ما يحتدم الصراع الطبقي .
وفي الندوة الفريدة التي عقدها الجزب الشيوعي في العام 51 للبحث في المسائل الإقتصادية للإشتراكية في الإتحاد السوفياتي رأى معظم المنتدين وجوب تشديد الصراع الطبقي، غير أن ستالين رأى في ذلك مخاطر على الثورة وعلى النظام .
تجاهل الخراشفة لكل هذه العناوين في تاريخ الثورة الشيوعية لا يعني سوى أنهم هم أنفسهم طبقة البورجوازية الوضيعة العدو الرئيسي للإشتراكية في الإتحاد السوفياتي، خليك عن مختلف الوقائع السوفياتية في النصف الثاني من القرن العشرين التي تؤكد ذلك .


الحبر الذي أُسيل في الكتابة عن آباء الشيوعية، ماركس وإنجلز ولينين وستالين، خلال قرنين كاملين سواء في التأييد أم في المعارضة فاض على كل الحدود المعلومة . ليس من سبب لذلك غير أن ماركس وإنجلز كانا قد أكدا في منتصف القرن التاسع عشر أن النظام الإجتماعي الرأسمالي كان قد أصبح وحدة عضوية واحدة لا تتجزأ ولن تتطور إلا من خلال ثورة شيوعية تقوم بها البروليتاريا في مركز النظام الرأسمالي وتدوم (Permanent) حتى الإنتصار في مختلف أقاصي الأرض ؛ وكان قد أخذ البلاشفة بقيادة لينين وستالين تحقيق نبوءة ماركس وإنجلس في صدر القرن العشرين . مختلف أشتات البورجوازية وملاك العقارات وغيرهم من صنوف الرجعية يعارضون بشدة فيما ذهب إليه ماركس وإنجلز والبلاشفة .
فيما بعد الحرب العالمية الثانية اعترف قادة البورجوازية في العالم بأحقيّة نبوءة ماركس فكتب رجل الاستعمار العجوز ونستون تشيرتشل لستالين في 6 ابريل 43 يقول .. "أنا أدرك تماماً بأنكم العمالقة ونحن لسنا مثلكم" . ثم خطب تشيرتشل في مجلس اللوردات محتفياً بذكرى ميلاد ستالين الثمانينية في 23 ديسمبر 59 يقول .. "حاربنا ستالين بأدواتنا وانتصر علينا كاستعماريين" . وقبل أن يتوفى روزفلت في 13 ابريل 45 كتب في مفكرته يؤكد إيمانه بأن ستالين وليس تشيرتشل هو من سيبني عالماً يسوده السلام والديموقراطية .

(يتبع)