اختلاط المفاهيم: الشّارع اللبنانيّ وأهواء البعض

سعيد عيسى
2019 / 12 / 2

تختلط المفاهيم في ذهن النّاس، مشاركين كانوا في أحداث الشّارع اللبنانيّ أم لا، فالبعض يطلق عليها حراكًا، والبعض الآخر انتفاضة، بينما يصبغ عليها آخرين صفة ثورة، والوصف هذا غير منفصل عن البنى الفكرية الحاكمة لكل تسمية، بوعي من مُطلِقها، أو بغير وعي، وإن كانت هي لدى البعض أمنيات لا واعية، كامنة، سرّع من إطلاقها جري الأحداث وتسارعها.

فمصطلح "انتفض" ومنه "انتفاضة" تعني فيما تعنيه النّشاط، والهياج، والاستفاقة من كبوة أو سبات، وأمّا "حراك" فهو مظهر من مظاهر النّشاط، والاتّقاد، أي الاشتعال نتيجة لحدث معيّن، والخروج من السكينة والهدوء، نحو الحيويّة والنّشاط، بينما "الثورة" تعني الاتجاه نحو تغيير جذريّ، وانقلاب في البنية السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة، وما بين المصطلحات الثلاث مشتركات، لكنّ الاختلافات أكثر بكثير، وقد تودي المصطلحات إلى بعضها البعض، لكنّها بحاجة إلى زمن لتراكم قناعات تحتّم الانتقال من حالة إلى أخرى فيها من الجذريّة الكثير.

بعض من في الشّارع نصّب نفسه راعيًا، مسؤولا، على النّاس، وعنها، يقود بصولجانه وخطابه حركتها، إن حادت عن رغباته وأمانيه، صبّ عليها جام فعله الثوريّ، ليعيدها إلى كنفه، وحضنه، لأنّها لا تدري مصلحتها، بينما هو بها دارٍ، وخبرته في ذلك طويلة؛ والبعض الآخر امتشق سيف التنظيم (تنظيم النّاس)، معتّدا بعلم القياس الذي يمتلكه، ولا ملكة لغيره به، فأضحى الموجّه لها، ميمنة أو ميسرة، هجوم أو دفاع، للأمام أو للوراء، والويل لمن لا يستمع أو يطيع؛ في حين وقع ثالث بين المسؤوليّة والتنظيم، فغدا منظّرًا من جهة، ومنظّمًا من جهة أخرى، جامعًا للمجد بين كفّيه، الصولجان بيد، والسيف باليد الأخرى وهيهات لمن لا يدير له أذنيه من النّاس.

ما نحن في خضمّه اليوم بالكاد يكون يقظة للنّاس بعد استسلام لكبوة طويلة نسبيّا، المبالغة فيها قد تفقد أصحابها التوازن، والمشوار بينها وبين "الانتفاضة" طويل، فكيف بالأحرى "الثورة"، من هو متيقّن أنّ البلاد تتّجه لانقلاب جذري فهو واهم، ومثال "اليونان" قريب، اللاعبون الدوليّون قدراتهم تفوق مخيلات البعض، والأمثلة القريبة والبعيدة حاضرة، فما على البعض سوى لمح جنباتهم يمينا، أو يسارا، دعوا النّاس تعبّر كيفما شاءت وأرادت فهي عالمة بما يعتمل بنفوسها، فإذا تعبت من النفوس الأبدان سَرّحَتها.