مباديء الحد الأدني لأهداف التغيير في مصر

أمين المهدي سليم
2019 / 12 / 2

مقدمة :
أولا : عندما ثار المصريون في 25 يناير لم ترفع الجماهير شعارا واحدا دينيا أو عنصريا أو معاديا للسلام، واستقبلها العالم كله بترحاب ومساندة باعتبارها ثورة ضد ديكتاتورية عسكرية، ولأنها ثورة بدون أى أفق معرفي أو نقدي، كانت شجاعة جسديا ونفسيا، ولكن لم يكن الأمر نفسه فكريا وعقليا، ولذا سرعان ماأخترقها المخبرون والغواصات ورفعوا الشعار الحقير البائس "الجيش والشعب إيد واحدة"؛ فانصرف عنها العالم، وشعروا أنهم يساندون ثورة غبية، بالرغم من أن كل أماكن العبادة بكافة أنواعها والمؤسسات الأجنبية والسفارات، وفي غياب كل أنواع الحراسات وكل أنواع الأمن عن الشارع ولمدة لاتقل عن 45 يوما لم تمس ولا في حالة واحدة، وسرعان ماتدخلت أجهزة العسكر السرية الأخطبوطية ودبرت استفتاء الإعلان الدستوري العنصري الرجعي في 19 مارس، وجمعة قندهار، والهجوم على سفارة إسرائيل، وحصار السفارة الأمريكية بالمصاحف، وأخرجوا 11 ألف معتقلا جهاديا، و850 محكوم بجرائم إرهاب من السجون، وجلبوا 3500 جهاديا من الخارج، كل ذلك للإساءة إلى سمعة الثورة وحرفها بعيدا عن مسارها وأهدافها، وكان كل ذلك مجرد تمهيد لاستخدام فزاعة الإخوان وتدبير مسرحية الإنتخابات وتسليمهم السلطة تحت الحراب العسكرية، ودون أن يغادر العسكر السلطة لحظة واحدة، المضحك أنهم بعد استنزاف الثورة وابعاد خطرها أزاحوا الإخوان باعتبار ذلك مطلبا جماهيريا، والباقي معروف.
ثانيا : أثبتت أحداث الثورة ومابعدها وحتى الآن أن العدو الأول لحرية وتقدم المصريين، ومصدر كل الفساد والتفريط والمهانة والفقر والتخلف الذى أصاب المجتمع المصري وهشم وضعية مصر بين الأمم هو الجيش وجمهوريته الفاسدة لحد التعفن والتسمم وعلى مدار 7 عقود تقريبا، والأخطر من ذلك أنه في مقابل المحافظة على امتيازاته المجنونة وتسلطه أقدم على التفريط في التراب الوطني والموارد الوطنية ومصالح مصر العليا حتى يجلب حماية إقليمية ودولية من نتائج ارتكابه لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وأعمال الإرهاب ضد المدنيين، وهذا لب الصفقة بينه وبين السيسي المتمتع برعاية اليمين الإسرائيلي التوسعي المتطرف الساعي بقضه وقضيضه إلى مشروع إسرائيل الكبرى والخائن الأول للضمير اليهودي وتطلعات الشعب الإسرائيلي للسلام، وهذا سبب تفويض السيسي رئاسيا. بينما في الداخل يعملون عبر إعلامهم المركزي ومساجدهم ومدارسهم على التعبئة بالكراهية والعنصرية والتعصب وتغذية العداء ضد السامية وضد كل آخر، وتغييب كل مباديء التسامح والسلام بهدف اضعاف وعزل المجتمع المصري وتخريبه للاساءة إلى سمعته، وهو في نفس الوقت يحقق أهداف اليمين الإسرائيلي التوسعي بالعزل بين الشعوب، واستهلاك الخطر العربي على إسرائيل محليا.
ثالثا : هُزم الجيش المصري ودمر تماما في 1948 وفي 1956 وفي 1967 وهزم وشل تماما في 1973 حتى طلب بمذلة وقف اطلاق النار رغم أنه الباديء بالحرب، ولم ينص قرار مجلس الأمن على إنسحاب إسرائيل إلى خطوط ماقبل الحرب عقابا له، وبعد كل الهزائم المزرية أعادته التضحيات المدنية إلى الحياة وأوقفته على أقدامه المتخاذلة ثم يجد قادته اللصوص الخونة الجهلة القدر من الغطرسة والوقاحة والصفاقة لقول أنه يحمي الشعب، والأسوأ الزعم المتدني الرخيص أنه انتصر.
