بديل الانتحار: عن المسافة بين النبوة والسقوط

حاتم الجوهرى
2019 / 12 / 7

بداية أعتذر لعدم انتظامي في كتابة ما يشغلني هذه الفترة وتحديدا في هذا الموضوع؛ بسبب التزامي بعدة أبحاث جديدة أحلم بأن تشكل نسقا رافعا للمستقبل، على قدر الجهد والسعي الذي وضعته فيهم ومدى الحلم والأمل بنهضة الذات العربية واستعادتها.
حقيقة في كل موضوع أكتب فيه، توجد نقطة هى المُفجر للأسئلة والبحث عن "النمط" الكامن فيما ورائها، وفي موضوع انتحار الشاب الجامعي المصري من فوق برج القاهرة، فَجرَ الموضوع ذلك اليقين/ المستحيل/ الإصرار الذي قفز به ذلك الشاب من فوق البرج، وكأنه يبحث عن حبيبته ويلقي بنفسه بين ذراعيها، وأيضا في ظل وجوده هناك مع صديقه وليس منفردا! مشهد يشبه المستحيل بعينه وحكايات الأساطير اليونانية القديمة.

الانتحار وتمثلات الخروج على المجتمع
هنا نظرت للأمر من جهة مغايرة وحاولت البحث في عموم الظاهرة والمسكوت عنه فيها وتوصيفاتها الاجتماعية الغائبة، وتوصلت لمدخل أن الانتحار هو مجرد أحد تمثلات فكرة الخروج على المجتمع (والتنكر له تماما من خلال الانسحاب الجسدي والموت)، إنما مثله مثل التكفير والإرهاب (والخروج على المجتمع بالعنف والتطرف)، أو الهجرة (والخروج علي المجتمع بالعيش في المنفي)، أو الخروج على المجتمع عن طريق الاستلاب لنظام اجتماعي/ حضاري آخر (سواء قيميا أو أيديولوجيا أو ثقافيا).

عجز منظومة القيم وزيف المجتمع الصغير
وحددتُ السبب الرئيس الذي يدفع إلى عملية الخروج على المجتمع؛ في أنه عجز منظومة القيم الاجتماعية التي يؤمن بها الفرد، وتؤكد عليها له شبكة دعم اجتماعي زائفة تدعي الصدق معه في حين هي على غير ذلك، وهو ما يحدث في موقف بعينه ينشأ عنه صدمة عند الفرد، يكتشف معها زيف المجتمع الصغير المحيط به وخيانته له، فيُسقطُ هذه الحالة على المجتمع الكبير الذي تصادم معه بالفعل (في ذلك الموقف المحدد)، بما يجعله يأخذ القرار بالخروج على المجتمع الصغير/ الكبير معا، سواء الخروج الجسدي بالانتحار، أو الخروج بالعنف والإرهاب والتطرف المسلح، أو الخروج بالاستلاب الحضاري الأيديولوجي أو القيمي، أو الخروج المباشر بالهجرة والتخلي والحياة بعيدا.

تحديد النطاق القيمي لعملية الخروج
وحددت بداية النطاق القيمي للأفراد التي ممكن أن تقع في احتمالية القيام باتخاذ خطوة الخروج على المجتمع الكبير/الصغير بأي من أشكالها (الجسدية او الروحية أو العنيفة)، بأنها الأفراد ذات الاختيارات القيمة الخاصة المغايرة للسائد بوضوح، أو الأفراد التي يمكن أن تتصف بالحيرة أو الصراع القيمي، ما بين الاختيارات الخاصة وبين التكيف مع الاختيارات العامة، فهذان هما النطاقان القيميان الأكثر عرضة للقيام باختيار الخروج على المجتمع الصغير/ الكبير، حيث تكون الرسالة هنا مزدوجة لخيانة أو زيف المجتمع الصغير أو شبكة الدعم الاجتماعي التي يظن الفرد فيها الثقة والصدق، وكذلك للمجتمع الكبير الذي اكتشفه الفرد من جديد وسبب له الصدمة، التي حركت قرار الخروج عليه.

تحديد مسارات الخروج
وحددت مسارات الخروج في توصيفين أو نمطين رئيسيين للخروج على المجتمع والقيام باتخاذ هذا القرار، مع وجود نمط أو توصيف ثالث مكمل لهما، حيث النمطان الرئيسيان يخصان الأفراد أصحاب منظومات القيم الأعلى أو المغايرة، والنمط الثالث يخص الأفراد أصحاب الحيرة أو الصراع القيمي، ويمكن اعتبار النمط الثالث حالة بينية ستنتج ما هو أشبه بـ "الانتحار القيمي" بعد الصراع، لكن دعونا لا نستبق الأمور ونتناولها شيئا فشيئا.

