سيناء بين التنمية الرأسمالية والتنمية على أساس وطني

أشرف أيوب
2019 / 12 / 3

حقيقة امتلاء ترعة الشيخ جابر في سيناء حتى نهايتها في بئر العبد
*********************************
نحن بالفعل نحتاج إلى وصول مياه نهر النيل لسيناء، بجانب تحلية مياه البحر أساساً بالطاقة الشمسية، واستغلال أنظمة الري الطبيعية ومياه الخزان الجوفي في وادي الجرافي، استهدفاً إلى تنمية أراضي سيناء واستغلال ثرواتها لضخ عائدها في شرايين الاقتصاد المصري المنهار بفعل فاعل، وتوطينها بالبشر (5 مليون مواطن)، يعني تنمية بسواعد مصرية أي التنمية على أساس وطني، مقابل التنمية على أساس رأسمالي والذي بدأ بالتبعية للمركز الرأسمالي (أمريكا) منذ أن قرر #السادات تطوير الهجوم في أثناء الحرب في 14 أكتوبر 1973 ليصل للتفاوض الذي أنهاه بتوقيع اتفاقية كامب ديفيد الذي يعترف فيها لكيان عصابات الصهاينة بدولة على أراضي فلسطين المحتلة عام 1948، وقد وافق نهاية عام 1977 على طلب الصهيوني شاؤول أرلوزوروڤ، نائب مدير هيئة مياه إسرائيل، بتنفيذ "مشروع يؤر" لنقل مياه النيل إلى الكيان الإسرائيلي، عبر شق ست قنوات تحت قناة السويس، لنقل مليار م3 من مياه النيل سنوياً، لري صحراء النقب، والذي لاقي رفضاً شعبياً عارماً فتوقف المشروع تماماً حينها.
في البداية قبل أن نخوض في تفنيد كيفية أن تكون التنمية على أساس وطني أم على أساس رأسمالي، لابد من توضيح حقيقة امتلاء ترعة الشيخ جابر ترعة التي تدخل ضمن مكونات مشروع تنمية شمال سيناء، والذي تم بدء تنفيذه عام 1996، الذي توقف عند المرحلة الثانية التي تنتهي عند بئر العبد، فتشغيل محطة رفع بئر العبد في قاطية وهي من المحطات الضخمة في الحجم، وتبعد عن طريق العريش رفح الدولي 11كم، وتتميز بالأرض الرملية والأجناب المكسية خرسانة، يعني لا تشبيك ولا حوش، بالإضافة لميزة غير متوفرة في أي مكان أخر وهي تجميع الأسماك ـ وبالذات السمك البلطي ذو الحجم الكبير ـ في العيون خلف الرافعة مما يعطي الفرصة للصيد الهادئ السلس. وهناك ثلاث محطات رفع أخرى علي ترعة السلام لرفع وخلط مياه النيل العذبة بمياه الصرف الزراعي حيث تم تركيب عدد 15 وحدة رفع.
ومن هنا يجب التأكيد على أن هناك فرق بين المياه المتاحة والمياه المستخدمة، للشرب كونها مخلوطة بين مياه النيل العذبة ومياه الصرف الزراعي بنسبة 1:1 (2مليار متر مكعب من مياه النيل و2 مليار من إعادة تدوير مياه الصرف الزراعي أي بمجموع 4 مليارات متر مكعب من المياه) بحيث لا تتعدي نسبة الملوحة ألف جزء في المليون، وكانت المياه في ترعة الشيخ جابر ضحلة منذ توقف المرحلة الثالثة عام 2010، التي كانت تستهدف مد المياه حتى منطقة "السر والقوارير" في وسط سيناء بدعوى الحاجة لتمويل كبير، ومن حينها توقف مشروع تنمية شمال سيناء لصالح مشروع توشكي الذي وفر له التمويل وليد بن طلال، وبالتالي توقف توزيع الأراضي على الراغبين في استزراع الأراضي حول الترعة، كما واجهت الأراضي التي تم استزراعها مشاكل كبري لعجز كبير في المياه بما لا يتناسب مع المساحات المزرعة، وجاء ملئ ترعة الشيخ جابر بسبب فيضانات هذا العام التي رفعت منسوب مياه النيل حتى أغرقت بعض جزر طرح النهر في المنوفية، ودخلت لبعض القري في الصعيد فهذا الفائض تم ضخه في ترعة الشيخ جابر لامتصاص هذا الفائض.
بدأ الفيضان هذا العام حول المتوسط حتى منتصف شهر أغسطس ثم زاد حتى أكتوبر، بسبب زيادة معدلات الأمطار بدرجة كبيرة على الهضبة الاستوائية وهضبة الحبشة، ففاقت المياه الواردة خلاله شهر أكتوبر كل المعدلات السابقة، مما أدى لارتفاع مناسيب المياه في نهر النيل ووصولها لبحيرة ناصر بأسوان، من مياه الفيضان حيث ارتفعت مناسيب النيل على طول مجرى النيل الأزرق (الرافد الرئيسي لنهر النيل الذي ينبع من أثيوبيا)، كما تسببت فيضانات الأمطار الغزيرة التي هطلت على السودان، من9 أغسطس 2019 لمدة 5 أيام في سيول قطعت الطريق الرئيس الرابط بين الخرطوم ومدينة الأبيض (جنوب)، و "ود رملي" شمال العاصمة الخرطوم بحري من الجهة الشمالية لأحياء "حلة علي، وحلة السدر، وحلة السوق"، وعشر قرى في ولاية الجزيرة وسط السودانية الخرطوم، حيث غمرت المياه بعد انهيار المصرف الرئيس لمياه الأمطار نحو أربعة آلاف فدان من أراضي القطن والذرة بمشروع الجزيرة، وهو أحد أكبر أعمدة الاقتصاد في السودان، و في ولاية دارفور غربي البلاد، وتسببت السيول في تدمير نحو 26 ألف منزل، فضلاً عن تضرر أكثر من 194 ألف شخص حسب الأمم المتحدة.
كما تضررت جزر النيل أرض طرح النهر وهى جزء من نهر النيل، بسبب الفيضان منها ما يقارب الـ 600 فدان، في عزبة أبو النرش التابعة لمركز أشمون في محافظة المنوفية حيث أغرقت عندما غمرت المياه الزراعات الموجودة بالكامل. وبدء التوظيف السياسي لمليء ترعة الشيخ جابر بين نظام #السيسي وجماعة الإخوان المتأسلمين، فنطام السيسي وجدها فرصة كدعاية للتغطية على أزمة سد نهضة أثيوبيا وتعطيش مصر التي تُقلص حصة مصر من 55.5 مليار متر مكعب إلى 40 مليار متر مكعب، بأن الدولة بدأت في تنفيذ خطة تنمية شمال سيناء، ولم يقولوا من أين التمويل ولصالح مَن بعد أن بوروا الأرض وتصحيرها في شمال شرق سيناء باقتلاع كل أخضر ومثمر من خلال العملية الغاشمة التي اعتبر السيسي أن المصريين سكانها شوكة في ظهر مصر، أما دعاية الإخوان ركزت دعايتها في الهجوم على السيسي بأنه سيقوم بتوصيل تلك المياه إلى كيان عصابات الصهاينة (إسرائيل)، ولم يقولوا لنا كيف يريدون تنمية سيناء هل على أساس وطني أم على أساس رأسمالي، وهذا لا ينفي مطامع الكيان الصهيوني في أن تصل له مياه النيل عن طريق الضغط السياسي من خلال دعم بناء سد النهضة وحمايته، ولا استبعد أن يكون من ضمن الأوراق التي سيتم مناقشتها في الاجتماع الثلاثي في موسكو (بوتن، السيسي، آبي أحمد) للتحكيم في قضية سد النهضة.. واتضح أن الاتجاه صوب روسيا أولاً أسلوب أعتاد نظام #السيسي اتباعه حتى تشير له أمريكا ليكون لها الكلام النهائي، الذي يراعي مصلحة كيان الصهاينة، فدعا "ترامب" لقمة ثلاثية (مصر ـ السودان ـ إثيوبيا) برعاية البيت الأبيض، فذهب سامح شكري على الفور لواشنطن للمشاركة في أول اجتماع عقد يوم الأربعاء 6 نوفمبر 2019، وقدم "ترامب" لإثيوبيا عرضاً عسكرياً قبل اجتماعات الوساطة الأمريكية ـ حسب وكالة الأنباء الإثيوبية ـ بشأن أزمة "سد النهضة" ـ (صورة (2)) ـ لتعزيز قوة الجيش الإثيوبي بشكل واسع، بجانب الحماية العسكرية الصهيونية القابعة حول السد لتأمينه، بعد أن التقى "آبي أحمد" الجنرال ستيفن تاونسند، قائد قيادة القوات الأمريكية في أفريقيا.. وذهب شكري وأكثر طموحه ألا يقل تدفق المياه من السد إلى مصر عن 40 مليار متر مكعب سنويا.. وهو ما رفضته إثيوبيا..
وبعد لقاء "ترامب" بالوفود الثلاثة في حضور ممثل البنك الدولي الأمريكي أكد وزير خارجية إثيوبيا "غيدو أندرغاتشو": "أن البند العاشر في إعلان الخرطوم ـ الكارثة ـ يُلزم الدول الثلاث ـ مصر والسودان واثيوبيا ـ الاعتراف ببناء السد، وملئ بحيرة السد. وفى حال الاختلاف بين مفاوضي الدول الثلاث يرفع الأمر إلى رؤساء الدول الثلاث؟".
وانتهي الاجتماع حسب "غيدو" إلى توصل وزراء خارجية إثيوبيا ومصر والسودان لتوافق في الآراء لمواصلة المناقشات الفنية الثلاثية حول السد.. مع وعد من "ترامب" المشاركة في حفل قص الشريط الرمزي إيذانا ببدء العمل في سدِ النهضة على النيل الأزرق.. هذا يعني التنازل عن حقوقنا التاريخية وما علينا إلا استكمال مناقشة الأمور الفنية.. وعادت المفاوضات من جديد من واشنطن للقاهرة.

من المعلوم أن هناك رافد للنيل (الفرع البيلوزي ) ـ (أنظر خريطة رقم (1)) ـ كان يمر في سيناء فقّد أهميته بعد حفر قناة السويس مما جعل واديه (سهل الطينة وهو رواسب نهرية من الفيضان) سبخة (وهي أرض منخفضة) بعد أن جف مجراه، وسميت بهذا الاسم لتغطية طمي نهر النيل مساحة هذا الوادي بالملح من بخر البحر الأبيض المتوسط، احتاجت 5 سنوات لغسل التربة لإمكان زراعتها بعد توصيل المياه إلى ترعة الشيخ جابر....
