رواية المهزوز تحذر المجتمع من الآثار السلبية لظاهرة العنف التربوي.

صلاح شعير
2019 / 12 / 2

ر
تتميز رواية المهزوز للكاتب الكبير نشأت المصري والصادرة عن مؤسسة دار الهلال 2019م بأنها رواية ذات موضوع رئيسي واحد يتلخص في رسم إطار للشخصية المترددة أو الشخص المهزوز، علاوة عدة خطوط فرعية تناقش الكثير من القضايا الاجتماعية الآخرى، ومن حيث التكنيك الفني تعتمد الرواية على التكثيف والانتقال السريع بين الأماكن والأزمنة، علاوة على الدقة في رسم الشخصيات من حيث الشكل أو ضمن الإطار النفسي للأبطال الفاعلة في الحدث الدرامي؛ مثل شخصية الأب الراحل والقاسي كمحرك مستتر للأحداث طوال رحلة الرواي العليم، كذلك معنى الحنان الذي برز في شحصية الأم "نبيلة" والابن "يونس" والابنة "فاطة"، أما شخصية البطل المتردد "أكرم" فظلت واضحة ومفجرة للأحداث الدرامية حتى أخر كلمة في الرواية.

نجح المؤلف في استخدام معجم اللغة العربية البسيط، وبما يناسب كل الثقافات، ومن حيث المضمون يمكن القول بأن الكاتب طرق العديد من الموضوعات التي تهم الإنسان بصفة عامة والمصري بصفة خاصة، ومن هذا الموضوعات مايلي:

صناعة الشخص المتردد: تتفق الرواية مع خبراء علم النفس التربوي في أن طريقة تعامل الآباء مع أطفالهم في سن مبكرة يمكن أن يكون لها تأثير طويل الأمد على سلوكهم في المستقبل، وللأسف مازالت مجتمتعتنا العربية تتعامل مع الطفل بعنف بقصد التهذيب إلا أن الضرب والقسوة غالبًا ما يأتي بنتائج عكسية.
تشير الرواية أن محاولة تقويم السلوك للطفل من خلال الضرب والصفع على الوجه؛ يمكن أن يؤثر تأثيرًا سلبيًا على الحالة المزاجية والسلوكية، ويجعل البعض أشخاصًا عدوانيين أو خانعين في مراحل لاحقة من العمر.قدم لنا المؤلف شخصية المتردد الخانع في شخصية الطفل "أكرم" الذي يعيش بين الخنوع وبين المحاولات الذاتية للتمرد على الضعف، ويقضي أكثر من نصف عمره يحاول جبر هذه النقيصة.

أما الشخص العدواني فقد برز في صورة الطفل "أحمد" ذلك الطالب الفاشل في المدرسة والذي تحول إلى التجارة لكسب المال، وكثيرًا ما كان يسخر من زميله "أكرم" ويضربه بعدونية دون رد أو صد من المعتدي عليه، والذي تعود على الخنوع رغم قدرته على الرد بسبب رواسب الجبن الذي زرعت فيه منذ الطفولة.

أكتشاف الذات يؤدي إلى النجاح: لقد كانت بداية أكتشاف "أكرم" المدرس لذاته عندما تم تعينه في أخصائيًا اجتماعيًا في المدرسة، وكانت المفارقة في هذا التعيين أن هذا الشخص المهزوز بالذات هو الموكل إليه علاج مشاكل الطلاب النفسية والاجتماعية، لقد كان التلميذ "محمد عبد السلام" هو الاختبار الفعلي لأستاذه؛ لأنه كان يمثل صورته بالماضي كان "أكرم" الطفل هو نخسة طبق الأصل من الطالب الحالي، ولذا كان يوجهه برفق نحو ما كان يجب عليه أن يفعله بنفسه في مثل هذا الموقف بالماضي ولم يفعله، ونجح في تحويل التلميذ إلى فرد صالح وبطل رياضي عندما بث الثقة في نفسه، وعادت الثقة إلى الأستاذ والتلميذ في آن واحد.

رغم فشل "أكرم" في اختيار الزوجة المناسبة، حيث أرتبط بزوجته "سلوى" سليطة اللسان لجمال شكلها دون تمحيص، إلا أنه بعد طوال تفكير أدرك بعد فوات الآوان أنها لا تصلح وتخلص منها بالطلاق، وبالتالي كان الحل غير مثالي لأنه جعل الأولاد يتعرضون لمشاكل نفسية بسبب هذا الإنفصال.

مر "أكرم" بعدة موقف جعلته يتصرف بثقة مع كل من حوله مثل قراره بالتبرع بكليته لأخيه "يونس" دون خوف من الموت أثناء الجراحة؛ حبًا في أخيه وردًا للجميل، ولكن موت الأخ في حادث قبل إجراء الجراحة حرمه من إثبات حبه بصورة عملية للأخ الأب.
وقبل ذلك كان مصدر عطاء في محيطه الأسري عندما تولي رعاية ابن أخته "مروان" منذ طفولته حتى تعينه في السلك القضائي؛ وذلك بسبب غياب الأب في دوامة إدمان المخدرات، وفي محيطه الاجتماعي لاحقًا تولي "أكرم" مهمة أمين صندوق التبرعات بالمسجد ليساهم في رعاية شؤون المحتاجين.

بينما تجلى العفو عند المقدرة في قبول "أكرم" مساعدة عدوه اللدود منذ الطفولة "أحمد" والذي خطف منه محبوبته "سحر" وتزوجها؛ عندما استنجدا به ليساعدهما في وقف نقل ابنهما من دكرنس إلى مدنية الغردقة، فقام بوقف هذا النقل.وأيضًا بلغ التحول في شخصية اكرم ذروته عندما وضع صورة " تشيي جيفارا" على مكتبه في العمل كي يقتدي به في نصرة الحق.

مقايضة الفسادين لا تأتي بالخير: في رسالة تحذيرية لحث المجتمع على عدم الإقتراب من الفاسدين؛ رسم لنا الكاتب صورة شديدة الكآبة عندما قدم لنا "مرون" الذي أخطأ لمرة وحدة في حياته بمقايضة أحد أصحاب النفوذ على ترقية خاله "أكرم" مقابل حكم البراءة لأخيه المتهم في تجارة المخدرات، وتم فور هذا المقايضة إلى ترقية الخال إلى مركز قيادي مهم.

أكتشف "أكرم" في موقعه الجديد وقائع فساد كثيرة، ولذلك كان يحتفظ بصورة من العلميات المخالفة للقانون في منزله لتامين نفسه، وربما استخدم المؤلف تصوير حالة الصراع بين "أكرم" وبين الفساد من خلال الأحلام والكوبيس المفزعة والتي يرى فيها أن هناك من يريد قتله، ليقول المؤلف لنا بشكل غير مباشر أن حادث حريق منزل "أكرم" وموت ابنته "نرمين" قد جاء بفعل فاعل، وكأن الرسالة الضمنية في هذه النهاية المؤلمة لللرواية تكاد أن تقول لنا جميعًا أن مقايضة الفسادين تفضي دائما إلى خسارة حتمية.