رابعا : جرائم جمهورية يوليو العسكرية وجيشها ضد المصريين لم يرتكبها أى احتلال لمصر في تاريخها الحديث منذ الحملة الفرنسية والإحتلال الإنجليزي، بل وحتى الإحتلال الإسرائيلي واسألوا أهل سيناء. وهذا التغول على الحياة المدنية والإنقلابية والجشع والقمع والفساد والجبن والفشل في حماية مصر وجلب الهزائم والاحتلالات موجود في جذور نشأة وعقيدة هذا الجيش منذ تشكل منذ 140 سنة، وهى ثابتة بكل الوثائق والأدلة في الدراسة الأصلية : "رؤية للخلاص الوطني".
خامسا : لم تكن عمليات التمصير والحراسات والتأميم واجراءات حماية الثورة وتصفية الاقطاع سوى تحويل الملكيات المدنية إلى غنائم عسكرية، ثم تدهور الأمر مع الخسائر إلى الدخول في حرب مع الشعب على الأصول الرأسمالية للدولة، ثم تطورت إلى صراع على الموارد الوطنية، وحتى أصبح الاقتصاد والخدمات والمرافق كلها عسكرية، وأصبح الجيش هو أكبر شبكة مافيا مسلحة في التاريخ وجنرالاته أباطرة لأكبر سوق سوداء في العالم، حتى أن بلطجي قذر بدرجة لواء أعلن أن الجيش سيقاتل من أجل الدفاع عن هذا النهب الاستعماري الاقطاعي الذى سماه "عرق الجيش".
سادسا : أثبتت الحركات الاحتجاجية في فرنسا والجزائر والسودان والعراق ولبنان أن المجتمعات تحركت خلف مطالب اجتماعية وسياسية عامة ومختصرة ودون مركزية للحراك ودون قيادة وفي أغلب الأحيان بدعوات من أفراد عاديين، وهذا يثبت أن التسوس والفساد والشيخوخة لم تصب السلطات فقط ولكن أصابت الهياكل السياسية والاجتماعية والنقابية المعارضة، ومن قاد الحراك في أغلب الأحوال بعد ذلك قيادات تلقائية.
بيان اتفاق الحد الأدني لأهداف التغيير في مصر :
1) الهدف الأول هو اسقاط جمهورية الاقطاع العسكري المركزية، ويمكن أن يكون اسقاط السيسي هدفا تكتيكيا، ويلاحظ أن السيسي وجيشه ليس أمامهم سوى خيار واحد في مواجهة الاحتجاجات القوية هو الخيار السوري وقد أعلنها السيسي واضحة وبوقاحة العسكريين المعهودة وفي وجود جنرالاته "لو اتحركتوا ضدنا مش هنسيبها لاهتنفع لينا ولا لغيرنا"، وبالتأكيد هذا أدعى لاسقاط هذا الحكم البربري الخائن لأبسط مفاهيم وقيم الاجتماع الإنساني والأخلاقي. مع ملاحظة أن الظروف الإقليمية والدولية لاتسير لصالح هذا النظام البشع المسخ.
2) لابد من المحافظة على مدنية وسلمية كل أنواع التحرك لأن المقاومة السلمية والنضال المدني هم أسلحة قوية لحصار كل نوايا هؤلاء الهمج لافتعال العنف والإرهاب واستدراج المجتمع إلى الحرب الأهلية كعادة هذه الأنظمة الخطرة الهمجية.
3)الهدف النهائي هو تأسيس دولة مدنية ديموقراطية ذات دستور تعاقدي مع الفرد المدني، أى الفرد لحظة ولادته قبل أن يكتسب اسمه وجنسه ولونه وعقيدته وطبقته وطائفته، وليس الأسرة ولا الجماعات ولا الأيدلوجيات، وأن ترتقي الأخلاق والأديان من مدونة السلطة إلى مدونة الحريات المدنية والاجتماعية.
4) اخراج الجيش نهائيا من السياسة والاقتصاد والإدارة، ولايشارك الضباط بعد تقاعدهم في الحياة المدنية إلا بعد مضي وقت محدد.
