الفكرة الشعرية ديوان سديم الورد نموذجا

نائلة الشقراوي
2019 / 12 / 7

الى الآن لازالت هناك أصوات تحتج على تسمية قصيدة النثر بالقصيدة رغم أننا في المغرب العربي خاصة تجاوزنا مسألة الجدال حول شرعيتها من عدمها واهتم كتابنا بتطويرها والاشتغال على كتابتها بما يضمن مواجهة كتاب شعر العروض والمنظرين له بالحجة .الحجج مختلفة واهمها مواكبة النثر لموجة التحديث في الكتابة اكثر من اهتمام العمودي بها .التحديث مس الفكرة المكتوبة بعد أن اهتم بالمبنى ،وهو ما مكن الكتاب من سهولة ادماج القصيدة النثرية في السرد فكانت شعرية السرد المصطلح الحداثي الأكثر استخداما في الفترة الأخيرة .ديوان سديم الورد لسميرة بن نصر الصادر عن ديوان ورقة للنشر أحد الاصدارات الحديثة التي جمعت ما بين السرد والنثر وخلقت القصيدة الأشد حداثة والتي يتداخل فيها السرد بالنثر في كتابة نص ينتهي بتسميته قصيدة .ففي الديوان قصائد مختلفة في اسلوب كتابتها تثير من جديد مسألة التصنيف الى شعر أو نثر لكن برأينا الناقد فإن الديوان هو نموذج حي لقصيدة النثر التي ثارت على نمطية المبنى والمعنى،او لنقل هو فكر شعري يشبه قصائد نيتشة التي شككوا أيضا في شعريتها قبل ان تثبتها السنوات اللاحقة .من العنوان يبدأ نحت الفكرة من الشاعرة وينكشف جوهر العمل ،فالسديم لغة هو ما رق من ضباب يحدث ظلاما وسديم الورد ليس استخداما مجازيا وانما كوكب موجود ناتج عن انفجارات نجمية اذ تنشق السماء حتى تصير كوردة وقد ذكر ذلك في القرآن (فَإِذَا انْشَقّت السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَة كَالدهَان فَبِأَي آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَان) فما علاقة النجوم والكواكب والانفجارات بالقصائد ؟ الفكرة وجلاتها ،ان تكتب قصيدة يتسع فيها المعنى باتساع الكون ،ان تخاطب قصائد سميرة بن نصر الكون كله بل وتجعل الفعل الإنساني في ذاك الكون نقطة ارتكاز هامة لنصوصها الشعرية هي الإجابة ،وليس من الهين تقديم الفكرة في قالب شعري لكن الشاعرة احتلت غابات اللغة وأسكنت بها الفكرة لتجلي الضباب الذي يحجب عن الإنسان اهدافه الجليلة أو الذي يعمي بصيرته عن عظمة مبدأ استخلافه ،الفعل الإنساني في الكون متصل اساسا بعقله لا بطبيعته فتقول (الأفكار تتشرّب من دمي وعقلي والنّور الخافت في عيني،كلمة السر و مفتاح الوجود العقل) تقديس العقل بالنصوص لا ينبع من فراغ فهو الوعي الكامل الذي يصنع الفعل والفعل ليس إلا حدثا بحياة الانسان يحيلها الى شقاء او إلى نعيم (الحوادث لا تمر على الجسد مرور الكرام ، تكتب بالدم وباللحم أثارا متفاوتة العمق و تبقى جروح الرّوح أعنف وأشد).بعيدا عن السيريالية تكتب الشاعرة نصوصها رغم بلوغ مستوى الترميز اشده في استخدام المفردات حيث يصبح للكلام اصابع،ويرسم الخصر منعرجات خطيرة تتعثر فيها الجباه، فيرتدي الغراب مئز المعلم لتنقلب بعض الأدوار ويدهشنا السؤال لماذا؟ نحن امام رسم لرؤى فلسفية بلغة شعرية متقنة تنفذ من العين الى الوجدان بحراسة العراب الأكبر للجسد ،ايغال من الشاعرة في المعنى ،تقويض للسائد عن المبنى وثورة نص يغوص في عمق وجودنا وظاهره لتزيد من حيرتنا ومن ضجيج الأسئلة التي يطرحها كل مفكر عند ممارسته لحياة مختلفة لا يهدأ فيها العقل عن محاولة التقويض واعادة البناء بحثا عن واقع أفضل مما هيئ لنا ،تنتفي فيه التناقضات حين ندركها (الأرض التّي أنجبتنا نسيت أن ترسم لجلودنا فراء ، الأرض التي أنجبتنا أنجبت شوكا وقدّمت له كما الياسمين الماء) هذه الدنيا كما تقول الشاعرة هي زيفنا المشتهي تحت عرشها برك من الدّماء ،رقعة شطرنج تندلع فيها حروبا وتنتهي أخرى ونحن نحياها في رهق لا ينتهي ولكننا نحاول توسيع الزوايا لتبصر العين المتورمة بعضا من أمل.متعة القراءة في سديم الورد تتحقق ونحن نلمح ذاك الصراع المتجدد بيينا وبين الكون في محاولة لامتلاك الحياة .لذة القراءة في قصيدة النثر تحققت بعد أن امتطت الشاعرة لغة النثر المتسعة واستعانت بإيقاع مناسب للمعنى الذي شكلته الحروف فكان سديم الورد برهانا على الشعرية والشرعية ..