النمطان الرئيسيان للخروج

- نمط "الانتحار وزيف شبكات الدعم الاجتماعي"
النمطان الرئيسيان اللذان رصدتها من خلال استعادتي لملاحظات "دراسة الحالة"، التي تتعلق بالأمر عند الأفراد الذين قابلتهم وتماثلت توصيفات الظاهرة معهم، هما أولا نمط "الانتحار وزيف شبكات الدعم الاجتماعي"، تلك الشبكات التي دورها التأكيد على منظومة القيم للفرد، فربما كان هناك فرد ما صاحب منظومة قيم مغايرة لمحيطه الاجتماعي ولشبكة الدعم المكونة له، في حين يقوم هؤلاء بمجاراته فيما يقول دون صدق أو إيمان به لمجرد أن الظروف الحياتية جمعتهم به، أو لوجود مصلحة ما تأتي لهم من ورائه سواء مادية أو معنوية! أو باعتباره جزءا من بنية التراتب الاجتماعي التي ينتمون لها، سواء في بيئة عائلية أو اجتماعية (أصدقاء)، أو عملية/ وظيفية، أو عاطفية، أو سياسية وفكرية.
تحدث الصدمة وقرار الخروج في هذه الحالة عندما يكتشف الفرد فجأة الفجوة بين منظومة قيمه وبين منظومة قيمهم، تحديدا عند المحكات/ المواقف الاجتماعية التي تتطلب اختيارا قيميا أخلاقيا حَدي لا يقبل القسمة، مثل مسار مهني أو اجتماعي أو عاطفي أو سياسي أو فكري، هنا في هذه الحالة زيف شبكة الدعم واكشافها فجاة، يسبب صدمة للفرد وتجعله يصاب بشعور رهيب بالعزلة والقطيعة مع مجتمعه الصغير وخيانته له، ويعكس هذا الشعور تجاه المجتمع الكبير، فيختار الخروج عليهما معا (الصغير والكبير) بالانتحار ومفارقة الحياة كلية، ومهم هنا أن الرسالة تكون مزدوجة للمجتمع الصغير (أيا كان) والمجتمع الكبير، مع الوعي بأن الرسالة للمجتمع الصغير تكون لدائرة اجتماعية بعينها في محيط الفرد من ضمن دوائر عدة، وهى الدائرة التي تُؤَمِّنُ وتؤكد على منظومة قيم الفرد الزائفة، التي تلقى الصدمة القوية من خلالها.

- نمط "قرار المسافة بين النبوة والسقوط"
لكن النمط الثاني لرصد الظاهرة سينطلق من عند توقفنا في الحالة السابقة وهو لحظة الصدمة مع المجتمع الصغير أو شبكة الدعم، ويمكن تسميته: قرار المسافة بين النبوة والسقوط فعند بعض الأفراد أصحاب التوحد الشديد مع منظومة القيم التي يؤمنون بها، قد يظهر اختيار جديد تماما..
بالخروج على شبكة الدعم فقط أو الخروج على المجتمع الصغير فقط بوصفه (امتدادا للمجتمع الكبير)، واعتبار شبكة الدعم تلك كأن لم تكن. ويسبب الصدام أو الصدمة في هذه الحالة عملية عكسية، بتأكيد منظومة الفرد وإصراراه عليها، حيث يتخلى عن الدوائر الاجتماعية/ شبكات الدعم الزائف المحيطة به، سواء كانت عاطفية/ عائلية/ مهنية/ اجتماعية/ سياسية/ فكرية، لينطلق لأفق أرحب، هنا يتحول قرار الخروج لما يشبه النبوة والتأكيد عليها، ويكشف عن اختيارات الفرد الحقيقية ومدى إيمانه بها، وقدرته على تحدي الظروف الخاصة التي واجهته من خلال محيطه الاجتماعي الأقرب، فهنا يتحول الصدام والخروج على المجتمع الصغير، لفكرة النبوة والتأكيد على الذات ومنظومة قيمها في مواجهة المجتمع الصغير/ الكبير أيضا.

