(موجز عام حول روايات حليم يوسف الخمس)

ريبر هبون
2019 / 12 / 2

ريبر هبون*
"سوبارتو"
ركز الكاتب على النمط الدرامي المفعم بالمأساة ليعالج بذلك طرائق التفكير والمزاج العام للأفراد، وحالة التجهيل المتبعة والمغلفة بالقسوة التي يتلقاها الفرد إن في البيت أو في المدرسة أو مكان العمل، وكذلك يبين الالتزام الواقعي بمعضلات المجتمع الجانب الأكثر دلالة في خضم الواقع المعاش، حيث يخوض حليم يوسف في إشكالية الحرية والخلاص من الزيف والعبودية واللهث وراء تأمين سبل الحياة كحد أدنى، فضياع الحقوق الإنسانية يمثل النقطة الأكثر احتجاجاً في مسار الرواية العام، وكذلك غرق الفئات الفقيرة بمستنقعات الجهالة وعطالة الفكر، والتباعد الأسري، إثر هذا الضغط الهائل على موارد الكسب والعمل، حيث أن بنية المجتمع تبدو هزيلة ومعرضة لأقصى درجات الفوضى والتبعية والانحلال، حيث تؤثر أساليب السلطة القمعية على نمط حياة المجتمع وتمهد لمرحلة ما إلى حدوث أزمات داخلية في أوساطه، لهذا فغياب التنمية والعدالة، هو مؤشر خطير لبروز أزمات تودي بالمجتمعات إلى نفق مظلم، إنها الفوضى بكل أشكالها ونتائجها وتشعباتها، إثر غياب الحريات، وتفشي الفساد، ومحاصرة الإنسان في كل مناحي حياته ومحاربته في قوته ولقمة عيشه، كل ذلك سبب التباعد الأسري، والتفكك الاجتماعي، وأعطى بوادر للانقسام والفوضى والحرب الأهلية، حيث قادت المصالح الفئوية الناس كعبيد في ميادين الحياة، وجعلت الحركة الفكرية تتعطل، لتصبح الحياة ضرباً من الرغب والخشية المستمرة من المستقبل، حيث بغياب الإصلاح والفكر والمعرفيين الساعين لتنظيم حركة الحياة وإعادتها لطبيعتها، تنعدم أفق الحل، وتتلاشى المكتسبات الطبيعية ، ويصبح الإنقسام على أشده، لاغياً حالة التآلف الطبيعي، إثر ضرب منظومة القوانين التي تكفل للإنسان حياة أفضل، وأكثر أماناً وديمقراطية، إذاً فسوبارتو مثلت ذلك الصراع المستتر والعلني ضد أنصار التشويه والقبح، وظل التحليل الرؤيوي هنا خير مسترسل على ماورائيات اللغة السردية وفصولها الدقيقة، ولعل حقيقة التطلع المفيدة في انتصار الجمال على الدمامة الماكثة في الطبائع، هي أحد مقاصد العمل النقدي، الذي بطبيعته يسمو عن كل نظرة سوادوية ضيقة الأفق، وبهذا يبين الكاتب حليم يوسف مغزى كفاح المعرفيين الشاق في ظل مطارق الفساد والقمع الذي هوت على رؤوس يقظة، تعمل على إذابة الجهل عبر إصرارها على الحياة الطبيعية والحب الحقيقي، لهذا انتصر الكاتب في خياله وتمثله بالخلاص كحل أقصى لحماية مكتسبات الإنسان العاقل في أنحاء الوجود ، وما سوبارتو سوى المنطلق لبيان حقيقة انتماء المبدع للجمال والخير الذي في نفسه ومداركه ومواهبه، هنا تكمن الرسالة، ولهذا لم تغلق الأبواب في الرواية، بقيت مشرعة لاحتمالات عديدة، ولسياقات وليدة، وتيارات لعلها تكون البشرى للخلاص من الوهم، ومن هذا التحلل المتجسد في خيبة الشخوص من حياة مكتظة بالاضطراب واليأس، لم يكن التداوي بالجنس هو الحل الأمثل، بل كان سبيلاً لمعرفة حجم هالة الاغتراب والضياع، ولم يكن الذوات في مسرح الرواية على درجة كافية من الوعي، نتيجة نزيفها المتمثل بحادثة الحريق، التي مثلت بداية الانفجار الذي راح الكاتب يمهد لانطلاقته على نحو غرائبي شيئاً فشيئاً، لهذا أمعنا في سياقات التأويل واستعادة الكثير من الإشكالات العالقة في رقعة الشرق الأوسط عبر سوبارتو، تمعنا في شعوب ميزوبوتاميا، وذلك الإرث الحضاري الذي تقاسمه المحتلون وأشرفوا على اغتصابه، وأيقنا أن كل حادثة فردية مرت في سوبارتو، هو إيحاء على عظمة الشعب الكوردستاني الذي يواجه أشكال التحديات والضغوطات في سبيل هويته العتيقة المطموسة في أوحال الكراهية، فمأساة الطفولة البائسة هي الجذر الأساسي لكل صدمة متلاحقة يشهدها الإنسان الشرق أوسطي، والعبودية على أشدها في حياة تفتقد للنظام المؤسس على الإنصاف ،وتشرذم الطاقات التي أعدت نفسها لاختبار الحياة الشاقة..
