ألا لا يجهلن أحد علينا..!

عبد الرحيم التوراني
2019 / 12 / 2

مرّت ثلاثة عقود، بالتمام والكمال، على نعي التاريخ.
نعي تاريخي صاغ سطوره بالبيان الفيلسوف السياسي الأميركي فرانسيس فوكوياما.

كانت عباراته مترصدة وقاتلة..
لم يتردد في إطلاقها على صدورنا العارية، مثل طلقات رشاش عساكر المارينز الأبطال:

"نهاية التاريخ"..

ليس هذا فقط، بل إن هذا الفيلسوف ذو الأصل الياباني التليد، سيستدرك نعيه ليضاعفه مرتين:

"نهاية التاريخ والإنسان".

لقد طمأننا هذا الفوكوياما،
ما ألطفه وأظرفه،
وكنا نرتجف خوفا وقلقا من أن يختار فقط من بني الإنسان سلالة العرب،
لكن الرجل كان سموحا وإنسانيا وكريما جدا،
فحرص على نعي الكل، ولم يستثن أحدا..
فاسحا لنا فرصة التسلل والانصهار ضمن الجموع.

نحن بشر.. نحن من بني الإنسان...
على الأقل فُزنا ببطاقة الإنسانية وبشارة الانتماء للتاريخ!.

ومن شدة فرحنا تنافسنا على تفسير أسباب نزول النعي،
وقمنا بتأويله تأويلا،
كما اعتدنا تفسير وتأويل ما جاء في الكتب السماوية.
لم ننس أن نشمت في الأقوام الأخرى، انتقاما منها،
كيف تتطور وتتقدم علينا، وتتركنا خلفها بمسافات قرون وقرون،
وكنا نحن السباقون والأوائل بين بني البشر.
فمهما تقدم البشر سينتهي هو وتاريخه وما كسب وما كتب..
أينما كنتم تدرككم النهاية..
ينعيكم الناعي فرانسيس فوكوياما وتنامون خارج التاريخ.

ثم جلسنا فوق ربوة عالية ورثناها عن أسلافنا الأمجاد،
نرقب غبار حوافر القيامة،
ننتظر أن نسير خلف نعش التاريخ..
قبل الصلاة عليه ومواراته الثرى.
ولم نشعر بأننا نحن قتلى التاريخ،
تتراكم جثتنا فوق جثتها على بوابة النهايات العظمى،
بلا نعش وبلا تشييع ومن دون صلوات جنائزية..
يتسابق علينا الذباب المفتري لتدوين فقرات تاريخنا، نحن المفترى علينا.
نحن من تفاخروا على امتداد التاريخ بحكمة الفناء وآيات التحول العظيم:
"كنّا وكنتم.. صرنا وصرتم..".
ألا لا يجهلن أحدٌ علينا..
فنجهل فوق جهل الجاهلينا.

نحن من انفصلنا عن التاريخ وسبقناه إلى النهاية...

نحن التاريخ أيها الجهلة..
نحن أجهل الجهلة..
نحن تاريخ التاريخ.
من يجرؤ...!!

Chut...