النمط الثالث
- "الانتحار القيمي" والتكيف الاجتماعي السلبي
لكن ربما هناك نمط ثالث يمكن تسميته بـ"الانتحار القيمي" والتكيف الاجتماعي السلبي (انظر كتابي المصريون بين التكيف والثورة)، والخضوع للأنماط السائدة واستسلام الفرد المغاير (الحائر قيميا هنا) لشبكات الدعم الصغيرة التي ينتمي إليها، وما تقدمه من مغريات وآليات للاستقطاب أو التشويه (نظر كتابي سيكولوجية الصراع السياسي: نقد آليات التشويه والاستقطاب)، في مقابل أنها تعطيه مكانة نفسية أو اجتماعية وتدمجه في النظام الاجتماعي السائد مهنيا/ سياسيا/ عاطفيا/ عائليا/ فكريا، وتنفخ في ذاته وتذكي إحساسه بالعظمة والخيلاء، فيتخلي الفرد عن الصراع القيمي الدائر داخله ومنظومة القيم التي كاد أن يؤمن بها! ويمارس فعل أشبه بـ"الانتحار القيمي" أو "حياة الزومبي".
ودعوني أدلل هنا على فكرة "الانتحار القيمي" من خلال موضوع تضارب منظومات القيم والانتقال بينها، فربما في مرحلة ما يكون الشخص "الحائر قيميا" في حالة اشتباك مع موقف ما، وغير قادر على حسم قراره تجاهه وفق "نسق اجتماعي" يقول: بالعدل والحق ووضوح قيم الحق والباطل والمباشرة والمواجهة. فإذا به يعود لشبكة الدعم الاجتماعي التقليدية/ الزائفة، التي هي متكيفة بطبيعة الحال، فتزين إليه حلولا للانتصار أو للضغط والمفاوضة والمزايدة في هذا الموقف من وجهة نظرهم الواقعية، وإذ بالغواية وآليات الاستقطاب تعمل عن طريق النفخ في الفرد وذاته ليتخلى عن: الموضوعية والقيم الأعلى، ويقع في فخ الذاتية وغواية شبكة الدعم الزائف، ويأخذ قراره بالانصياع لهم معتقدا أنه قد انتصر.. !
في حين أنه في هذه اللحظة تحديدا؛ يكون قد خرج تماما من النسق القيمي القديم الذي كان يتدافع داخله ويجمعه بآخرين! وخرج من دائرة اهتمام الأفراد التي تنتمي لهذا النسق، لأن التدافع بينهم اختلفت معاييره بين ما هو خاص ومنفرد ومكنون، إلى ما هو شائع ونمطي ومُبتذل، هو يظن أنه في طريقه للانتصار لكنه يكون قد انتحر بالفعل وماتت روحه القديمة واستراحت في رقادها، والتحق بالقطيع الكبير المتكيف..
هنا أيضا ستؤجل الصدمة/ الضربة القاضية، أي أن الفرد الذي يمارس "الانتحار القيمي" لن يكتشف موته الروحي وانفصاله عن منظومة القيم الأعلى، إلا بعد مرور فترة كافية على حدوث القطيعة تماما بينه وبين منظومة القيم القديمة التي كانت تتدافع داخله.. وهذا هو الموت الروحي لبعض الأفراد الذين يقعون في صراع قيمي، دون ان يملكوا القدرة على العبور لمرحلة النبوة، ودون أن يتملكهم الضعف الكامل للسقوط في مرحلة الخروج سواء الجسدي أو الحضاري، فيصابون بالموات والخواء الروحي وإن ملكوا الدنيا وظنوا انهم على قمة الجبل وناصيته.

قابلية نموذج "الأنماط الثلاثة"
للخروج على المجتمع، للتعميم
لاختبار الفكرة وقدرتها على التفسير لأشكال ظاهرة الانتحار قديما في مصر، سوف أذكر نموذج الشاب المجتهد المعروف "محمد شتا"، الذي انتحر بعدما عَلمَ بأنه سقط في اختبار وزارة الخارجية بسبب أنه "غير لائق اجتماعيا" رغم تفوقه الشديد في كل المهارات والصفات المؤهلة..
هنا وفقا للنموذج المعرفي السابق؛ سيكون مصدر الصدمة أن محمد شتا صدق منظومة قيم الأفراد المحيطة به، ربما على المستوى المهني أو العلمي أو السياسي، معتقدا أن التفوق والتبوغ العلمي كقيمة أو منظومة قيم سيحقق له النجاح في المجتمع (كما أخبروه أو أوهموه)، وحين عجزت أو فشلت منظومة القيم هذه، شعر بالأزمة تجاه شبكة الدعم تلك وشاهد مدى زيفها، فاعتبرها ممثلة للمجتمع الكبير الذي رفضه أيضا، وقرر الخروج عليهما سويا بالجسد عن طريق الانتحار.