فهنا سوبارتو تمثيل لإرادة المجتمع ومأساته في ظل القمع المفروض تاريخياً، والذي أربك معالم الحياة النهضوية النقية، وجعلها ميداناً للتصارع السلطوي، وقمع الحريات، والصمت إزاء النيران التي نهشت من جسد المظلومين والبراعم التي لو عاشت بمعزل عن النار المستعرة، لاستطاعت ربما أن تغير من قدر سوبارتو، إلا أن الأطفال التهمتهم ألسنة النار، التي انتشرت لتستوطن قلوب العاشقين، لتذيبهم قهراً وذلاً ومعاناة، وقد نجح الكاتب حليم يوسف في تمثيل الوجع القديم الجديد، ومهد في رائعته سوبارتو، لفصل جديد من بروز معالم رواية حقة تضع الإنسان وحريته في سلم أولوياتها وتطلعاتها لحياة أفضل..
"خوف بلا أسنان"
نستخلص من هذه الرواية عدة نقاط جوهرية يمكن أن نبني عليها أسساً أفضل للتأمل والسبر
: المركز وهي
إن النوايا المحمودة تحتاج دوماً لعقول مستنيرة تؤمن بالمعرفة ، وتنتصر لنفسها على منظومة الخوف المقدس ، ولعل *
الثورة الأكثر توهجاً وصدق هي المنبعثة عن إيمان الإنسان بالعقل وقدرته على أداء المهام العصيبة، بتنسيق جمعي قوامه التحاور، إننا لا نحتاج لنوايا وقتية تنبع عن إحساس عشوائي غير مدروس، حيث تنقص مجتمعات الخوف تلك الرؤى المعرفية التي تبحث عن شؤون المستقبل أكثر من شؤون الماضي والغيب، وترتقي عقلاً وروحاً بدلاً من أن ترفع شاخصات
. المحظور والمكروه، إيماناً منها بأن الخلاص كامن في المعرفة والحب ومتجلِ بجمال ورفعة الوجود الهندسي
استطاعت السلطة تقسيم المجتمع عبر زرع الكراهية، وبث الفكر القومي المتطرف تجاه الأقليات بخاصة المجتمع الكوردستاني، مما يعتبر ذلك حجر الأساس لأي تقسيم قائم بحدوث حرب خارجية هدفها إضعاف هذه السلطة ، ليكون التقسيم جغرافياً مدعوماً بتقسيم ممارس ومعاش قامت السلطة الشمولية بإنجازه
غلبة الذكورية والنظام الأبوي وسيطرته على عقول النشء والأفراد ككل، كنظام وليد عن الجسم السلطوي ورزع الشقاق*
الكبير بين أفراد العائلة واضطهاد المرأة الأم والحبيبة وإبعاد الأفراد الشباب على التفكير بالحب وإنجاحه عبر بناء العائلة السعيدة، إنما سيطرة التقاليد الأبوية ، أسهم في زيادة الشرخ والاغتراب أكثر فأكثر ، وباعد بين أبناء الأسرة الواحدة ، وفتح
. سبيلاً للعلائق الإباحية القائمة خلف الكواليس، إيماناً بالعبثية وحالة الضياع والخوف وابتعاداً عن الحب الطبيعي
كشف الطفولة المضطربة التي يسودها الخوف والإهمال والعنف في ميدان التربية والتعليم، والرقابة على الحياة وتنشئة*
الأطفال في بيئات الخوف والكبح والتعنيف، حيث لهذا دور في تحديد شخصية وأدوار الأفراد بغياب مساحة معينة من الحرية وانتشار مظاهر الفوضى جراء التباعد بين الناس وانتشار العوز والحاجة ، وسيطرة المفاهيم المتعلقة بالدين
. السياسي والخرافة وسيادة روح الإقطاع والخوف من الحكومة
الترابط في الأفكار والمشاهد كلها تتمحور حول جذور الخوف وتطوره استناداً لواقع مجموعة من الناس تعيش ضمن *
