مدخل اجتماعي لأسباب قيام تظاهرات الشباب في تشرين

محمد لفته محل
2019 / 12 / 4

من السابق لأوانه دراسة تظاهرات الشباب قبل اكتمالها. الا ان السؤال الذي ظل يلح علي لماذا انتفض الشباب اولاً في هذه الفترة بالذات رغم توافر ظروف الاحتجاج منذ عشرة سنين على الاقل؟ وهذا هو الذي دفعني لكتابة هذه المقالة للإجابة على توقيت التظاهرات واسباب قيامها بأيدي شبابية؟.
قبل كل شيء، ماذا نسمي هذا الحراك الجماهيري في الساحات العامة؟ هل هو ثورة ام اصلاح؟. ان كل التعاريف الاجتماعية تتفق على ان جوهر تعريف الثورة هو التغيير الجذري، وبما ان التظاهرات لم تكتمل، فان مطالب المتظاهرين تعتبر ثورية مادامت تطالب بتغيير كل الطبقة السياسية، فان فشلت في ذلك فإنها تعتبر ثورة فاشلة، وان اكتفت بتغيير الدستور فهي حركة اصلاحية. واذا قال احدهم انها حركات اصلاحية وليست ثورية لان الديمقراطية لازالت مطلب للمتظاهرين ضد نظام سياسي ديمقراطي. اقول ان النظام السابق لم يكن ديمقراطيا الا شكليا، اما فعليا فهو نظام اقطاعيات سياسية بقناع احزاب مرتهنة للخارج تعمل بالكواليس خارج المؤسسات الرسمية وتتحكم بالحكومة الرسمية، وتتحكم بالسلطات الثلاث بالقوة والنفوذ والفساد وفق مصالحها.
عندما خرجت التظاهرات للشارع بهذا الزخم والاصرار، شكل هذا الحدث لغز وصدمة بالنسبة لي، لأني كنت اعتبر ان مجتمعنا من المجتمعات التقليدية التي لاتتغير الا بصعوبة. او كما يسمي "تونيز" هذا النوع من المجتمعات ب"المجتمع المحلي" الذي تسيطر عليه "العلاقات الاولية" على حد تعبير "كولي". وبالتالي فالمجتمع بتصوري كان جزء من المشكلة مادام باقياً على هذا الوضع. ورهاني كان على نمو المجتمع المدني بالتدريج خلال عقد من الزمن للنهوض بالمجتمع للوصول للتغيير المنشود. ولم اكن اتخيل ان التغيير يأتي من فئة الشباب. وعلى اساس هذا الفهم كانت هذه التظاهرات هدم لجميع هذه التصورات النظرية التي كنت واثقا من صحتها من خلال المشاهدات اليومية التي تعززها المعايشة في هذا المجتمع. لكن بعد فترة من المراجعة النظرية والرصد الميداني استطعت التوفيق بين تصوراتي النظرية السابقة وبين خروج تظاهرات الشباب في تشرين.
كل المحاولات التي تحاول تفسير دوافع هذا الحراك بالأسباب الاقتصادية او السياسية السيئة، فانها ستواجه سؤال صعب وهو لماذا خرج الناس الآن للتظاهر رغم توافر هذه الظروف منذ عقد من الزمن دون ان يدفع الناس الى التظاهر؟. وعليها ان تعطي جوابا لتوقيت خروج التظاهرات. وعليها ان تجيب على سؤال آخر وهو ان الشباب هم من قام بالحراك الثوري اولاً، وهو من يتسيده رغم شمول الظروف السيئة لجميع الفئات العمرية؟. وعليها ان تجيب عن خروج الشباب دون غيرهم. وعليه لابد من طرح جديد لتفسير هذا الحراك.
من اول يوم خرجت التظاهرات لاحظ اغلب الناس ووسائل الاعلام المحلية ان اكثر فئات التظاهرات هي من الشباب والصبيان، وشخصيا لاحظت هذه العلاقة بين تظاهرات تشرين وفئة الشباب والصبيان اثناء رصدي الميداني. وهذه الفرضية الاولية التي اعتبرها مفتاح مهم في فهم اسباب قيام هذه التظاهرات في هذه الفترة بالذات.