ويجب علينا أن لا نغفل الموقف الأثيوبي المعترض بشدة لتوصيل مياه النيل إلى سيناء ـ ثم إلى توشكي فيما بعد ـ عند شروع مصر في تنفيذ مشروع ترعة السلام وعرض مخططة على الرأي العام سنة 1992، على اعتبار أنها خارج حوض النيل، وكان الرد المصري في حينها أن المياه يجب ألا تخرج من الدولة أو حدودها ومن حق مصر استغلالها، وذهابها لسيناء ونحن ملتزمين بعدم خروجها خارج حدود الدولة سواء لإسرائيل أو غيرها، لأن الحوض شريط والمياه مصرية.
ومن هنا ظهرت على السطح التناقضات الكامنة والناشئة من توقيع اتفاقية كامب ديفيد وأخواتها (وادي عربة ـ أوسلو)، قضية المياه والتنمية، والفرق بين المياه المتاحة والمياه المستخدمة، والاحتياجات المستقبلية، ومدي استفادة الكيان الإسرائيلي منها، لتتغير مواقف إثيوبيا والسودان وتتباين من سنة لأخرى من اعتماد مصر على مياه النهر في تنمية شمال سيناء وتوشكي، فنجد أن قرار السادات بضم أجزاء من سيناء إلى محافظات القناة اقتصر على الأرض التي تم تحريرها من خلال حرب أكتوبر 1973م وهي ذاتها المنطقة إلى تدخل في نطاق منطقة محور قناة السويس الاقتصادية فقط، أما الأرض التي استلمتها مصر عبر التفاوض منذ مفاوضات الكيلو 101 انتهاءَ بكامب ديفيد لا يتم الحديث عن تنميتها إلا بمشاركة أو موافقة الثلاث الدول الموقعة عليها (مصر ـ كيان عصابات الصهاينة "إسرائيل" ـ الولايات المتحدة الأمريكية)، فقرر مبارك بعد أن لاقى طرح السادات بتوصيل مياه النيل للنقب عبر سيناء رفضاً شعبياً عارماً، أن يلتزم بالتنمية بما تلزمه به كامب ديفيد ولا يتجاوز الموقف الشعبي، فتوقفت التنمية في سيناء على مدار 30 عام، ولم تأخذ طفرة إلا مع بداية نفوذ جمال مبارك وسيطرة رجال الأعمال عبر لجنة السياسات بالحزب الوطني المنحل، التي كانت تتبنى برنامج الرأسمالية المتوحشة وخصخصة الخدمات بعد التخلص النهائي من القطاع العام، فكان مقابل تدمير صناعة الغزل والنسيج في مصر وتوقيع اتفاقية الكويز (هي ترتيبات تسمح للمنتجات المصرية بالدخول إلى الأسواق الأمريكية دون جمارك أو حصص محددة شرط أن يكون المكون الإسرائيلي في هذه المنتجات 11.7% تماشياً مع تشريع للكونجرس الأمريكي سُن عام 1996م ليسمح للأردن بتصدير منتجات للولايات المتحدة الأمريكية معفاة من الجمارك ودون حصص محددة بشرط وجود مكونات ومدخلات من إسرائيل في هذه المنتجات، وقد تطورت بعد ذلك لتصبح اتفاقية من اتفاقيات منظمة التجارة العالمية)، بدء انطلاق مشروع ترعة السلام عام 1996، وهي السياسات الاقتصادية التي يستكمل تنفيذها السيسي حَرْفياً بشكل سافر ومنفرد ليكون مقبول رأسمالياً بديل عن مبارك ونجله.
فكان على من يصل سدة الحكم في مصر (أمريكياً) المفاضلة بين اختيار التنمية على أساس رأسمالي أي خدمة مصالحها والحفاظ على أمن كيان عصابات الصهاينة مقابل التنمية على أساس وطني، أي الاهتمام بالتعليم والبحث العلمي والصحة ودعم الصناعة بإعادة إحلال وتجديد مصانع القطاع العام وتشجيع القطاع على تصنيع المكونات التي تحتاجها مصانع القطاع العام، والمصانع الحربية ـ كي تتفرغ لتصنيع سلاحنا، بدلاً من صناعات ممكن يقوم بها القطاعين ـ ولتقليص الاستيراد، واستعادة محاصيل مصر الرئيسية القطن وقصب السكر والأرز والتوسع في زراعة القمح، وفك أواصر التبعية مع المركز الرأسمالي، لكن خيار #جنرالات_كامب_ديفيد كان رأسمالياً فكان المطلوب منهم سيناء أم توشكي، تنمية كل سيناء أم تنمية شمال سيناء فقط.
فكان خيارهم الأول تنمية شمال سيناء (أي مرور مسار ترعة السلام من مسار الشمال) وليس تنمية كل سيناء (أي اختيار مسار وسط سيناء)، لتتوقف تنمية شمال سيناء عند حدود وادي فرع النيل البيلوزي نهاية ترعة الشيخ جابر عند بئر العبد عام 2010، وتنقل لجنوب مصر في مشروع توشكي.

قبل الإجابة
*******
ولكن قبل الاجابة على السؤالين (لماذا طريق الشمال اختيار رأسمالي؟!، ولماذا اختيار طريق وسط سيناء اختيار وطني؟!): لابد أن نوضح كيف تغيرت وتباينت مواقف إثيوبيا والسودان مما دفع إلى دخول كيان عصابات الصهاينة "إسرائيل" على الخط لإحياء "مشروع يؤر" لنقل مياه النيل إلى النقب مستفيدة من تصاعد حدة الخلافات بين مصر ودول المنبع بشأن إعادة النظر في اتفاقيات تقسيم مياه النهر.. بعد محاولة اغتيال #مبارك في أديس ابابا لحضور مؤتمر القمة الأفريقية في يونيو 1995، وافتضاح تورط نظام البشير في محاولة الاغتيال، ففي عام 1997 برزت فكرة مبادرة حوض النيل ‏والتي أخذت شكلها الرسمي في 22 فبراير 1999 في مدينة أروشا في تنزانيا إثر توقيع ‏وزراء المياه لدول الحوض بالأحرف الأولى على وقائع الاجتماع الذي أسس لقيام مبادرة ‏حوض النيل. وقد اتفق الوزراء على أن الهدف من المبادرة هو تحقيق التنمية ‏الاقتصادية والاجتماعية المستدامة من خلال الانتفاع المنصف والمنافع من موارد النيل ‏المشتركة، ودب الخلاف عند مناقشة تفاصيل المبادرة وتحويلها لإطار قانوني ملزم، حيث بلغ الاستقطاب في الموقفين الإثيوبي والمصري ذروته، فجمدت مصر في أكتوبر 2010 عضويتها في مبادرة حوض النيل، وذلك كان كرد فعل بعد توقيع دول منابع النيل على "اتفاقية عنتيبي" ، و في ديسمبر من نفس العام قرر النتن ياهو استقبال أعداداً جديدة من الفلاشا المتبقين في إثيوبيا، لتوطينهم في النقب ـ المستهدف حسب "مشروع يؤر" توصيل له مياه النيل ـ ويلحقوا بمن هاجروا إلى نقب فلسطين المحتلة منتسبين لكيان الاحتلال ولتكريس الطابع اليهودي ومواجهة النمو الديمغرافي العربي بالتزامن مع تهجير القري البدوية في النقب، تلك الهجرة التي بدأت منذ سبعينيات القرن الماضي ـ عام 1977 ذات العام الذي أعلن فيه السادات مبادرته للسلام وزيارة كنيست الصهاينة في شكل هجرة غير شرعية ـ ثم تلتهم عمليتين لنقلهم بمعاونة وتسهيل جعفر النميري عامي 1984، و1985 تحت سمع وبصر الحكومة الإثيوبية.
ومن هنا وفي ظل غياب تنمية سيناء وعدم توفير مصدر دائم للمياه منذ استعادة مصر سيادتها عليها عام 1979، نشطت جماعات التهريب فيما عُرف بتهريب الأفارقة ومنها تهريب الفلاشا، التي اقترنت بتجارة البشر أي تجارة الأعضاء البشرية عبر الحدود من وسط سيناء ومنها للنقب التي استوطن فيه الفلاشا. وبعد أن فقدت إثيوبيا السيطرة على مناطق الفلاشا بسبب وجود بعض الجبهات المناوئة لها في تلك المناطق أطلقت في 29 أكتوبر 2012 عملية "أجنحة الحمامة" لإتمام هجرة هذه الجماعة، التي اكتملت تماماً في أكتوبر عام 2013 باستجلاب كل مَن في مخيم الانتظار في جوندار الأثيوبية (صورة (3)).
وكان إصرار مصر على ‏مصرية مثلث حلايب جعلت نظام البشير يساوم ويلوح من جانبه بالتوقيع على اتفاقية عنتيبي وبالتالي تفقد مصر حصتها كاملة من مياه النيل. مع محاولات إثيوبيا الإيحاءات للخرطوم أن القاهرة تحاول استبعادها من مفاوضات سد النهضة، ودعمها للمعارضة السودانية.. خاصة وأن ‏هناك متغير جديد متمثل في انفصال جنوب السودان وتحوله إلى دولة مستقلة، مما يزيد من التعقيدات التي سوف تواجه مشروعات استقطاب الفواقد التي كانت مصر ‏تعول عليها في الحصول على كميات إضافية من المياه، ‬تعينها على سد الفجوة المتزايدة ‏في احتياجاتها.
وحسب وجهة نظر نظام البشير: إن السودان بتوقيعه على اتفاقية عنتيبي والانضمام إليها لن يخسر شيئاً، فالسودان لم يستهلك نصيبه القانوني من المياه في أي عام من الأعوام منذ اتفاقية 1929، حتى لو لم يتم تحديد أي نصيب للسودان من ‏المياه فلن تتمكن دول المنبع من حجز كل مياه النيل خلف سدودها فهي ليست ‏محتاجة لذلك بل إن احتجاز كل الماء هو من المهددات البيئية لتلك الدول، فالسودان ‏سينال نصيبه من المياه في جميع الأحول والمتضرر الأول من الاتفاقية هي مصر.
مع توقيع اتفاق عنتيبي، وتوالى انضمام دول الحوض إليه وكان واضحاً أن هذا الأمر ‏سيضرب الأمن القومي لمصر في الصميم، حيث إن الاتفاق الجديد يأخذ ‏قضايا المياه إلى مسار بعيد عن مبادرة حوض النيل، الموقعة عام 1999. كما يعني ‏ضمنيا عدم الاعتراف بالحقوق التاريخية والمكتسبة لدولتي المصب السودان ومصر ‏بموجب اتفاقيتي 1929، و1995.
فقدت مصر منذ إعلان بناء السد بداية من ميليس زيناوي وحتى توقيع السيسي وديسالىن والبشير اتفاقية "وثيقة إعلان مبادئ سد النهضة"، آخر ورقة مناورات تمتلكها، وتعد بمثابة اعتراف بسد النهضة دون شروط، ومعنى موافقة مصر على اتفاقية عنتيبي بحالتها دون تعديلها، إعطاء الحق لكل دول أعالي النيل في بناء السدود وسحب المياه التي تصل لمصر.