جغرافيا مترابطة ومتشابكة، تجمع أناسها ، على اختلاف شرائحهم، نظام مركزي شمولي يعتمد الحلول الأمنية القمعية
. أسلوباً للتحكم فيهم،وقد استمد النظام المؤسس قوته من المنظومة الذكورية المتأصلة في المجتمع عبر التاريخ

"عندما تعطش الأسماك"
لعل الرواية الوطنية تسهم في تكوين الضمير الجمعي لحياة الشعوب وتوثق تجاربها وآلامها وبطولات أفرادها ومعاناتهم، إنها بمثابة الدليل لحياة أفضل، ولعل تدوين الآلام في الرواية يمثل منجزاً حضارياً مقروناً بالعلوم الإنسانية، وهو يمثل مطلباً وحاجة، ولابد من دفعها في الواجهة، حتى يتم سبرها وتحليلها باعتبار ذلك تمثيلاً لحياة الشعوب ومآثرها، إنه يمثل ذلك التاريخ الوجداني الذي لابد من الأخذ به واعتباره أساس نهضة الكلمة وإحياءها على نحو راصد ومواكب للقضايا الإنسانية المتصلة بعلاقة الإنسان مع وجوده تبعاً للجغرافيا، ولابد حينئذ من الحديث عن الاغتراب، المتجسد ببروز في هذه الرواية ، اغتراب الأفراد، حينما يأخذون قراراً بحمل السلاح ومواجهة العدو، حينها ينتقلون من موطن مكوثه إلى ساحة النزاع، وهي الجبال الشاهقة التي مثّلت معاقلاً للكوردستانيين منذ تاريخهم القديم، حيث أن دفع العجز مقرون بالحركة ولابد من انتقال حياتي جذري يسهم به المعرفي لفهم طبيعة الصراع وإدارة دفته، نجد نزوعاً حاداً للحرية، والمطالبة بها، مهما كانت العوائق والصعوبات، للقضاء على ذلك الاحتكار القومي الصلف لتاريخ وهويات ومقدرات الشعوب، ذهب الأفراد المسلحون بالإرادة والحب ، لنقل معاناتهم الفردية إلى ساحة التغيير عبر المطالبة بالتحرر السياسي ومعهم بالتزامن التخلص من رواسبه المتجسدة بطغيان الذكورية لعل ذلك يدخل في بند مراجعة الذات وتحدي علل، وإلزامها على فهم الحياة استناداً لفلسفة الدفاع عن الوجود ومكتسباته الطبيعية، نجد هنا أن علاج الاغتراب يتجلى في مواجهة شاملة للسلطة القمعية والضعف المتجلي في حياة مكبّلة بالخوف ، حيث أن ماسي، وبريفان، وبرفين، وريناس، يبينان أن طريق اجتثاث الاغتراب الفردي لا يمر من فوهة البندقية فحسب وإنما بالتصدي الشامل لممارسة هذه المنظومة والعمل على دفع العائق مهما كلف ذلك من خسائر وتضحيات، بين الكاتب حليم يوسف عن ذلك الصراع الكبير بين قوى الاجتثاث وقوى الصمود، متجنباً الخوض في الهزيمة النفسية للشخوص، وإنما عن سيطرة الإحساس بالنصر لدى بطل الرواية من خلال إصراره على إيصال الرسالة ، رغم تعثره بقسوة المواجهة وأعباءها، وكذلك مدى فداحة ذلك على نفسية الفرد وضياعه واغترابه الذي يبقى عصياً على التفكك والزوال، فالعطش يظل سيد الموقف، بالرغم من كل الجهود والمساعي لتجاهله والابتعاد عنه، إلا أنه يظل جاثماً طالما أن كوردستان مستعمرة، طرق محفوفة بالخوف، وشعب لا يجرأ على التلفظ باسم كوردستان ، لأن في لفظها عقوبة قانونية،
في تركيا، وليست أي عقوبة، لهذا نجد في طبيعة المشهد الدرامي المتجسد في ذهاب ماسي للقاء عائلة ريناس ، باعثاً
. لتساقط الدموع ، وتجسيداً لهذه الأعماق العطشى للحرية
"تسع وتسعون خرزة مبعثرة "