اذن يجب ان نمر على العمر ودوره الاجتماعي في المجتمع العراقي لكي نفهم علاقة العمر بأسباب قيام التظاهرات. مع المرور المسبق على العمر في العلوم الاجتماعية كمدخل لفهم دوره في المجتمع العراقي الحديث.
العمر في علم الانسان:
عادة ما يطلق مصطلح "طبقات العمر" على مجتمعات ماقبل الصناعة التي قد تفرض نسقاً للتدرج يستند إلى طبقات العمر (حيث يقسم الأعضاء إلى شباب وعذارى ومسنين). على البناء القبلي او القرابي او العشائري السائد. وهي جماعات او شرائح عمرية عريضة تحدد المكانة الاجتماعية، والادوار والانشطة المسموح بها لأولئك الأشخاص الذين ينتمون الى هذه الجماعات او الشرائح. وعادة ما يكون الانتقال من شريحة إلى اخرى مصحوب بمراسيم اجتماعية جمعية منظمة، حيث تميز شعائر الانتقال التغير في المكانة والدور الاجتماعي. (مارشال، 2000:ج2، 898) ويعرف اعضاؤها بأسم "رفاق عمريين" وتتكون الطبقة العمرية من الشبان أو الفتيات أو الرجال أو النساء الذين هم من اعمار متقاربة. وتمر كل طبقة عمرية بمراحل عدة، ولكل واحد مركزها الاجتماعي، وحقوقها، وعليها واجباتها، ولها احتفالاتها وفعالياتها الخاصة بها. وتعرف تلك المراحل باسم "درجة عمرية" وهناك اختبارات خاصة يجتازها من يرفع درجة عمرية الى اخرى اعلى منها، وتعليماً وتدريباً يتلقاهما، وتترتب عليه، تبعا لذلك، واجبات خاصة. ويكون الانتقال من درجة عمرية الى اخرى مصحوباً باحتفالات خاصة. وقد تتقاطع الطبقات العمرية مع الفخذ والعشيرة والقبيلة، فتزيد التماسك والتعاون بين افراد الطبقة العمرية.(سليم، 1981: 34). وتلعب طبقات العمر التي تتقاطع مع روابط القرابة، دوراً مهماً في ضبط العلاقات بين الجماعات الجيلية المختلفة، وانتقال الموارد، واحراز مكانة اجتماعية.(سميث،2009: 377) وتوضح الشواهد الإناسية أن العمر بحد ذاته يتم تحديده وتوظيفه بشكل مغاير داخل مجتمعات مختلفة، لذا فإن نمط الصراع ودرجته بين الجماعات يتفاوت من مجتمع لآخر. ويعتمد ذلك على تعريف الجيل، وعلى الفصل المكاني أو التنظيمي بين الجماعات العمرية، وعلى انماط الملكية وحيازة السلطة وانتقالها داخل المجتمع.(سميث: 130).
ويلعب العمر في المجتمع العراقي دورا مفصلياً في حياة الانسان حيث تُشرع قوانين رسمية جزائية وحقوقية خاصة بالأحداث قبل البلوغ، ودينيا فان الاحداث غير مكلفين (سن التكليف) بأداء الصلاة والصيام والزكاة. اما اجتماعيا فهناك عزل معنوي او فيزيائي تام بين الاعمار في المجالس الخاصة بالراشدين او البالغين او المجالس العامة (مقاهي، منتديات، صالونات الخ) او العلاقات العامة (صداقات، زمالات، رفاق) الا ماندر، وقد يتعرض للنقد من ينتهك هذا الفصل بالاعمار. ويسمح بالتجاوز عليهم (الشباب) من قبل البالغين خصوصا الاقارب دون المساواة بالرد عليهم من قبل الشباب. وينظر لهذه الطبقة (الشباب) من البالغين باعتبارهم ناقصين العقل والدين مالم يتزوجوا وكما يقال بالعامية العراقية "من يتزوج يعقل" و"من يتزوج يكمل دينه". وتطلق عليهم اوصاف الاطفال "زعاطيط، صغار، جهال، طايشين، ذاك اليوم صارو" للتصغير من شأنهم. وفي المقابل يتهاون المجتمع مع كثير من سلوكيات الشباب ممنوعة على البالغين كاللعب والرقص والعربدة واللهو مثل المزاح بالعراك وشرب الخمر واقامة علاقات عاطفية مع الاناث الخ ذلك لانها مرحلة عمرية مؤقته تنتهي بالزواج كطقس عبور من طبقة الشباب الى طبقة البالغين، بعدها يعامل معاملة البالغين.