قدّمت مع هذا "عدة تنازلات متتالية ـ حسب نصر علام وزير الري الأسبق ـ هي: التخلي عن "الإخطار المسبق" من أي دولة لمصر بإنشاء أي سدود على نهر النيل، والتخلي عن التصويت بالإجماع ليصبح بالتوافق والأغلبية معاً، والتنازل عن إدراج الاتفاقيات التاريخية في الاتفاقية، وقبول بند ينص على أنّ "الأمن المائي حق لكل دولة، وأنّ على كل دولة مراعاة الأمن المائي للدول الأخرى في الحوض".
في حين أطلقت كل دول حوض النيل عدا مصر خلال اجتماع لها أطلسا للحوض، شاركت فيه دولة جنوب السودان عام 2012 بعد الانفصال عن السودان عام 2011، وانضمت لاتفاقية عنتيبي بعد فتح سفارة لها في القدس، لتحديد حصتها في المياه باعتبارها إحدى دول المنبع وأنها ليست من الموقعين على اتفاقية 1959 الخاصة بتوزيع حصص مياه النيل، اختفت شبه جزيرة سيناء (انظر الخريط رقم (2)) من خرائط الأطلس الذي تم توزيعه، لاعتراض إثيوبيا السابق المقدم إلى الأمم المتحدة على توسعات مصر الزراعية في سيناء عبر ترعة السلام، باعتبارها خارج نطاق حوض النيل.
وتعد هذه الخطوة و في مقدمتها إطالة التفاوض حول سد النهضة والحفاظ على حصة مصر من مياه النيل هي للضغط على مصر لتقديم مزيد من التنازلات خلال الاحتكام لروسيا ثم أمريكا ومن خلفهما كيان عصابات الصهاينة، وتدعم فكرة أن خطوة توصيل المياه لشمال سيناء ما هي إلا تمهيد لتوصيلها للنقب، خضوعا لشروط غير معلنة مفادها أن توصيل إثيوبيا المياه لمصر رهن بوصولها في النهاية للكيان الإسرائيلي الذي يدعم أديس أبابا بالمعدات والخبرات ومنظومة التسليح الدفاعية.

بين مسار الشمال والوسط صار جدل
***********************
قد أثار مشروع شمال سيناء للتنمية الزراعية جدلاً كثيراً وانتقاداً في أمور فنية واقتصادية كثيرة، وخاصة بالنسبة لتكلفة استصلاح الفدان الواحد وتكلفة توصيل مياه الري له، وكذلك بالنسبة لملوحة الأراضي ومشاكل الصرف الزراعي وأثرها على المياه الجوفية وعلى بحيرة البردويل.
عند وضع المخطط العام الرئيسي للأراضي Egyptian Land Master Plan، تم تقسيم أراضي المشروع شرق قناة السويس إلى أربعة بلوكات استصلاح B1،B2 ،B3 ،B4 ، وتم إضافة بلوك B5، عام 1990 بناءً على طلب اللواء منير شاش محافظ سيناء بالمشروع (أنظر الجدول) الذي كان يستهدف زراعة 135 ألف فدان بمنطقة السرو والقوارير بوصول ترعة الشيخ جابر إليها لتلتقي مع وادي العريش، الذي يعد أكبر الأودية الجافة في مصر بشبه جزيرة سيناء، وهو الوادي الأوحد الذى ينتهى مصبه في البحر الأبيض المتوسط. ووضع المخطط مرحلتين للمشروع هي:
المرحلة الأولى: انشاء ترعة السلام أمام سد وهويس دمياط لاستصلاح 220 ألف فدان غرب قناة السويس وقد تم الانتهاء من أعمال البنية القومية ويتم حالياً زراعة ما يقرب من 180 ألف فدان وجاري استصلاح 20 ألف فدان.. بتكلفة 406 مليون جنيه، طبقا لما نشرته هيئة الاستعلامات بكتابها السنوي عام 2008.
المرحلة الثانية: إنشاء سحارة أسفل قناة السويس وإنشاء ترعة الشيخ جابر الصباح لاستصلاح 400 ألف فدان شرق قناة السويس (50 ألف فدان زمام منطقة سهل الطينة، وتقع في نطاق محافظة بورسعيد، 75 ألف فدان زمام منطقة جنوب القنطرة شرق وتقع في نطاق محافظة الإسماعيلية، ويقع في نطاق محافظة شمال سيناء 70 ألف فدان زمام منطقة رابعة، و70 ألف فدان زمام منطقة بئر العبد، 135 ألف فدان زمام منطقة السر والقوارير)، صممت السحارة لتمرير تصرف قدرة 160م3/ث من مياه ترعة السلام غرب قناة السويس من كيلو 87.00 الى ترعة الشيخ جابر الصباح شرق قناة السويس.
وعند طرح المشروع على المؤسسات التشريعية (مجلس الشورى ومجلس محلي محافظة شمال سيناء) عام 1991م للتصديق عليه لبدء خطوات التنفيذ ظهرت نقاط الخلاف حول البلوك (5) B5، فالرأي المعترض يرى أن: "لا توجد ضرورة اقتصادية لمد ترعة السلام بغرض توصيل المياه لهذا البلوك، لاحتواء وادى العريش على مياه جوفية في حوض أرضى بمساحة 19 ألف كم2، كما توفر الأمطار ومياه السيول التي يمكن احتجازها ببعض السدود غير المكلفة المياه اللازمة له، والتي تكفى جميعها لإنتاج ما ينتجه وادى العريش حالياً ثلاث مرات على الأقل، وتكفى احتياج سكان تلك المنطقة ثلاث مرات على الأقل. هذا إضافة إلى أن أكثر من 69.6 % من إجمالي مساحة هذا البلوك يرتفع منسوبها إلى أكثر من 100 متر فوق منسوب سطح البحر مما يؤدى إلى ضرورة إنشاء محطة رفع عملاقة ومكلفة، تستهلك طاقة كبيرة جداً لضخ المياه ورفعها بالمقارنة إلى استهلاك باقي البلوكات الأربعة الأخرى مجتمعة. وأن كمية الطاقة المقدر استهلاكها لتوصيل المياه إلى البلوك رقم 5 بالمقارنة تفوق كمية الطاقة المقدر استهلاكها بالنسبة لباقي البلوكات الأربعة مجتمعة مع وجود شبهة ارتباط بين تنفيذ هذا البلوك وبين التزام غير معلن من جانب مصر بضرورة توصيل مياه النيل إلى إسرائيل دون جدوى اقتصادية أو أمنية لصالح الشعب المصري".
وأكثر الآراء تطرفاً وصل ببعض الخبراء يقول: "هذا المشروع هو نموذج صارخ لهدر الإمكانات وتفكك الروابط العضوية بالنسبة لعناصر استراتيجية "المشروع القومي" التي تهدف في الأساس إلى التنمية المستدامة ـ بما يعنى أن نترك للأجيال القادمة من الفرص ما يوازى تلك الفرص التي أتيحت لجيلنا دون نقصان إن لم يكن أكثر بالنسبة إلى تعظيم المردود والقيمة المضافة للأرض والبيئة، وإلى تعظيم القيمة المضافة للإنسان وللموارد الطبيعية وللرأسمال المجتمعي.
أما الرأي المؤيد لوصول امتداد ترعة السلام لوسط سيناء من خلال سحارات من جنوب الإسماعيلية وليس جنوب بورسعيد، ليصل بعدها لمنطقة السر والقوارير والذي كان يتبناه اللواء منير شاش محافظ شمال سيناء الأسبق بدعم شعبي وسياسي من أبناء المحافظة وأيضاً المهندس حسب الله الكفراوي الذي كان يري أن الاستمرار في مشروع ترعة السلام عبر مرورها في منطقة سهل الطينة، والذى تصل فيه الملوحة لدرجة أعلى من ملوحة البحر الأبيض المتوسط، تحتاج إلى خمس سنوات غسيل، و في وقت لاحق أرجع الكفراوي توقف ترعة الشيخ جابر عند بئر العبد إلى هذه الأسباب وقال: "إن الحكومة كانت تعلم ذلك ومع هذا حفرت الترعة في مكانها الحالي".
وهذا ما أكدته دراسة حال منطقة سهل الطينة ضمن بحث لمركز بحوث الصحراء عن الآثار الاقتصادية للتصحر على الانتاج النباتي بالأراضي الجديدة.. نشر عام 2018م.
ورأيهم، طالما من بين أهداف المشروع الأساسية هدف توطين ثلاثة ملايين مواطن لتخفيف الضغط السكاني على الوادي القديم، فكان يجب تحسين أوضاع امتلاك المواطن البسيط وصغار الملاك للأصول، وجعل زراعة الحيازات الصغيرة هي الأساس، ودعمها لتكون أكثر قدرة على المنافسة والاستمرار في الإنتاج والتسويق بمساندة الدولة لمنظماتهم وجمعياتهم التعاونية، وإن تحسين إنتاجية وربحية واستدامة زراعة الحيازات الصغيرة هو السبيل الرئيسي لتحقيق هدف المشروع وللخلاص من الفقر وتقليص حدته بمصر في إطار استخدام الزراعة من أجل التنمية.. فهذه الأهداف لن تتحقق إلا في وسط سيناء الذي يحتل نصف مساحة سيناء.
ولخص أشرف الحفني رؤيتنا في المشروع التي عرضناها في الندوة التي نظمها مركز النيل للإعلام بالعريش لاستطلاع رأي محافظة شمال سيناء رسمياً وشعبياً بحضور منير شاش ووزير الري عصام راضي ـ (صورة (4)) ـ فكتب: "عندما تم عرض مشروع ترعة السلام سنة 1992 وقت وجود محافظ شمال سيناء المميز منير شاش رحمه الله.. اعترضنا وقتها على مسار ترعة السلام.. وأيضا توصيل مياه النيل لزياده التوطين المصري وتوكيد مصرية سيناء.. ولكن يجب أن يكون المسار متجها إلى وسط سيناء.. واستعننا وقتها بآراء خبراء في هذا المجال لتوضيح افضلية مسار وسط سيناء عن مسار الشمال.. بالآتي: " أولا إن الساحل به من الكثبان الرملية ما هو أكثر بكثير من الوسط.. ثانيا زيادة الملوحة في الشمال.. ثالثا أن الاستفادة ستكون مزدوجة مع مسار وسط سيناء حيث زيادة مورد المياه الجوفية.. والاستفادة من مئات الاودية المرتبطة بوادي العريش بالذات مع الاربع انظمة للأودية الاخرى مما يشكل نظام ري طبيعي .. ومع وضوح افضلية هذا المسار، ورغم ذلك كان الاصرار على المسار الشمالي.. هذا ما جعلنا وغيرنا كثيرون نشك في أنه اقرب المسارات للكيان الإسرائيلي.. ولهذا وقتها مع باقي أساليب التعامل مع ملف التنمية التي تبتعد عن توطين أبناء سيناء في الوسط بالذات بل وتوطين كل من يريد من أبناء الشعب المصري.. هذا جعلنا نردد من وقتها أن تحرير سيناء يتطلب أيضا أسلوباً حراً في إدارتها.. أما الإدارة التي تنظر أولاً للجانب الإسرائيلي أي جانب الأعداء وتضعه في الاعتبار قبل أي شيء فهذا يدعونا قول أن #سيناء_لم_تتحرر_بعد، وتضعه في الاعتبار قبل أي شيء فهذا يدعونا أن نقول حتى المحافظ السابق منير شاش بعد تركه منصبه وفى أحد لقاءاته أكد أن هناك دائما فيتو أمريكي إسرائيلي على طريقة تنمية سيناء.. أي لابد أن يكونوا مشاركين في هذا الأمر.. ولذلك كان أحد شعاراتنا منذ التسعينيات أن سيناء لم تتحرر بعد... كل ذلك سيكون مرتبطاً أيضاً بجعل المياه بأثمان تجارية للبيع.. وهذا ما دعانا للتأكيد على أن الاسلوب الرأسمالي لما يسمونه تنمية في سيناء لا وطني هو اسلوب لا وطني.