5) ممتلكات الجيش والأراضي، والملكية العامة والقطاع العام وهذان هما السبب الأول في تحرك شهوة الجشع والفساد العسكري وهما اللذان وفرا تكلفة القمع، يخضع كل ذلك لبرنامج إعادة هيكلة للملكية لصالح الشباب والنساء وموظفي الحكومة والقطاع العام اللذين تم أو يتم الاستغناء عنهم لهم أو لأسرهم، وذلك في مقابل قروض طويلة الأمد وفترة سماح طويلة أيضا وبنسبة فوائد لاتزيد عن المصروفات الإدارية 1% تقريبا، وذلك ليس بهدف أى ربح وإنما بهدف ضخ الاقتصاد كله في الهياكل الاجتماعية، وإنشاء البنية الأساسية اللازمة لهذه المشروعات وهذا هو الضمان الوحيد لاحداث تراكم رأسمالي وتنمية اجتماعية حقيقية في مصر، وحل مشكلة الملكية المأزومة تاريخيا في مصر.
6) أن تكون هذه الدولة ذات سوق مفتوح حر مفتوح على الأسواق العالمية ومرتبط بالرأسمالية العالمية مع هامش اقتصادي اجتماعي، والتزام بالعلاج التعليم حتى الثانوي أو الدبلوم المهني، وأن يسمح بكل الأنشطة الأهلية المدنية والتطوعية دون تدخل رسمي سوى الرقابة القانونية للأنشطة.
7) أن يكون الفرد المدني الفاعل الاجتماعي هو المالك الوحيد والمنتج الوحيد في هذه الدولة، وأن لاتكون سوى الملكية الخاصة، أما بعض المشاريع الكبرى الحساسة مثل قناة السويس فتتحول إلى شركات مساهمة مصرية (كان هذا هو هدف التأميم الفوضوي المخل ولكن خانه عبد الناصر أيضا في التطبيق وحولها إلى غنيمة عسكرية).
8)الغاء رعاية الدولة للتعليم الديني وتحويل كل المدارس والمعاهد الرسمية التى أسستها الجمهورية العسكرية إلى مدارس ومعاهد تعليم وتدريب مهني وحرفي، مع اخضاع المدارس والمعاهد الوقفية والتى ملك المجتمع بالتبرع إلى برامج تعليم تضعها وزارات التعليم. وأن تضم وزارة الأوقاف بكاملها إلى وزارة الشئون الاجتماعية، وأن تخضع دور العبادة الحرة وممتلكاتها لرقابة المحليات.
9) الدولة لامركزية مقسمة إلى المديريات أو المحافظات تخضع كل المناصب الرسمية للإنتخابات المحلية.
10) جهاز دولة صغير للتنظيم والخدمات، وأن تحافظ هذه الدولة وتصون السلام الإقليمي والعالمي، وذات حدود مفتوحة مع كل الشعوب في كل الدول المستقرة ودون استثناء، وتؤمن بالتعايش والتعاون الإقليمي والقاري والدولي.
11) اعادة هيكلة الجيش ليصبح جيشا صغيرا محترفا حديثا وظيفته الأساسية التدريب والصيانة ومناقشة الخطط الدفاعية عن الحدود على أن تكون قواته الضاربة وجسده المقاتل من المجندين الاحتياط بمقابل مادي من المدنيين في أوقات الحرب مثل كل الدول الديموقراطية (الجيش البريطاني والإسرائيلي تعدادهم حوالي 160 ألفا بينما قوات الاحتياط عند التعبئة والحرب الشاملة تصل إلى أكثر من 600 ألف وتتفاوت حسب حجم العمليات وهى جيوش ضخمة ولها مهمات واسعة وجبهات متعددة بينما مصر تحتاج لقوات أقل بكثير من ذلك). على أن تؤسس من أجل الطواريء والكوارث الطبيعية وغيرها قوات حرس وطني تعتمد على تطوع المدنيين في كل محافظة أو مديرية، وتحدد مهامها السلطات المحلية وبرلماناتها المحلية، على أن تكون لها قيادة مركزية محدودة من أجل الطواريء العامة، والهدف ابعاد الجيش تماما عن أى مهام أو طواريء مدنية داخلية. على أن نضع في الاعتبار أنه وعلى سبيل القطع لم تتحارب دولتان ديموقراطيتان على الاطلاق طوال التاريخ الحديث. وأن الحروب تشعلها إما دول شمولية ضد بعضها البعض أو طرف مستبد على الأقل يتسبب فيها.
هذا البيان عبارة عن بعض الأفكار الأساسية في دراسة كبيرة أقرب إلى كتاب بعنوان "رؤية للخلاص الوطني" هدفها محاولة الاجابة على السؤال الإشكالي التاريخي : كيف يصبح الشعب هو المالك الوحيد للوطن وصاحب المصلحة الأول والمدافع الأول عنه؟