اختبار نماذج الخروج الثلاثة على نطاق اجتماعي أكبر
حرب 1967م
ثم هل يمكن اختبار الفر ض النظري على نطاق اجتماعي أوسع؟ أقول يمكن للفرض النظري عن مسببات الخروج على المجتمع تفسير ما حدث في عام 1967م، بعد الصدمة الجماعية التي تعرض لها المجتمع المصري في منظومة قيم دولة عبد الناصر، حيث أدت تلك الصدمة على المجتمع المصري، لظهور أشكال الخروج الجماعي في التحول الفكري أو الأيديولوجي عند البعض، من الناصرية والاشتراكية والماركسية لفكرة الوجودية والفردية والذاتية والعبث، وبالتدريج ظهرت جماعات التكفير والهجرة، ثم ظهرت ظاهرة الهجرة للدول النفطية، وشهدت البلاد في تلك الفترة أعلى موجة من "الانتحار القيمي" والتكيف السلبي عند من كانت عندهم حيرة قيمية أو صراع قيمي بين الأخلاق والانتهازية، كما أنه يمكن أن يذكر التاريخ عدة حالات معلنة ومسكوت عنها للخروج الجسدي الفردي والانتحار أيضا في تلك الفترة، لكن أشكال الخروج الجماعي على نطاق واسع كانت أكثر وضوحا ودلالة هنا.

الممكن عمله من المجتمع تجاه ظاهرة الخروج عليه
يمكن لمجتمع الدولة وأبنيته التحرك في مستويين، مستوى توحيد نماذج القيم ووضوحها وشفافيتها، والعمل من أجل عدم وجود أنظمة قيمية فرعية تتحايل على الأنظمة القيمية المعلنة، بحيث تكون الاختيارات والمآلات واضحة أمام الأفراد، دون طرق جانبية أو طرق مختصرة لا تقوم على العدل والكفاءة والاجتهاد والسعي.
والمستوى الثاني والأهم العمل على حوكمة مؤسسات المجتمع/الدولة وضبط المعايير الحاكمة لها، بحيث تكون معايير بناء التراتب/ الترقي الاجتماعي واضحة، ومبنية على اجتهاد ومواهب كل فرد، وتفعيل "الفرز الطبيعي" في كل أبنية المجتمع.
هنا ستضيق مساحة الصدمات الممكن أن تحدث، ومعظم الروابط الاجتماعية ستكون واضحة بدرجة ما، بحيث تقل الصدمات الناتجة عن علاقات الزيف والدعم الزائف.

خاتمة: عن البديل الواضح للانتحار
هناك بديل للانتحار من فوق برج قاهرة المعز ذات الألف مأذنة ومأذنة، وهو قرار الانسحاب من شبكات الدعم الزائف. الذي يقول أن المشكلة في الوحدة أو العزلة! ليس على دراية كافية بدراسة الحالة المصرية، الانتحار هو أزمة في العلاقة مع شبكات الدعم والمحيط الاجتماعي القريب عاطفيا/ عائليا/ اجتماعيا (الأصدقاء)/ مهنيا/ سياسيا/ فكريا.
ليكون البديل الواضح والمباشر للانتحار (أو الخروج على المجتمع بأي شكل من أشكال الخروج) هو: الانسحاب من تلك الدوائر الاجتماعية الزائفة فورا ودون ابطاء (نمط النبوة)، ثم امتلاك مهارات الاتصال والانفصال مع المجتمع العادي، والوعي بمنظومة قيم التكيف الحاكمة لأفراده كسنة من سنن الحياة، فيتصل معهم بما لا يخل بقيمه فيما هو يومي وعادي، ويحتفظ بقيمه في حالة حماية وعزلة حتى يجد شبكة دعم حقيقية لها.
الانتحار أقرب للأفراد الذين هم في حالة صراع قيمي أو صدمة قيمية؛ بداخلهم الخير لكنهم في حالة سخط بسبب رفض واقع ما، أو واقعة حقيقة أو خُيلتْ لهم من شبكة الدعم الاجتماعي الزائف (على مختلف أنواعها)، السخط يشعل الصراع مع الخير والفطرة الطيبة، فتظهر اختيارات أو أنماط : النبوة أو السقوط، أو ما بينهما وهو "الانتحار القيمي" وحياة "الزومبي" الذي لن يشبع ولو امتلك الدنيا شرقها وغربها.