بعد هذا الجدل صدر قرار مجلس الوزراء نهاية عام 1991م بنقل مسئوليات تنفيذ المشروع من وزير الزراعة إلى وزير والموارد المائية، على أن يتم إدارته بمعرفة الهيئة العامة لتنمية سيناء NSDO التابعة له ومركزها الرئيسي في القنطرة شرق.. حيث كان عصام راضي وزير الري حينها من أشد المدافعين عن مسار الشمال، و لرفع أي سلطة للمحافظ على المشروع على اعتبار أن وزارة الزراعة من الوزرات التي تخضع في بعض نواحيها للحكم المحلي.
وكان توجس وصول المياه إلى كيان عصابات الصهاينة حاضراَ عند أصحاب الرأي المعترض على مسار الشمال بقولهم: "رغم أن المشروع المعلن على الشعب المصري حتى الآن هو وصوله وتوقفه عند وادى العريش على بعد 40 كم من حدود مصر الدولية مع قطاع غزة (إسرائيل).. يجب في هذا المقام ربط ما طلبته منظمة التحرير الفلسطينية من توحيد مشاريع التنمية الزراعية في كل من رفح مصر ورفح فلسطين والاستفادة بمياه ترعة السلام وموافقة الحكومة الإسرائيلية.
كان توقف المشروع عام 2010م، وانتقال استثماراته لمشروع توشكي، بعد أن تم تنفيذ المرحلة الأولى من المرحلة الثانية للمشروع (انشاء السحارات)، وتوقف العمل عند المرحلة الثانية منها (مد ترعة الشيخ جابر الصباح حتى بئر العبد أي البلوك (4) 4B، بالتالي انتصر اصحاب الرأي الرافض لإضافة البلوك (5) B5، بدعوى أن المرحلة الثالثة ستحتاج تمويل كبير لمد المياه حتى السر والقوارير في وسط سيناء، حيث 135 ألف فدان من أخصب أنواع التربة في العالم، وحيث كان من المقرر إنشاء 24 ترعة فرعية تصل إلى هناك.
أما بالنسبة لوصول المياه للكيان الإسرائيلي متاح في كلا المسارين لكنه مرهون بالإرادة السياسية وما تحدده كمية المياه المتدفقة لتسيل في مجرى نهر النيل حتى مصبه في مصر، وأن يرتفع نصيب مصر من مياه نهر النيل عن 55.5 مليار متر مكعب وتحقيق فائض يتم تصديره خارج دول حوض النيل.
وهذا لا ينفي أن شركات المقاولات العالمية الكبرى التي تنفذ مشروعات سدود إثيوبيا، تعمل على تسيس أزمة سد النهضة عبر مكاتب استشارات إسرائيلية كوسيلة للضغط على مصر كي توافق على بيع أكثر من نصف مليار من مياه النيل سنويًّا للكيان الصهيوني عبر شمال سيناء.. من خلال صندوق النقد الدولي.

لماذا طريق الشمال اختيار رأسمالي؟!
***********************
لأن المشروع القومي لتنمية سيناء اطلق في عام 1991م، وقد عرضه منير شاش المحافظ الأسبق في المجلس المحلي للمحافظ، وناقشه مجلس الشورى تحت عنوان (المشروع القومي لتنمية سيناء 1992 - 2017 ـ سيناء ذات اقتصاد حر).. يموله القطاع الخاص باستثمارات 75 مليار جنيه، وقد تناولناه في عدد كامل من أهالي شمال سيناء صدر في أغسطس 1991م ـ بمانيشت رئيسي (سيناء معروضة للبيع) وكاريكاتير معبر عنه ـ بالدراسة والتحليل والنقد وتقديم رؤية بديلة ـ (صورة (5)).
على ما يبدو أن هناك دور وظيفي لنظام كامب ديفيد منذ وقع السادات اتفاقية السلام مع كيان عصابات الصهاينة، وهو اتخاذ كل ما من شأنه الوصول لهدف تدويل سيناء وربطها بالمركز الرأسمالي وتحقيق مصالح الشركات الاحتكارية متعدية الحدود، وتأمين هذه المصالح عبر خلق سلام دافئ مع كيان الصهاينة، وتدجين المقاومة الفلسطينية وحصارها، وتصفية القضية الفلسطينية، والذي يحلو لهم تسميته الحل علي أساس الدولتين.. وجد النظام صعوبة بالغة منذ أن سعى صوب هذا الهدف والشروع في اتخاذ خطوات عملية للوصول لمنتهاه، مما خلق في النهاية تناقضات بين كل مرحلة يخطوها مع ما قبلها، لأن هذا الهدف في حد ذاته يقابله رفض شعبي مصري يشبه الإجماع، مع إصرار الشعب الفلسطيني على التمسك بحقوقه التاريخية، ورغم هذا أخذ دولاب العمل داخل أروقة النظام على وضع الخطط ومراحلها من وقتها وانتهي منها بالكامل، لكن التنفيذ وخلق البنية التشريعية له اصطدمت بصخرة الرفض الشعبي والتجاذبات السياسية بالمنطقة، وقضية التمويل وهوية رأس المال المستثمر، وقضية توفير المياه الذي يُعِقها الصراع بين دول منبع ومصب نهر النيل حول الاستفادة من مياهه، أي أن العائق هو الفارق بين المياه المستحقة للاستخدام والمياه المتاحة وهي المحددة بالمتر المكعب (55.5 مليار م3، وكيف يمكن توفير هذا الفارق. ومن هذه التناقضات مثلاً في عهد مبارك كان الطموح في شق ترعة السلام وامتدادها شرق قناة السويس لتحقيق تنمية زراعية تستهدف زراعة 5 مليون فدان في سيناء، بعدها توقف المشروع تماماً، واتجه لمشروع توشكي الذي توقف أيضاً لينتقل بقرار السيسي بزراعة 1.5 مليون فدان في الصحراء الغربية الذي لم يعد هناك حديث عنها، ومثل أخر تم التوسع في حفر الأنفاق على طول الحدود مع قطاع غزة، ورفض مبارك المطالبات بغلقها، في حين أن هدف إغلاقها كان المسوغ للقرار 444 لسنة 2014 بإخلاء المناطق المتاخمة للحدود بمسافة 5 كم للداخل. الرفض الشعبي كان هو الصيرورة التي أوجدت مثل هذه التناقضات بين ما هو مخطط له لتحقق هدف تدويل سيناء والتنفيذ.
وتحول هدف مسار الشمال بزراعة 400 ألف فدان شرق قناة السويس من خلال مد ترعة السلام عبر السحارات الستة تحت القناة لتمد ترعة الشيخ جابر الصباح حتى السر والقوارير، إلى جذب الاستثمار الأجنبي وتنمية محور قناة السويس، ومزارع سمكية، بعد توقف مسار الترعة عند البلوك (4) 4B، والاكتفاء بزراعة 265 ألف فدان زمام نهاية دلتا الفرع البيلوزي عند بئر العبد من خلال مد مياه النيل إلى سيناء، وهذا ما يؤكده تصريح هالة السعيد، وزيرة التخطيط، في أغسطس 2018م: "نستهدف خلال السنوات الأربع المقبلة، استثمار 275 مليار جنيه (18.2 مليون دولار) في شبه جزيرة سيناء حتى عام 2022 ـ دون الكشف عن مصادر التمويل ـ لإنشاء مزارع سمكية على مساحة 15 ألفاً و590 فداناً بمنطقة قناة السويس، وتنفيذ مشاريع زراعية وصحية، وبناء نحو عشرة طرق بإجمالي 1339 كيلومتراً"، مما يفتح باب الاقتراض من البنوك المحلية ومؤسسات التمويل الغربية، ويمهد الطريق لدخول الشركات العالمية الصهيونية من باب جذب الاستثمار.