بناءً على ذلك بما ان هذه الفئة العمرية لم تمر بمرحلة طقوس عبور، وباقية في منطقة وسط، منطقة سائلة او هلامية التي يسمح فيها المجتمع بانتهاك بعض محرماته بدون جزاء وخارج وسائل الضبط. فان الشباب والفتيان لم يتطبعوا بعد بكامل اخلاقيات المجتمع وتصوراته المحافظة جدا، التي تستمد وجودها من الماضي. وهذا ما قاد بتصوري للتمرد على الوضع القائم الذي تسوده قناعة الشكر والحمد لله على اي حال خوفا من الاسوأ، وقناعات بشكل امثال من قبيل: "الشين اللي تعرفه، احسن من الزين الما تعرفه" "وداري خبزتك، ماتصير النا جاره" الخ. وعليه يمكن القول ان تمرد الشباب هو بحكم قلة التطبع بأفكار المجتمع المحافظة من جهة، وتهاون المجتمع مع هذه الطبقة العمرية من جهة اخرى.
والسؤال اذا كانت التربية الاجتماعية تسمح بالتمرد لفئة الشباب نسبيا ومؤقتا، وهذه التربية ليست وليدة اليوم في مجتمع اصلا محافظ، فكيف اذن خرج الشباب في هذه الفترة بالذات والتربية قديمة الممارسة؟ وكان يجب ان يمتلأ تاريخ العراق بالثورات نتيجة هذه التربية. وحتى لو كانت التربية الاجتماعية حديثة، فهذا لايفسر كيف خرج الشباب جماعيا بتوقيت واحد وهدف مشترك؟. ولابد من تقديم فرضية اخرى تستكمل الفرضية الاولى.
هناك حدث شغل المجتمع له علاقة غير ظاهرة بالتظاهرات حصل قبل اربع سنوات تصاعد تأثيره بالتدريج وهو استيراد دراجة "التكتك" عام 2015 التي امتهن سياقتها اغلب فئات الشباب، ربما بحكم صغر حجمها ورخص ثمنها وقلة استهلاكها للوقود. ولأول مرة في المجتمع العراقي يزاحم الشباب البالغين في المجال العام واحيانا ينتصرون عليهم (اقبال الناس على دراجاتهم اكثر من سيارات الأجرة العمومية او سيارة "الجيب" الروسي) وكان هذا انتهاكاً للأعراف الاجتماعية وقف ضده المجتمع والحكومة دون جدوى، اذ كلما ازداد التضييق زاد اقبال الشباب على امتهان هذه الدراجة، وهنا شعر الشباب بعمرهم كطبقة او بوعيهم الطبقي للعمر في مواجهة البالغين. بناء على ذلك اتقدم بالفرضية الثانية وهي العلاقة بين وعي الشباب الطبقي بالعمر وامتهان دراجة التكتك، التي لم يكن ظهورها بميدان التحرير مجرد اسعاف لان الاخيرة متوفرة بكثرة، او مجرد توصيل، انما تواجدها المكثف كان لاقترانها بالوعي الطبقي للشباب، وهذا ماجعلها رمز من رموز تظاهرات التحرير في جميع وسائل الاعلام المحلي والدولي وفي المجتمع العراقي. وربما كان لمنع لعبة "البوبجي" حكوميا دور في تعميق هذا الوعي الطبقي بالعمر ايضا، لان الشباب ايضا هم من زبائن هذه اللعبة، واتصور ان اللعبة بما توفره من عالم افتراضي بديل للعالم الواقعي واشتراك مجاميع من الشباب في خوض هذا العالم من مغامرات حربية وتعاون جماعي كان له دور ايضا في تعميق وعي الشباب وتحفيزهم على تغيير العالم الواقعي جماعيا بالهام من العالم الافتراضي. والشيء المشترك بين دراجة "التكتك" ولعبة "البوبجي" هو ان كلاهما اقبل عليه الشباب، وكلاهما تعرض للمنع الحكومي، وكلاهما زاد من احتكاك الشباب ببعضهم وتكوين وعيهم الطبقي بالعمر. ولا ننسى ان وسائل التواصل على مدى تسع سنوات كانت اول من جمع الشباب في عالم افتراضي في مجاميع خاصة بهم (رياضية او فكاهية) واسس لوعيهم الطبقي بالعمر.