يجاري الكاتب زمن المتغيرات والتي تفرض على الإنسان نمط الاندماج بحيث تتلاقى الثقافات والعوالم فيما بينها ويغدو الحديث عن هذا الاتحاد من طبيعة الواقع، الواقع الجديد الذي نشأ إثر تلاقح الشرائح والطبقات فيما بينها ، حيث يتحول الوافدون بعد ردح من الزمن إلى سكان أصليين، ويغدو الحديث عن التفاخر العرقي ضرباً من ضروب التزمت أو التعنت الإيديولوجي، فنشوء الحضارة جاء إثر هذا التلاقي بين الأقوام المختلفة بجانب الصراعات التي لم تكن لتنتهي، وكانت في كثير من الأحايين تنشأ لتقتات على كدح المعرفيين ومنجزاتهم في تحقيق ذلك الاندماج الطبيعي بين الناس عل اختلاف انتماءاتها ومشاربها، حيث يسترجع البطل كل ما يتصل بطفولته ومعاناته في كل لحظة، حينما يبصر الحنين في بطن ساندرا ليعيد في نفسه سيرة اليتم، وعند تحسسه الطفل ، مروراً بتجربة الغيرة المؤلمة بينه وساندرا، لا يوفر الكاتب
. حدثاً أو مناسبة في الرواية إلا وينتهزها للحديث عن المعاناة الفردية والجمعية للكردستانيين في المنفى
"الوحش الذي بداخلي "
يشير حليم يوسف إلى قضية هامة تتعلق بتوحش الناس إثر غياب العدالة والدولة بمعناها الطبيعي الحقيقي، وإثر ذلك القمع الأعمى تنامى دور الوحشية الاجتماعية في الرد الاعتباطي، والخروج عن الجادة شيئاً فشيئاً، لحين الوصول لأسلمة الحراك الشعبي، مروراً بمظاهر القتل ، فكانت المعارضة المسلحة تقدم على الانتقام من تلك السلطة، عبر حوادث كوضع الرؤوس المقطوعة على الأسوار، ومشهد اقتلاع قلب جندي وأكله على شاشات الكاميرا، هذه المظاهر الوحشية أراد الكاتب من خلال ذكرها، تنبيه المجتمع من مخاطر الحراك المصطنع المعبر عن انسياق الغافلين لأجندات الإسلام السياسي العابر للقارات، رواية مفصحة عن الاغتراب، تنقب في ثنايا الوجع، وترفع الأسئلة لتضعها على طاولة التأمل بغية استنطاق وعي المتلقي الذاتي ، كي يعالج روحه من خلال مجموع الأرواح الوحيدة هنا في عالم أطبق عليه شبح الاستبداد والإرهاب على حد سواء، أنهاها الكاتب بتعبير صارخ عن وحدة قاتلة يحياها كل فرد في الرواية على حدة، كل شخوص الرواية محكومون بالعزلة والاغتراب، وليس البطل هنا أولهم أو آخرهم، وليس ترتيبه الأول حزناً ويأساً، فمأساة انتحار المعلم آرام أبلغ، والمعلم آلان أيضاً،ولعل سالار كان المأساة الأخيرة ذات الخصوصية في أنها ترصد المحيط بعيون فاحصة تستعر حزناً ، يجسد حليم يوسف حالات اليأس والضعف، جراء حادثة موت أم
. سالار، وشعوره أنه فقد معقلاً للدفء يشعره ببعض العزاء، هنا فقد ذلك المهد ، وأصبح على مفترق طرق من النهاية
وبهذا فقد عبّر عن محنة المجتمع ككل الذي ذهب كمحصلة عن جور السلطة الاستبدادية كضحية فقدت كل ما يوصلها لبر الأمان فبات عبء مواجهة الإرهاب إلى جانب الاستبداد لزاماً عليها تدفع فاتورة حربها من دماء أبناءها ودموع أمهاتها
. جراء خراب الأرض والنفسية وضياع الانتماء ما بين النزوح والموت وبازار السياسة العالمية الراعية للوحشية المعاصرة