بعد أن تمكنت الثورة المضادة من مقاليد السلطة ومناصبة ثورة 25 يناير 2011 العداء وتحميلها كل الأخطاء التي اقترفها نظام كامب ديفيد، وهو يسعى لتقويضها، والتنكيل بكل مَن يرفع شعاراتها، التي كان من أهمها الموقف من كيان عصابات الصهاينة ورفض التطبيع ومسيرة في اتجاه غزة لدعم الحق الفلسطيني واقتحام سفارة الكيان الإسرائيلي لدي النظام في قلب القاهرة، والعدالة الاجتماعية والمواطنة هي أساس العلاقة الحاكمة بين الدولة والمواطن، أعلن نظام السيسي توجهه السافر صوب التوجه الرأسمالي وتحويل مصر للدولة الشركة، ورسملة كل الأصول وتحويلها لنقد، مودع في صندوق سيادي مفتاحه مع السيسي فقط دون رقيب، وواقع الحال اليوم في سيناء وخاصة شمالها هو ما يجيب على سؤال لماذا مسار الشمال اختيار رأسمالي، والذي بدأ مع اطلاق مراحل تنفيذ المشروع القومي لتنمية سيناء (مشروع ترعة السلام)Northern Sinai Agricultural Development Program (NSADP) عام 1994م، فقد نشر موقع الـ "المونيتور Al-Monotor " في 24 إبريل 2016 تصريح للسيسي دون تعليق نصه: "أنا خصصت 10 مليارات جنيه لتطوير سيناء، لا مجال لدينا للعبث، لا مع أنفسنا، ولا مع الشعب المصري، وستجد أنت والشعب المصري التطوير الكامل خلال 18 شهراً من الآن، من إنشاء شبكة طرق وكباري بطول 1500 كم، إلى تطوير المحاور الرئيسية وبناء تجمعات بدوية يحوي كل تجمع منها على 150 بيتاً بدوياً و500 فدّان زراعي، من أجل خلق مجتمع عمراني متكامل لأبنائنا سواء أكان في الشمال أم في الجنوب". وبعد عام ونصف لم نجد على أرض الواقع إلا انطلاق العملية الغاشمة #سيناء_2018 في 9 فبراير 2018، والتي فند رئيس الوزراء مصطفى مدبولي عندما كان وزيراً للإسكان أهدافها ـ تلك الأهداف قد سلطت الضوء على توجهها الرأسمالي في يوليو عام 1995 في مقالي "هموم سيناويه" بأهالي شمال سيناء ـ (انظر الصورة (6)) ـ في بيان يوم 25 فبراير 2018 بعد بأسبوعين من انطلاقها، بأن أهداف تنمية سيناء، تتمثل في تعزيز دمجها في النسيج القومي المصري وإدخالها في مجال اهتمام المستثمرين، وزيادة جاذبيتها للاستثمار الوطني والأجنبي من خلال وضع خريطة للاستثمارات المتكاملة، ودعم البعد الأمني والسياسي للحدود الشرقية للدولة، وإعادة توزيع خريطة مصر السكانية، بإيجاد قاعدة لجذب الاستثمارات والسكان، وأن هناك مقترحات لتحفيز الإقامة بسيناء، ومنها الحوافز الاقتصادية، وحوافز اجتماعية، بجانب مقترحات تحفيز الاستثمار، وهو ما سيسهم في ضخ القطاع الخاص استثمارات بالمنطقة مشيراً إلى وجود مقترح بإنشاء عاصمة اقتصادية جديدة بسيناء تحمل اسم "سلام"... لأن سيناء هي المقصد المفضل للشركات العالمية لما تتمتع به من سهولة في ممارسة الأعمال وبيئة مناسبة للاستثمار، ولتحقيقه، يتم تحويل عاصمة المحافظة لمنطقة حرة تتمتع بقوانين اقتصادية مختلفة تشجع على الاستثمار، كما سيتم إنشاء مطار دولي محوري بمنطقة الشرق الأوسط والبحر المتوسط وميناء تجاري على البحر المتوسط، ومراكز إبداعية منتجة قوامها 500 مركز قابلة للامتداد، تصدر منتجاتها المتميزة من الصناعات الزراعية والسمكية، والمنتجات المختلفة، مع استخدام أحدث أساليب الزراعات والصناعات الذكية المبنية على الإنتـاج البحثي المتطور، وتوفير البيئة الاستثمارية التنافسية المناسبة من خلال حزمة من المشروعات والمبادرات والحوافز.
وعلى ما يبدو أن العملية الغاشمة حققت جزء كبير من أهدافها، وهو التفريغ شرقاً والتنمية غرباً، عدا انجاز الهدف المعلن وهو القضاء على الإرهاب بشكل كامل، فتم التهجير القسري لحوالي 150 ألف مواطن. وتشمل هذه الأعداد الذين تم تهجيرهم من المنطقة العازلة ومن محيط مطار العريش ومحيط ميناءها البحري. فضلا عن الذين نزحوا لمحافظات أخرى بحثاً عن ملاذ آمن هروباً بسبب الحرب علي الإرهاب.
ففي الشرق تم تطبيع قرار السيسي 444 لسنة 2014 بإخلاء المناطق المتاخمة للحدود بمسافة 5 كم على طول الحدود لدعم البعد الأمني والسياسي للحدود الشرقية للدولة ـ حسب الأهداف ـ بمحو إحداثيات مدينة رفح التاريخية (رافيا) و11 قرية تابعة من على الخريطة، وجعل 11 قرية من 14 تقع على الطريق الدولي السريع في نطاق مركزي رفح والشيخ زويد خالية تماماً من السكان، وتحولت بيوت قرى (اللفيتات والزوارعة والتومة وأبو العراج وجزء كبير من المقاطعة وقبر عمير) جنوب الشيخ زويد إلى ركام إثر المعارك العنيفة وعمليات القصف، ورحل منها الأهالي إلى أماكن متفرقة حفاظاً على أرواحهم، في هذا المضمار كان أصدق تعبير قاله واحد من أهلنا المهجرين: "بدون ولا مليم تعويض 14 قريه في شرق العريش تم تدميرهم تدمير كامل، الحجر، والبشر، والزرع، والجوامع، والمدارس، والوحدات الصحية، لكي يحارب المسلحين، رَحّلوا المواطنين وبقي المسلحين في مكانهم من 7 سنوات حتى هذه اللحظة؟"، يعني إخلاء المنطقة الممتدة من رفح حتى العريش من البشر بالإكراه بعد هدم الحجر واقتلاع الشجر، فالإجراءات ظاهرها التطوير وباطنها هدم مساحات مأهولة بالسكان، فهذا هو التهجير بعينه.
وبدأ التطهير العرقي ليتناغم مع هدف التغيير الديمغرافي للسكان، وتحقيق هدف إعادة توزيع خريطة مصر السكانية، وأيضا تحقيق حلم دعاة التهجير بإبداع المصريين سكان سيناء في معسكرات إيواء داخل سيناء، حتى يتم القضاء على الدواعش، فحولوا كل المدن لمعسكرات إيواء داخلها كمائن ثابتة، وضربوا حولها أسوار، وبدء تنفيذ سور بمحاذاة الحدود مع قطاع غزة بطول 14.5 كيلو من شمال معبر كَرْم أبو سالم حتى البحر المتوسط يوازيه سور سيقام على حدود رفح الجديدة من الغرب بينهما المنطقة العازلة، ويتعامد عليه سور جنوبها متجهاً ناحية الغرب. فالعريش أصبحت محاطة من جنوبها بسور عظيم (سور حرم المطار) ويتعامد معه سور من جهة الشرق حتى حدود المنطقة (ج) طبقاً للملاحق الأمنية لكامب ديفيد.. وانتهي هدف إيجاد قاعدة لجذب الاستثمارات والسكان بإنشاء مطار دولي محوري بمنطقة الشرق الأوسط والبحر المتوسط وميناء تجاري على البحر المتوسط.. إلى النقيض بل صب في مزيد من التهجير.
نشرت الجريدة الرسمية قرار أصدره السيسي برقم 330 لسنة 2019 والخاص بتطوير وتوسعة ميناء العريش بشمال سيناء باعتبار "ميناء العريش وجميع منشآته ومرافقه، وكذلك أي أراضٍ أو منشآت أخرى يحتاجها من أعمال المنفعة العامة"، على أن تؤول تبعيته للقوات المسلحة و"تتولى الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس تمويل وتنفيذ تطوير وإدارة وتشغيل ميناء العريش". مما يعني ضم للميناء الأراضي المحيطة به ومساحتها 371 فدان مما يعني تهجير ما بها من سكان.
وفي فبراير 2018، بالتزامن مع انطلاق العملية الغاشمة سيناء 2018 أصدر السيسي تعديلاً على قانون نزع الملكية للمنفعة العامة، أتاح له للمرة الأولى تفويض أحد وزرائه أو المحافظين، أو أي جهة أخرى، لتكون أداة لإصدار قرار نزع الملكية من المواطنين للمنفعة العامة، بعدما كان الأمر مقتصراً على رئيس الجمهورية وحده، كان هذا التعديل بمثابة المسوغ الذي استخدم خلال العملية الغاشمة، من هدم البيوت واقتلاع الشجر وهدم الحجر وتهجير البشر في 10% من مساحة مركز العريش و 25% من مساحة المدينة (الكتلة السكانية) لتوسيع حرم مطار العريش بطول 5كم على كافة الاتجاهات الذي يبعد عن المدينة بمسافة 8 كم جنوبها ويقع على مساحة 400 فدان، أي إضافة ما يزيد عن 6 آلاف فدان (25كم2) لمساحة المطار ليصبح المطار وحرمه 6.5 آلاف فدان من (26.6 ألف فدان) مساحة مركز العريش، هذا من الجنوب ولو أضفنا 371 فدان للميناء البحري يكون هناك إخلاء مساحات أخرى شرق العريش، وإذا أضفنا هدم رفح وما يجري في الشيخ زويد فإننا أمام عملية إزاحة للسكان غرباً، لتكون حدود مصر الشرقية عند حدود المنطقة (ج) شرق وادي العريش.
ومن الأهداف التي تم تدشين لها بنية تشريعية وهو القانون 14 لسنة 2012 بشأن التنمية المتكاملة في شبه جزيرة سيناء الذي جعل كل سيناء ملكية خاصة للدولة تؤول تبعيتها لوزارة الدفاع والمخابرات العامة، ذلك القانون الذي نزع كل الحقوق التاريخية للمصريين سكان سيناء، كأحد مقترحات تحفيز الاستثمار، وتحويل العريش (في الشرق) عاصمة المحافظة لمنطقة حرة تتمتع بقوانين اقتصادية مختلفة تشجع على الاستثمار. وإنشاء عاصمة اقتصادية جديدة في سيناء بمنطقة محور قناة السويس (في الغرب) تحمل اسم "سلام" التي ستسهم في ضخ القطاع الخاص استثمارات.. لأن سيناء هي المقصد المفضل للشركات العالمية لما تتمتع به من سهولة في ممارسة الأعمال وبيئة مناسبة للاستثمار.
وتبنت وزارة الري نتائج دراسة نشرها معهد بحوث الصحراء في كتاب اقترحت شق قناة بطول 2 كيلومتر وعمق 6 أمتار عند وادي أبو سويير, جنوب غرب طلعة البدن, (انظر خريطة رقم (3)) لكي توصل المجري الحالي لوادي العريش بمجراه القديم.. بديلاً عن المرحلة الثالثة من ترعة الشيخ جابر الصباح وهو البلوك رقم 5 (B5) الذي يمد الترعة حتى الالتقاء مع وادي العريش في منطقة السر والقوارير، هذه القناة حسب الدراسة سوف تحول مسار مياه السيول الموسمية إلى منطقة منبسطة غرب جبل الحلال بها حولي 350 ألف فدان صالحة للاستصلاح الزراعي. هذه المنطقة تمثل أرضا واعدة للتنمية الزراعية بما فيها من كميات كبيرة من التربة الصالحة للزراعة. علاوة علي ذلك, فإنها تحتوي علي مياه جوفية ذات معدل ملوحة منخفض نسبيا, كما أن خزانات المياه الجوفية العميقة في الحجر الرملي النوبي توجد فيها علي عمق قليل.
وهذا المقترح لا يعني أكثر من تنظيم السيول الموسمية ـ تصل المدة البينية بين تجدد السيول من 6 سنوات حتى 30 سنة ـ وتحويل مسارها وتجنب أثارها السلبية، والاستفادة مما تغذي به الخزان الجوفي عن طريق حفر آبار عميقة، وما يتم حجزه خلف السدود، وقد أظهرت الأبحاث أن كمية الأمطار التي هطلت علي شمال سيناء في يناير 2010 تقدر بأكثر من 220 مليون متر مكعب من المياه وأدت إلى هدم 780 منزلا و قدرت خسائرها بحوإلى25 مليون دولار, إضافة لضياع معظم المياه في البحر.