وعليه اكملت طرح الفرضيتين. الفرضية الاولى وهي قلة تطبع الشباب بثقافة المجتمع المحافظة. وتهاون المجتمع مع تمرد هذه المرحلة العمرية ماداموا لم يبلغوا قد سهل تمرد الشباب. والفرضية الثانية وهي شعور الشباب بوعيهم الطبقي للعمر الذي قاد الى تمرد جماعي بتوقيت واحد وهدف مشترك.
بعد ان اكملت توضيح وشرح الفرضيتين التي طرحتهما استطيع الان تطبيقها على تظاهرات التحرير. لقد خرج الشباب مطالبين بحقوقهم بعد ان تشكل لهم وعي طبقي بعمرهم على مدى اربع سنين منذ ان وقفت ضدهم الحكومة والبالغين، وتحدوها بإصرار وانتصروا عليها حتى بات امر وجودهم كطبقة عمرية واقعاً قائماً. فنزلوا الى الميدان بقوة متوحدين بحقوقهم واعين بعمرهم تمام الوعي متمردين على الحكومة وافكار المجتمع المحافظة، وعندما وجدوا الرصاص يطلق عليهم كان الوعي بعمرهم كطبقة يترسخ اكثر بحكم وحدة العدو الذي رص الصفوف وهنا اعطى الشباب نماذج للبطولة والشهادة ابهرت البالغين الذي سرعان ما انظموا خلف الشباب، وهنا لأول مرة يقود الشباب البالغين بعدما كسروا السلطة الابوية والحكومية والقانونية، فلم يكترثو بحضر التجوال الذي فرضته الحكومة، ولم يكترثو بمنع عوائلهم من الخروج للتحرير، ولم يكترثو بالأحزاب فقاموا بتدمير بعض مقراتها، وسرعان ماخلقُ شعاراتهم وهتافاتهم واساطيرهم ورموزهم وازيائهم، سحبوا الشرعية السياسية من الطبقة الحاكمة، وقاموا باستملاك للاماكن العامة الهامة وادارتها ذاتيا، وسحبوا المقدس من الرموز القديمة ورفعوه (المقدس) بوجه الحكومة التي غدت ترمز للشيطان. هي ثورة اجتماعية قبل ان تكون سياسية احدثت رجة في المجتمع والطبقة الحاكمة قبل ان تبان حتى نتائجها.
وختاما اجاب المقال على السؤال الاساسي له وهو اسباب وتوقيت قيام تظاهرات الشباب في تشرين، وكان الجواب هو قلة التطبع والتهاون الاجتماعي مع تمرد الشباب، والوعي الطبقي للشباب بالعمر، الذي انبثق مع استيراد وامتهان دراجة "التكتك" ولعبة "البوبجي" من قبل معظم الشباب. هي محاولة اولية مني، وارجو من بقية الباحثين المساهمة في دراسة هذا الحراك الشبابي الاجتماعي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_شارلوت سيمور_سميث، مَوسوعة علم الإنسان، المفاهيم والمصطلحات الأنثربولوجية، ترجمة مجموعة من أساتذة علم الاجتماع بإشراف محمد الجوهري، المركز القومي للترجمة، الطبعة الثانية2009.
_د.شاكر مصطفى سليم، قاموس الأنثروبولوجيا، انكليزي-عربي، جامعة الكويت، الطبعة الاولى، 1981.
_جوردن مارشال، موسوعة علم الاجتماع، المجلد، ترجمة: محمد الجوهري وآخرون، المشروع القومي للترجمة، الطبعة الاولى 2000.