فالآبار العميقة لا يمكن الاعتماد عليها في الزراعة كلياً في زراعة مئات الآلاف من الأفدنة، ولكنها مجدية للاستخدام في الشرب، أما إنشاء السدود التي تضمنت خطة تعمير وتنمية سيناء، اضافة 8 سدود وحواجز و15 خزاناً أرضياً، بجانب القناة الصناعية بوادي أبو طريفية لحماية مدينه نخل من أخطار السيول، تنفيذ وزارة الري، الاستفادة منه في الزراعة محدودة، حيث أن سد الروافعة ـ (انظر الصورة (7)) ـ لا يخدم إلا 400 فدان فقط، وسد الكَرِم يخدم 1060 فدان، والمغارة يخدم 1214 فدان، والجديرات يخدم 400 فدان، فهي مساحات لا تذكر بجانب 3 مليون فدان قابل للزراعة في سيناء (1.2 مليون فدان صالحة للزراعة الآن حال توافر المياه في وسط وشمال سيناء، و 200 ألف فدان في جنوب سيناء، 1.6 مليون فدان تحتاج للاستصلاح).

لماذا اختيار طريق وسط سيناء اختيار وطني؟!
****************************
من المعروف أن المياه الجارية في الأنهار هي أرخص أنواع المياه المستخدمة ، بينما تكلفة الحصول على المياه من مصادر أخرى هي أضعاف تكلفة مياه الأنهار. مثلًا تكلفة الحصول على المياه الجوفية العميقة خمسة أضعاف تكلفة الحصول على ماء النهر. وتكلفة نقل الماء بواسطة الأنابيب ثمانية أضعاف مياه النهر، أما تحلية مياه البحر فهي أغلى أنواع المياه وقد تصل التكلفة إلى نحو مائة مرة قدر تكلفة الحصول على مياه النهر.
فالاختيار الوطني هو تحويل وادي العريش الجاف بشكل شبه دائم عدا فترات متباعدة تغذيه فيها الطبيعة بالمياه التي تذهب هباءً في البحر المتوسط إلى نهر يكتسب ديمومة جريان المياه فيه، لنحصل على أرخص أنواع المياه المستخدمة، وإن كانت تكلفة تسييل المياه في المجرى الرئيسي للترعة عبر مسار الوسط لتوصيل المياه إلى شرق القناة لتنمية شمال ووسط سيناء من خلال محطة رفع عملاقة، تعادل أو تقل عن تكلفة مسار الشمال، لأنه حينها ستكون "المآخذ المائية" لتغذية 24 ترعة فرعية صغيرة ـ والتي كان مخطط لها في مسار الشمال وتوقف تنفيذها بعد الانتهاء من تنفيذ ترعة واحدة في اتجاه الغرب في نطاقة محافظة الاسماعيلية ـ (انظر خريطة رقم (4)) ـ بسبب عدم توفر التمويل ـ سيتحول اتجاهها الحالي من الشمال للجنوب إلى الاتجاه العكسي أي من الجنوب للشمال وبسرعة تدفق عالية لأن المياه ستأتيها من مصدر مرتفع عن سطح البحر 100م، تروي أراضي صالحة للزراعة حال وصول المياه إليها وليس لغسيل أراضي لاستصلاحها والتي تحولت إلى مزارع سمكية في سهل الطينة، لأن شمال/غرب منطقة السهول عبارة عن سلسلة من المستنقعات والسبخات، مسافة 100كم غرب/شرق تبدأ من الملاحة جنوب بور فؤاد وهي رأس مثلث سهل الطينة الذي قاعدته هي حدود محافظتي بورسعيد والإسماعيلية بطول 40كم جنوباً، حتى تصل منطقة التلول غرب العريش بمسافة 60كم ثم يضيق من الجنوب إلى 20كم عند ملاحات الروضة وسبيكة، وعملية استرداد التكلفة ـ التكلفة لمرة واحدة ـ ستكون أسرع في مسار الوسط، ولأنك حينها تكون حققت التنمية بالتوطين في وسط سيناء وخلق مجتمع زراعي صناعي مستقر، متوفرة له المياه وبشكل دائم ولجميع الاستخدامات، زراعي في منطقة السهول الشمالية ـ (انظر خريطة رقم (3) و (5)) ـ من أول قرية مزار غرب العريش حتي رفح وجنوب بئر العبد حتى القناة ـ غرب/شرق ـ ودلتا السر والقوارير والتي يرسمها على شكل دلتا النيل ثلاث جبال في منطقة الهضاب (جبل الحلال من الشرق وجبل المغارة من الغرب ويلق من الجنوب)، ناهيك عن أن عملية التمويل ستكون استكمال للمبالغ المرصودة بالفعل لإنشاء السدود والحواجز والخزانات الأرضية وحفر الآبار العميقة. حيث تكلفة مثل هذه الأعمال هذا العام في محافظة شمال سيناء، حسب وزارة الري تجاوزت 20 مليار جنيه.. وصناعي قائم على التعدين والصناعات القائمة على المواد المحجرية (الإسمنت والزجاج بأنواعه، الرخام)، والاستخراجية مثل أحجار الزينة، الحجر الجيري، والزلط والفحم، الكبريت وهي صناعات كثيفة العمالة تمتص أعداد كبيرة من طاقات الشباب المعطلة.
والإجابة على لماذا مسار الوسط اختيار وطني تقدمها الطبيعة الجيوسياسية أو الجيوستراتيجية لوسط سيناء، والتي أوجزها جمال حمدان في: "من يسيطر على فلسطين يهدد خط دفاع سيناء الأول، ومن يسيطر على خط دفاع سيناء الأوسط يتحكم في سيناء، ومن يسيطر على سيناء يتحكم في خط دفاع مصر الأخير"
وكتب أيضاً: " إن مصر هي صاحبة أطول سجل حضاري في التاريخ. وبالتبعية فإن سيناء هي صاحبة أطول سجل عسكري منذ فجر الزمان" .. وسيناء هي العقدة المفصلية التي تلحم أسيا بأفريقيا فيها تجتمع مصر والشام والجزيرة العربية جيولوجياً وتضاريسياً".
ومن هنا نقول من يسيطر على "الممرات والمضايق" ـ (انظر خريطة رقم (6)) ـ سيطر على خط دفاع سيناء الأوسط، وبالتالي سيطر على كل سيناء ومدن القناة ووصل إلى مشارف القاهرة عند الكيلو 101 على طريق السويس القاهرة، وتسمى منطقة الممرات أو المضايق بحائط سيناء الجبلي الأعظم لأنها تعتبر مفتاح التحكم في سيناء، وهذه الممرات عبارة عن بوابات جبلية طويلة تربط بين المنطقة الجنوبية لقناة السويس وبين شبكة الطرق الممتدة في الأرض المنبسطة شرقي الممرات والتي تؤدى إلى الحدود السياسية بين مصر وفلسطين التي يحتلها العدو الإسرائيلي.
ويقع هذا الخط الدفاعي الثاني والأوسط عن سيناء على بعد بين 32-75 كم من قناة السويس والنقطتان الرئيسيتان فيه هما ممر متلا في الجنوب ومضيق الختمية (ومنطقة بئر الجفجافة) في اتجاه المحور الاوسط بالإضافة إلى المضائق الأخرى الاقل أهمية وهما مضيق الجدى ومضيق سدر وهذه المضائق تخترق ما يشبه الحائط الجبلي المرتفع والذى يتكون من جبل الراحة في الجنوب ثم جبل حيطان في الوسط ثم جبل ام خشيب والختمية شمالاً...
ممر ومضيق "الختمية" هو مفتاح مدينة الإسماعيلية ويقع بين جبلي أم خشيب والختمية، مَن سيطر عليه سيطر على الاسماعيلية، و "متلا" عبارة عن ممر متعرج يبلغ طوله 32 كيلومترا، ويقع بين سلاسل جبال شمال وجنوب سيناء على بعد حوالى 50 كيلومتراً شرق السويس، مَن سيطر عليه سيطر على السويس، وهو مشهور كموقع لمعارك كبرى بين العدو الإسرائيلي ومصر في أعوام 1956 و1967 و1973. أما ممر الجدى ممر استراتيجي هام يقع في شبه جزيرة سيناء، يصل طوله إلى 29 كم وهو موازي لممر متلا فيبلغ عرضه عرض الطريق الأسفلتي الذى يمر به هذا الحائط الجبلي المنيع غير صالح لاختراق أو عبور القوات الميكانيكية اطلاقاً إلا من خلال فتحاته المحددة (المضائق والممرات) ولذلك فإن هذه الفتحات الجبلية تتحكم فيه بصرامة ومن ثم تتحكم في طرق التحرك الصالحة لتحرك الجيوش من شرق سيناء إلى غربها والعكس.
بينما كانت منطقة "الممرات والمضايق" هي سبب احتلال سيناء خلال حربي 1956، 1967م، كانت علامة مهمة على طريق نصر أكتوبر، عن وصول قواتنا المسلحة إليها خاصة ممري "متلا"، و "الجدى"، وأيضاً عند فض الاشتباك كانت مستقر لقوات الطوارئ قوات الطوارئ الدولية في ممري متلا والجدي عام 1975 ـ (انظر خريطة رقم (7،8)) ـ وكجزء من اتفاقية الفصل بين القوات الثانية بين مصر وإسرائيل، انسحبت إسرائيل من متلا والجدي في 22 فبراير 1976.
إذن تنمية وسط سيناء عبر مسار الوسط خيار وطني عند الاستغلال الأمثل لمياه الأمطار و444 مجرى وادي قنوات فرعية لامتداد ترعة الشيخ جابر حتى الالتقاء مع وادي العريش عند منطقة السر والقوارير وجعل وادي العريش الجاف نهر ويجدد الخران الجوفي وخلق دلتا جديدة في وسط سيناء تمتص الكثافة السكانية في الدلتا والصعيد بما يقارب 3 مليون نسمة في تلك المنطقة حينها سنزرع سيناء بالبشر قبل الشجر لتكون حماية لسيناء ومصر ليتحول اللون الأصفر التي يتماهى معه زي الجندي الذي يحرس سيناء تحت لافته مكتوب عليها منطقة عسكرية ممنوع الاقتراب والتصوير ولا يسمح بمرور الأجانب إلى الأخضر.. بل سيحرسها 3 مليون مصري منتج بين عامل وفلاح بجانب الجندي والشرطي.
فليس من المعقول منطقة كوسط سيناء والتي تبلغ نسبة 78.6% من مساحة شمال سيناء، ولها هذه الأهمية الاستراتيجية يتم تفريغها من البشر. فعدد سكان وسط سيناء (مركزّي الحسنة ونخل) ـ (انظر خريطة رقم (9)) ـ بلغ 42 ألف نسمة، بنسبة 9.34% من إجمالي عدد السكان موزعين كالآتي: الحسنة: 29.759 ألف نسمة بنسبة 6.5%، نِخِّل: 12.241 ألف نسمة بنسبة 2.84%. وكثافة 2.5 نسمة/كم، صارت بعد الحرب على الإرهاب 0.2 نسمة/كم.. وليس هنا في الأفق ما يشير إلى أن هناك إرادة سياسية لتنميتها على أساس وطني أي زرعها بالبشر.
إذا نظرنا إلى خريطة شبه جزيرة سيناء نراها توضح كمية روافد الأودية والممرات المائية المغذية لوادي العريش وكأنها الشرايين والأوردة التي تصب جميعها في مجري الوادي الرئيسي ـ (انظر خريطة رقم (10)) ـ والتي بدورها تنقل السيول في رحلتها الطويلة من الشرق والجنوب للشمال وحتي وصوله لسواحل البحر الأبيض المتوسط مروراً بوسط مدينة العريش. وهناك عدة أنظمة للوديان الرئيسية في سيناء، فنظام وادي العريش به 444 وادي فرعي وحوضه مساحته 19.500 كم2 وطوله 630كم، ونظام وادي الجرافي به 82 وادي فرعي ومساحة حوضه 2350كم2 وطوله 526كم، وإقليم خليج العقبة به عدة أحواض ووديان، حوض واسط يمر به 261 وادي، وحوض دهب به 155 وادي، وحوض كيد به 71 وادي فرعي، وحوض أم عدوي وبه 22 وادي، وكذلك إقليم الساحل الشمالي (شمال وسط سيناء) التي تقدر مساحته تقدر بأكثر من 3000كم2 وبه أحواض الحاج والجدي وأم خشيب والحجايب والحسنة يمر به 100 وادي فرعي. أي تنظيم طبيعي للري.. يحتاج لمصدر مستدام من المياه لتغذية الخزان الجوفي، وليس موسمي حيث أن وادي العريش وادي جاف دائماً ولا تسيل فيه المياه إلا خلال سنوات متباعدة، وأول سيل له في القرن الماضي بعد انتصار حرب أكتوبر كان العام التالي عام 1974م، وعام 1980م، وأصابت وسط سيناء حالة جفاف لمدة 30 سنة حتى سال الوادي عام 2010م مما دفعت سكانه للنزوح إلى مدن شمال المحافظة، أو لجنوب سيناء للعمل في السياحة، أو لمحافظات القناة والدلتا ـ (انظر الشكل رقم (10)) ـ والذي يوضح كيف أن معدل نمو السكان خلال 20 عام بدء في الانخفاض بشكل مضطرد مع بداية تنفيذ مسار الشمال عام 1996حتى 2016م، ونمت خلالها جماعات التهريب والجريمة المنظمة والتجارة عبر الأنفاق.. حتى سال هذا العام 2019م..
واضح طبوغرافيا أن المنطقة منحتنا موقع استراتيجي للدفاع عن العمق المصري، ونظام ري طبيعي، ووضعتنا أمام تحدي أن نوظف ذلك وطنياً بتنميتها حيث أن الممرات والمضايق هي جزء من هذا النظام الطبيعي للري، وبالتالي تنظيم وتسييل المياه الموسمية واستكمال الترع الفرعية الـ 24 لمسار الشمال الذي أصبح أمر واقع، سيجعل هناك مصدر دائم للمياه يغذي الخزان الجوفي ويحول وادي العريش لنهر تجري فيه المياه.

تساؤلات يجب عليها الواقع
*****************
وعند وصل المياه إلي ترعة السلام حتى وصلت إلى بئر العبد جاء رد فعل المهتمين بهذا الشأن في شكل تساؤلات: "ما هو المعلن والمستهدف من الدولة للاستصلاح في سيناء من ترعة السلام؟، وهل هناك خطط بإعمار سيناء بتجمعات سكنية؟، وما نهاية أو أخر ترعة السلام ؟، وأي المناطق ستخدم في سيناء تحديداً؟!
الإجابة على تلك الأسئلة موجودة في رؤية نظام كامب ديفيد لمصر حتى عام 2052م، والتي ستنفذ على مرحلتين الأولى حتى 2027، والثانية بحلول 2052، والتي تم تقديمها من خلال عرض مصور أصدرته في مايو عام 2017م الهيئة العامة للتخطيط العمراني التابعة لوزارة الاسكان بعنوان الرؤية المستقبلية والمشروعات الداعمة لتنمية شمال سيناء، أي قبل 8 شهور من انطلاق العملية الغاشمة سيناء 2018، التي أمر بها السيسي بعد يوميين من حادث مسجد الروضة في 24 نوفمبر 2017، وهو الحادث الوحيد الذي لم تعلن أي جهة المسئولية عنه، وإن كانت هناك أصابع اتهام محلية وصحفية تشير إلى تورط رجل الموساد المدعوم اماراتياً محمد دحلان في الحادث.
فنجد أن خريطة الموجّهات الإقليمية للمخطط الاستراتيجي للتنمية العمرانية لمصر حتى عام 2052م ـ (انظر خريطة رقم (11)) ـ خلت منطقة شمال شرق سيناء من رفح حتى شرق وادي العريش، والتي تقع في نطاق المنطقة (ج) طبقاً للملاحق الأمنية لكامب ديفيد، من اللون الذي يشير إلى الزراعة القائمة للمساحات التي كانت مزروعة بالفعل، والتي تبلغ مساحتها 117.406 ألف فدان (المساحة المنزرعة في العريش ٢٦٦٦١ فدان و في رفح ٥٨٥٣٩ فدان و في الشيخ زويد ٣٢٢٠٦)، والتي تم تجريفها وتبويرها باقتلاع كل أخضر ومثمر، لأن حسب الموجّهات الاقليمية ترتكز في محور العريش رفح على الانشطة السياحية، ومن خلال المشروعات التنموية تحويل رفح إلى منطقة حرة، بغرض أنشطة التخزين والتجارة ومنفذ للتسويق، وتحويل المنطقة بين العريش والشيخ زويد والتي تتوسطها قرية الخروبة التي كانت والقرى المحيطة مزروعة بـ4930 فدان أشجار زيتون، تم تصحيرها والقضاء على كل ما ينبت في تلك المنطقة الخصبة بحجة أنها أحد معوقات الحرب على الإرهاب، ولكن اتضح أنها تفريغ المنطقة ـ (انظر خريطة رقم (12)) ـ لإنشاء فنادق وقرى سياحة ومدارس فندقية، لأن شاطئ هذه المنطقة من أخلب المناطق الساحلية وتسمى لية الحصان، وعلى ما يبدو أن السكان الجدد غير مرحبين بوجود فلاحين وأرض زراعية، لكنهم يريدون مساحات خضراء تُخَضْرها ملاعب الجولف.. فتم بالتزامن مع شعار لا يعلو مع صوت مدافع ودانات وآهات المعتقلين والمعتقلات خلال الحرب على الإرهاب، تفريغ المنطقة من كل مظاهر الحياة والفاعلة حتى الآن باقتلاع أشجار الزيتون الكثيفة في حي الكرامة شرق العريش جنوب حي الريسة حتى تأتي التنمية حسب المخطط على ميه بيضه.. ولم يظهر في الخريطة إلا ما تبقي من زراعات جنوب غرب العريش، التي ستتحول حسب المشروعات التنموية ضمن الموجّهات الاقليمية إلى مرفأ كبير بحري جوي لخدمة رواد القرى والمنتجعات السياحية وتصدير ما تم تخزينه في المنطقة الحرة في رفح، وتصدير المواد الخام المحجرية (الرخام، الرمل الزجاجي، الملح) دون تصنيع عدا الإسمنت. وأن الأراضي المقترح استصلاحها حتى 2052م، هي في زمام البلوك (5) B5 منطقة مزار غرب العريش والتي تبدأ من قرية مزار حتى قرية الميدان، ومنطقة السر والقوارير، ولكن عبر تنظيم المياه الموسمية التي يتم حجزها من موسم الأمطار وما يتبعها من سيول من خلال بناء المزيد من السدود وإزالة العوائق في مجاري الوديان.. وذلك حسب دراسة تتبناها وزارة الري.
ولم يرد في الموجّهات الاقليمية أي شيء يذكر حول استكمال المرحلة الثانية من ترعة الشيخ جابر.. حتى السر والقوارير، وإنما المساحات التي وردت في خرائط وزارة الزراعة التي تتجاوز المليون فدان على أنها قابلة للاستزراع حال توفير مياه بشكل دائم، اكتسبت اللون الذي يشير إلى أنها مراعي.. حيث تكتسي هذه المساحة باللون الأخر بأعشاب تعتمد على الأمطار الموسمية.. أي ترك تلك المساحة التي تمثل 60% من مساحة شمال سيناء على الطبيعة التي جبلت عليها.
وتحت عنوان أهم القضايا التنموية بشمال سيناء خلال العرض المصور ـ (انظر الشكل رقم (2)) ـ وضعت الـ 4 بنود الأولى منها، كأحد التحديات التي يجب التعاطي معها وجعلها أمر واقع، حتى تكتسب دولة السيسي صفته التي يتسم بها وهي الصدق، فكان الحصار المحكم، المقترن بكل أنواع العنف التي تمارسه القوة الغاشمة من خلال العملية الغاشمة سيناء 2018م، وما قبلها، وتحت مظلة حالة الطوارئ المقرونة بحظر التجوال، مما حول شبه جزيرة سيناء إلي جزيرة كجزيرة غوانتانامو، المصريين سكانها سجناء، ولتتحول كل سيناء لميدان معركة عليه لافته كبيرة ممنوع الاقتراب والتصوير وغير مسموح الدخول إليها لغير السكان إلا عبر الكارت الأمني، منذ أن اتخذت إجراءات مشددة عند عبور قناة السويس بطولها من غربها لشرقها والعكس منذ العام 2013م، والتي تتمثل في أن يحمل الشخص العابر لشرق قناة السويس بطاقة الرقم القومي الصادرة من سيناء، أو كارنيه الأمن الصادر من جهة العمل إذا كان موظفاً في جهة حكومية، ولكنه قرار شامل يحظر على المصريين دخول كل سيناء، والذي تطور مع فتح أنفاق سيناء بتوقيف المسافرين لعدة ساعات وفتح تحقيق شفوي للمسافرين عن أسباب مغادرة سيناء أو العودة إليها، وهل له مكان إقامة في الجهة المسافر لها، وإن لم يكن له مكان إقامة أين سيقيم، وعليه تقديم تفاصيل عن حياته منذ أن ولد، وعن أقاربه حتى الدرجة الرابعة، زادت بعد مظاهرات 20 سبتمبر 2019م تشدداً، كما ينطبق ذلك أيضا على المتوجهين لجنوب سيناء لأغراض السياحة فلابد أن يظهر المواطن عقد ملكية أو إيجار شقة أو شاليه أو أن يكون معه حجز الفندق الذي سوف يقيم به أو صورة من الحجز على "واتس آب."
ولم يكن المصريين فقط الممنوعين من العبور لشرق القناة بل قائمة طويلة من البضائع والسلع شملت المواد الغذائية والخضار والفاكهة والأدوية وكل المحروقات وقطع الغيار وألعاب الأطفال والأجهزة الإلكترونية، حتى أصبح دخولها متاح وبكميات محسوبة عبر الغرفة التجارية، من خلال آلية لتنسيق إدخال البضائع، ومحافظة شمال سيناء، بالتواصل مع الأجهزة الأمنية.. حتى زادت في الفترة الأخيرة لتشمل اكسسوارات الهواتف المحمولة، وقطع غيار السيارات كالكاوتش (الإطارات) والزيوت والبطاريات، والفحم، بالإضافة إلى قائمة من المواد الخام التي يحتاجها الحرفيون في أعمالهم اليومية. الإجراءات الأخيرة من شأنها أن تدفع المزيد من التجار والحرفيين إلى إغلاق محالهم ومصدر رزقهم خلال فترة قصيرة إذا استمر الحال على هذا المنوال، ناهيك وقف كل مصادر الدخل من مشروعات انتاجية وقف الصيد في البحر وقف حال الصيادين، تبوير الأرض واقتلاع كل أخضر أي تعطيل عمال الزراعة، وقف العمل بمشاريع استخراج المواد المحجرية أي تعطيل كل القوى العاملة فيها حكومي أو أهلي، غلق المناطق الصناعية أي غلق بيوت الحرفيين، هذه القرارات، تزيد من معاناة المواطنين بشكل متعمد، أي لا مصادر دخل إلا لموظفي الحكومة الذي زاد عليهم العبء العائلي لتكفلهم بالمُعَطلين عن العمل قسراً.. مع استمرار عمليات التعطيش للسكان وسياراتهم، ولم يتم تزيدهم بالماء أو المحروقات (البنزين، والسولار، والبوتاجاز) إلا عبر جدول زمني كل 15 يوم.. حتى اليوم.
ولا يجب أن نغفل عملية الترهيب المتناغم بين قوات إنفاذ القانون والدواعش، قوات إنفاذ القانون تتوسع في عمليات الاشتباه من خلال عملية جرد عمري للسكان تستهدف الشباب من سن 18 حتى 35، وحالات القتل خارج إطار القانون، ومن يعترض على أي فعل مخالف للقانون أو حتى المنطق كان يرفع له كارت تحويله للكتيبة 101 والتهمة جاهزة القبض على أو تصفية إرهابي في المواجهات أو الاختفاء القسري حتى يأتي القرار، والدواعش تقتل وتجز الرؤوس وتحرق الناس أحياء وتصفي بعضهم في الميادين العامة تخطف مواطنين من على الطريق الدولي كرهائن (منهم المحاميان محمد سعيد لطفي وكمال عوض اللذان مازالا في يد خاطفيهم)، وعلى مقربة من كمائن قوات إنفاذ القانون الثابتة، وكانت التهمة التعاون مع الطواغيت من الجيش والشرطة.
ناهيك عن قانون رفع رفح وقراها من على الخريطة، كل ما سبق كان تدابير للتخلص من مشكلة التكدس السكاني المتاخم للحدود السياسية التي تمثل نسبته 62% من تعداد سكان المحافظة 450.2 ألف نسمة، حيث نجحت تلك التدابير بتهجير ما يعادل 150 ألف نسمة من أجمالي 279.124 نسمة سكان العريش حتى رفح لغرب قناة السويس منتشرين على محافظات القناة والدلتا والعاصمة.. والعمل على زيادة نسبة الأمية بسبب حالة عدم الاستقرار والتسرب من التعليم، والهروب من الملاحقات الأمنية.. وتفكيك البنية الأساسية من رفح حتى أغلب الشيخ زويد، فالمطلوب هو تغييب أي مقومات تقوم عليها تنمية على أساس وطني، وأهما توطين سيناء بخمسة مليون مواطن مصري وليس تفريغها من السكان خاصة المنطقة (ج) المحددة بالملاحق الأمنية لكامب ديفيد، على أساس أن التكدس السكاني في تلك المنطقة شوكة في ظهر كيان عصابات الصهاينة، فكان لابد من تجريد سكانها من مصريتهم وحقوقهم التاريخية في الاعتداد بملكية أرضهم المبنية والمزروعة.
وقد وضح أشرف الحفني في دراسة له غياب التنمية على أساس وطني بتغليب الرؤية الأمنية في تناول قضية الملكية في سيناء من خلال رصد تاريخي لتطور علاقة الحكم بالمواطن منذ الاحتلال العثماني حتى الاحتلال الصهيوني، واستمرار التعاطي الأمني حتى اليوم على اعتبار أن سيناء ملكية خاصة للدولة، وتعمد تغييب الأساس الرئيس للتنمية بوجود مواطن مستقر تعتد الدولة بحقوقه في ملكية أرضه المبنية والمزروعة فكتب: "لا يوجد الأساس السليم بربط الملكية بالإنتاج والتوطين ناهيك عن غياب الملكية من الأساس. وتصبح الملكية في سيناء كما كانت على مدار عصور مصر نهباً للاتفاقات الاستعمارية التي ترهن الأرض لصالح المستعمر في الخارج وأعوانه في الداخل وفى ظل ذلك يرتع فئران الفساد بين أرجل حيتان السياسة والأمن الكبار في ظل طوارئ مفروضة على سيناء منذ ١٩١٤ إلى الآن.. كانت الملكية في سيناء كباقي أفرع النظام الرأسمالي المليء بثغرات يملؤها الأجنبي بل والعدو.. نقول إن كانت مرتبطة بالأم.. فلا طريق سوى أن يكون الأمن خاصة هنا في سيناء بأيدينا نحن.. بأيدي الشعب لفك رهنيه أرضنا.. وفك رهنيه مصر كلها.. حيث أن سيناء لم تتحرر بعد لأن مصر كلها لم تتحرر بعد."
والسؤال الذي يطرح نفسه: هل أصبحت عقيدة الجيش المصري الدفاع عن اتفاقية كامب ديفيد وملاحقها الأمنية فقط؟!! وأيضاً التبعية للمركز الرأسمالي والبنتاجون المعبر عن شركات السلاح الأمريكية والغربية؟!

****************
هوامش:

* كتاب (مصر: نسيج الناس والمكان والزمان) الفصل السادس (مسألة المياه في مصر) تأليف محمد رياض
** "حقيقة صفقة بيع ترعة السلام" تقرير صحفي نشر بموقع اليوم السابع يوم الجمعة، 27 مارس 2009
*** كتاب جمال حمدان "سيناء في الاستراتيجية والسياسة والجغرافيا"
**** تعداد السكان عام (2016) ـ حسب بوابة المحافظة الإلكترونية
***** بيانات قسم التوطين بمديرية الزراعة بشمال سيناء في يناير 2013
****** من دراسة للرفيق أشرف الحفني نشرت في جريدة الأهالي بعنوان "الملكية في سيناء ضحية الأمن"
الصور والخرائط
صورة (1) ترعة الشيخ جابر https://www10.0zz0.com/2019/12/02/16/743379493.jpg
صورة (2) سد النهضة بعد الانتهاء https://www11.0zz0.com/2019/12/02/22/567407304.jpg
صورة بحيرة سد النهضة https://www11.0zz0.com/2019/12/02/22/267247710.jpg
صورة سد النهضة وقت الانشاء https://www11.0zz0.com/2019/12/02/22/698795345.jpg
صورة مسار ترعة السلام ـ نرعة الشيخ جابر الصباح https://www4.0zz0.com/2019/11/21/02/827592368.jpg
صورة محطه رفع قريه قاطيه حي الزهور-ترعه السلام https://www4.0zz0.com/2019/11/21/02/761643063.jpg
صورة (3) الفلاشا في مخيمات الهجرة انتظاراً لانتقالهم للنقب https://www6.0zz0.com/2019/12/02/22/995238123.jpg
صورة الفلاشا في تل أبيب https://www6.0zz0.com/2019/12/02/22/364953937.jpg
صورة الآثار الاقتصادية للتصحر على الانتاج النباتي بالأراضي الجديدة https://www8.0zz0.com/2019/12/02/22/755454114.png
صورة (4) منير شاش وعصام راضي في زيارة لمنطقة السر والقوارير https://www5.0zz0.com/2019/12/02/22/328847381.jpg
صورة (5) سيناء معروضة للبيع https://www5.0zz0.com/2019/12/02/22/394529223.jpg
صورة (6) مقال هموم سيناوية (سيناء في مشروعهم القومي) https://www5.0zz0.com/2019/12/02/22/467475834.jpg
صورة (7) سد الروافعة وسد الكّرِم https://www11.0zz0.com/2019/12/02/16/377352580.jpg
شكل (1) السمات السكانية والاجتماعية (معدلات النمو السكاني والملامح الاجتماعية) https://www3.0zz0.com/2019/12/02/16/966490112.jpg
شكل (2) أهم القضايا التنموية بمحافظة شمال سيناء https://www10.0zz0.com/2019/12/02/16/741172979.jpg
شكل (3) السمات العمرانية (التوزيع السكاني والفئات الحجمية ونسبة التحضر) https://www10.0zz0.com/2019/12/02/16/193009184.jpg
خريطة (1) خريطة بطليموس لفروع الدلتا https://www8.0zz0.com/2019/12/02/23/882080667.jpg
خريطة (2) مياه حوض النيل https://www4.0zz0.com/2019/12/02/23/166532355.jpg
خريطة (3) السر والقوارير https://www10.0zz0.com/2019/12/02/16/269507182.jpg
خريطة (4) الترعة الفرعية الوحيدة التي تم تنفيذها على ترعة الشيخ جابر https://www10.0zz0.com/2019/12/02/16/918249534.jpg
خريطة (5) أقاليم سيناء الفيزيوغرافية .. هيكل أقليمي https://www5.0zz0.com/2019/12/02/16/942588280.jpg
خريطة (6) ممرات ومضايق سيناء https://www10.0zz0.com/2019/12/02/16/261337366.jpg
خريطة (7) خريطة الحملة العسكرية الإسرائيلية الأنجلو-فرنسية لاحتلال سيناء، مصر من 1 - 5 نوفمبر 1956 https://www10.0zz0.com/2019/12/02/16/636651146.jpg
خريطة (8) قوات الطوارئ الدولية في ممري متلا والجدي عام 1975 https://www8.0zz0.com/2019/12/02/17/157825103.jpg
خريطة (9) التوزيع الجغرافي لسكان شمال سيناء https://www2.0zz0.com/2017/05/11/00/442732724.jpg
خريطة (10) شبكة الوديان في سيناء https://www10.0zz0.com/2019/12/02/16/654060559.jpg
خريطة (11) الموجّهات الإقليمية.. المخطط الاستراتيجي القومي للتنمية العمرانية 2052 https://www10.0zz0.com/2019/12/02/16/677202566.jpg
خريطة (12) الموجّهات الإقليمية.. المشروعات التنموية https://www10.0zz0.com/2019/12/02/16/730354179.jpg
خريطة خريطة توضح مشروع ترعة السلام وجدول تقسيم أراضيها https://www6.0zz0.com/2019/11/21/00/188186344.jpg